26 عامًا على رحيل الفنان خوجلي عثمان

26 عامًا على رحيل الفنان خوجلي عثمان

خوجلي عثمان (يوتيوب)

كلما مر تاريخ 11 تشرين الثاني/نوفمبر من كل عام، تزدهي القُمريات بجميل الحُداء الطروب، تتذكّرُ مغنيًا، وسيمًا قسيمًا، صداح الصوت يُسمى خوجلي عثمان. بثّ في أيام السودانيين ولياليهم أزكى المشاعر، وأجمل أنواع الأداء الغنائي. يغني بكامل الرشاقة، والابتسام، ويوزع المحبة على الجميع، وهو يتنقل بين روائعه "ما بنختلف"، و"أسمعنا مرة"، و"يعني كيفن ما بريدك".

ربطته علاقة مميزة بإثيوبيا وكثيرًا ما شاركه الغناء فنانون إثيوبيون من بينهم منليك

صدح صوت المغني خوجلي عثمان، عبر أستديوهات الإذاعة السودانية منتصف السبعينات، حينما استضافه المذيع الراحل عمر عثمان، في برنامجه "ساعة سمر". قدّم خوجلي في الحلقة أغنيته الأولى؛ أسمعنا مرة، إلى جانب القطار المرّ، والمالك شعوري، ومنذها ذاع صوته وسيرته واسمه بين الناس في السودان، وكذا في إثيوبيا التي ربطت بينه وبينها علاقة وجدانية عالية. وكثيرًا ما شاركه الغناء في حفلاته التي كان يُقدمها بين فترةٍ وأخرى فنانون إثيوبيون معروفين، أمثال منليك.

اقرأ/ي أيضًا: "الجنقو مسامير الأرض" تفوز بجائزة الأدب العربي في فرنسا

تقول بعضًا من سيرة المغني السوداني خوجلي عثمان [1951-1994]، أنه من مواليد مدينة حلفاية الملوك، بالخرطوم بحري، لأسرةٍ سودانية بسيطة. وكان الوحيد بين إخواته الخمس. ثم انطلق صوته بالغناء مرددًا بعضًا من أغنيات الحقيبة، بالتركيز على أغنيات عثمان الشفيع، حتى عُرف بين الكثير من محبي صوته بها، وساهم هذا الترداد في خلق علاقة جيدةٍ بينه والمغني السوداني القامة عثمان الشفيع، وكذا بينه وبين مستمعيه ومحبي صوته. لكنه سرعان ما انفكّ عن ترديد أغنيات الغير إلى تقديم أعماله الغنائية الخاصة.

وصلت علاقة القُرب بينه وعثمان الشفيع حدًا أن خصه الشفيع مشاركته جلسات الاستماع الخاصة به مع أصدقائه وخُلصائه وهو أمر شديد الخصوصية في دائرة المغنيين السودانيين، ليُردد معه "القطار المرّ"، "الذكريات"، و"المالك شعوري"، كأفضل ما يكون الأداء المشترك. ويذكر مجايلو تلك الفترة وجلاس وحُضور تلك الأمسيات أنّ الشفيع كان ينتوي ترديد أغنية أو اثنين، لكن أداء وصوت خوجلي كانا يُحرّضانه فتنقضي الجلسة كلها ولا يغني خوجلي فيها.

لمع نجم خوجلي عثمان، أول ما لمع، وعرفه الناس، بأدائه المنفعل مع الغناء وتطريبه الذي ينبع من القلب، في مهرجان الثقافة الأول، مطالع السبعينات. وفي ذلك المهرجان، بزّ خوجلي جميع المشاركين فيه، ونال عن جدارةٍ واستحقاق المركز الأول. وشاركه في المنافسة في مهرجان الثقافة الأول كلٌ من، المغني هاشم ميرغني، والمغني يوسف الموصلي. قدّم خوجلي عثمان وقتها، أغنيته الأثيرة "أسمعنا مرّة"، وهي من كلمات إسحق الحلنقي، وتلحين عبد اللطيف خضر. وفازتْ الأغنية بالجائزة الأولى للمهرجان.

