17-مايو-2020

(Getty)

سجل التضخم لشهر نيسان/أبريل الماضي حسب تقرير حديث أصدره الجهاز المركزي للإحصاء في 16 آيار/مايو الجاري نسبة (98%) فيما سجل الريف (107%) وهي نسبة غير مسبوقة تشير إلى تفاقم الوضع المعيشي ومواجهة الملايين من سكان الريف لمخاطر فقدان الأمن الغذائي لا سيما وأن التضخم يمثل انعكاسًا لارتفاع تكاليف الغذاء والنقل طبقًا للمركز الحكومي للإحصاء.

ويعرف التضخم على أنه إرتفاع أسعار السلع والخدمات بأعلى من الذي كانت عليه في الفترة الزمنية السابقة، أي أن أسعار السلع الاستهلاكية والخدمات في السودان باتت ترتفع شهريًا، فالتضخم لشهر آذار/مارس 2020 سجل (81%) وارتفع هذا الشهر بزيادة قدرها (17%) وهو رقم كبير في نظر المحلل الاقتصادي وعضو اللجنة الاقتصادية لقوى الحرية والتغيير، الأستاذ شوق عزمي، والذي عبر لـ"ألترا سودان" عن قلقه من ارتفاع مستوى التضخم هذا الشهر، محذرًا من الانهيار الاقتصادي إذا لم تخضع الموازنة المالية الحالية إلى جراحة مؤلمة بتوسيع ولاية وزارة المالية على المال العام، خاصًة حصائل الصادر من الذهب واللحوم.

شوقي عزمي: "عدم الإنتاج في الريف بسبب شح الوقود وعدم كفاءة الحكومات المحلية في الولايات التي بها مئات الأرياف هي أسباب ارتفاع التضخم في الأرياف السودانية"

ويرجع عزمي ارتفاع التضخم في الريف إلى عوامل كثيرة منها عدم الإنتاج في الريف لشح الوقود الذي يساعد على الحرث والتحضيرات الزراعية، وعدم كفاءة الحكومات المحلية التي تدير الولايات والتي بها مئات الأرياف المرتبطة بالنشاط الزراعي.

ويشير عزمي إلى أن صانعي القرار الاقتصادي يواجهون صعوبة في الوصول إلى تلك المجتمعات الريفية للنهوض الزراعي وإنقاذ الريف أولًا، وذلك لأن الخدمة المدنية في تلك المناطق تعاني من ضعفٍ بائن.

وفي نهاية العام الماضي لم يتمكن مزارعون في ولاية القضارف التي تضم أكبر المشاريع الزراعية من حصاد محصول الذرة لأسباب تتعلق بشح الوقود، فاضطروا إلى بيعها كأعلاف للماشية ما أدى إلى فقدان ثلاثة مليون جوال من الحبوب، إذ أن السودان بدلًا عن أن ينتج ثمانية ملايين جوال أنتج خمسة مللايين جوال حسب أقوال مصدر مطلع من الأمم المتحدة لـ"ألترا سودان".

اقرأ/ي أيضًا: مقترح حكومي لإدارة ولاية الخرطوم عبر مجلس ولائي عوضًا عن حاكمٍ واحد

ويقول محلل البيانات في الأمن الغذائي ببرنامج الغذاء العالمي كارم صادق لـ"ألترا سودان": "لا يمكن النظر إلى ارتفاع التضخم في الريف وفقًا لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء إلى (107%) والتحول إلى الرقم الثلاثي بمعزل عن مشاكل معقدة تواجه الريف أبرزها شح الوقود وبيعه في السوق السوداء مما يؤدي إلى حرمان المزارعين من الوقود المدعوم وهذه الأزمة تؤدي إلى تعطيل الزراعة وتحويل المجتمعات الريفية إلى استهلاك السلع المستوردة وتحمل نفقات هائلة للطعام والشراب".

كما يدعو صادق إلى سياسات زراعية تشجيعية بفتح الطريق أمام المزارعين للوصول إلى التمويلات البنكية الميسرة بتشكيل جمعيات زراعية تعاونية وتقديم مساعدات لتسويق منتجاتهم الزراعية بإلغاء الرسوم المتعددة بين الولايات.

وبرزت في نسبة التضخم الجديدة التي نشرها مركز الإحصاء السوداني يوم أمس السبت؛ عوامل أخرى ضمن أسباب ارتفاع التضخم مثل ارتفاع تكلفة السكن والنقل، مما يعني أن ثمة مخاطر كبيرة تواجه الحكومة الانتقالية نسبة لاتساع رقعة الأزمات، فالسكن والنقل دخلا خط الأزمة لتأثيرات متعلقة بالإقتصاد الكلي، إذ أن ملاك العقارات يلجأون الى رفع الإيجارات لمقابلة الوضع المعيشي، بجانب عدم مخاطرة رأس المال بالاستثمار فيما يتعلق بالإنتاج، والاتجاه إلى شراء العقارات لحماية رأس المال من التآكل بسبب التآكل المستمر للعملة المحلية أمام العملات الأجنبية.

سأل "ألتر سودان" الباحثة في الشؤون الاجتماعية بولاية شمال دارفور لنا سبيل، عن أثر التضخم على المواطنين خاصة القادمين من الأرياف الواقعة حول المدينة، وقالت لنا سبيل: "سابقا النساء كن يأتين من الريف يحملن الدجاج والبيض والمنتجات اليدوية ويبعنها في الأسواق الشعبية، الآن اختفت هذه الأشياء وأصبحن يأتين لشراء مستلزمات غذائية شحيحة ومستوردة أي أنهن تحولن إلى قطاعات استهلاكية".

وتضيف سبيل "هناك عوامل في الولاية لا تساعد على الإنتاج مثل انعدام الأمن في الريف، فالمزارعون والغالبية منهم من النساء يواجهن هجمات العصابات المسلحة التي تهدد حياتهن وبالتالي يضطررن إلى السكن في أطراف المدن والاعتماد على الأعمال الاضطرارية اليومية".

والظاهر أنه ليست هنالك خطة حكومية واضحة لتخفيض التضخم بشكلٍ عام وفي الريف على نحوٍ خاص،  فالحديث عن زيادة الأجور للقطاع العام اعتبارًا من آيار/مايو الجاري ليس حلًا سحريًا لضبط التضخم في الريف، والذي يقطن فيه ملايين الفقراء.

كارم صادق: "يجب على الحكومة الاهتمام بالسلام في مناطق النزاعات والتي تعتبر أهم روافد الإنتاج الزراعي. الزراعة المطرية في السودان لها مستقبل واعد إذا ما حظيت باهتمام الحكومة"

ويشدد المحلل الإقتصادي الأستاذ شوقي عزمي، على أن "علاج التضخم ينبغي أن يأتي في إطار الاقتصاد الكلي بكفاءة الخدمة المدنية في مواقع الإنتاج وهي الولايات، وتعيين طاقم مدني لإدارة الولايات وتفكيك النظام القديم، وهذه الإجراءات بالتنسيق مع الحكومة الانتقالية تساعد على انسياب الخدمات الأساسية مثل إيصال شحنات الوقود إلى المزارعين في الريف لأنه مهما توفر الوقود فإنه أصبح سلعة جاذبة للسوق السوداء".

بينما ينصح محلل البيانات الغذائية بوكالات الأمم المتحدة الأستاذ كارم صادق، السلطات بالاهتمام بالعملية السلمية في مناطق النزاعات والتي تعتبر أهم روافد الإنتاج الزراعي، موضحًا أن "سبع ولايات تقع ضمن المناطق التي تشهد نزاعات مسلحة يقطنها غالبية السكان الذين يمتهنون الزراعة المطرية". ويقول صادق "الزراعة المطرية في السودان لها مستقبلٌ واعدٌ إذا ما حظيت باهتمام الحكومة بوضع تشريعات مساندة للمزارعين وتأهيل مكاتب الزراعة وضمان انسياب الوقود".

وتبرز معادلتين إزاء ارتفاع التضخم في الريف إلى (107%) لشهر نيسان/أبريل تحتاجان إلى تدخل حكومي: المعادلة الأولى إن السلع الواردة إلى الأرياف ستتأثر بأزمة الوقود وارتفاع تكاليف النقل وبالتالي التأثير على أسعار المواد الغذائية، والمعادلة الثانية هي أن الريف المعروف بالإنتاج الزراعي سيعاني من شح الوقود اللازم للعمليات الزراعية.

اقرأ/ي أيضًا

تاور يكشف ملابسات الخلاف مع وزير الصحة ويعتبر أن الأمور تجاوزت حدودها

جنوب السودان يسجل أول ثلاث وفيات بسبب كورونا بالعاصمة جوبا