يحكي الموسيقي والملحن والشاعر عبد اللطيف خضر، "ود الحاوي"، علاقته بخوجلي عثمان، والتي استمرّتْ لسنوات عديدة فيما بعد، وأثمرت العديد من الأغنيات، أبرزها أغنيات "أسمعنا مرة وبدر الهلال". أنّ والده وأمه ما كانا يغشيان الجزء المخصص له في المنزل، فيتركانه لموسيقاه وألحانه وأصدقاءه. لكن تصادف أن سمعوه يصدح بأغنية "أسمعنا مرة"، في الأيام التي كان يغشى فيها خوجلي عثمان داره، طالبًا بعض الألحان، فلم يملكا إلا أنْ يتجها سوية إليه ليستمعا للأغنية كاملةً.

يقول ود الحاوي أنّ علاقة أمه وأبيه بالغناء والموسيقى عادية جدًا، لكن عندما سمعا صوت خوجلي عثمان، قالا له وبشكلٍ واضحٍ بأنّ هذا الصوت جميل، ويستحق أنْ تمنحه ألحانك، وقد كان.

وشهدتْ حقبتي الثمانينات والتسعينات، السطوع الهائل لنجم للمغني خوجلي عثمان. وفيها قدّم جُل أعماله الفنية التي تحوّلت إلى حديث يومي للناس، وعبارات ممتلئة الحكمة والإنسانية والمحبة الصادقة، فتُكتبت في خلفية المركبات العامة والخاصة وعلقت على لوحات داخل البيوت وحوتها الخطابات السرية للمحبين. وكان وقتها أمرًا عاديًا ومتكررًا أن تقرأ مكتوبًا على ظهر أحد اللواري السفرية، أو البكاسي عبارات "أسمعنا مرة"، أو "ما بنختلف" وهي أغنيته التي صدح بها من كلمات، حسن الزبير.

شهرة خوجلي عثمان، أنّه كان مغني الطبقة الوسطى السودانية، يوم أنْ كانت لها "شنّة ورنّة". وفي ذات الوقت كان خوجلي مغني العاديين من الناس. وعقب حادثة مقتله المأساوية، كتب عنه المفكر السوداني منصور خالد مقال نعيٍ، أسمّاه فيه "زرياب".

يقول منصور خالد في مقاله: "النبأ المفزع الذي هزّ أهل السودان منذ بضعة شهور عاد بي إلى زمان ليس بالبعيد. كنت وصحاب لي نختلس فيه البهجة اختلاسًا من هموم الحياة، نصقل قلوبنا حتى لا تصدأ. وكان خوجلي عثمان واحدًا من أهل المغنى الذين يملؤون تلك السويعات التي نَستَّرِق متعة وحبورًا. من هؤلاء الصحاب من ذهب إلى رحاب ربه راضيًا مرضيًا ومنهم من ينتظر. ذكرتهم جميعًا يوم نعي خوجلي؛ ذكرت عليًا وعليًا، وذكرت عثمان وعثمان، وذكرت الأمير الغني، وذكرت الملك حفيد الملوك حسن محمد صالح؛ ثم ذكرت بشيرًا الذي يستبي تعزافه القلوب. وكان ذكي الفؤاد علي المك -أحد العليين- يُطلق على خوجلي عثمان لقب زرياب.

الغريب في حادثة مقتل خوجلي عثمان، هو تلك الظلال السياسية الكثيرة التي نُسجتْ حولها، حتى كادت أن تغطيها بتمامها. وربطها بشكل مباشر بحادثة محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، بالعاصمة الإثيوبية أديس أبابا. من بين تلك الظلال التي نُسجت عن مقتل خوجلي عثمان أنّه كان شاهدًا بمحض الصدفة لبعض تفاصيل محاولة حادثة اغتيال الرئيس المصري، وأنّ المنفّذين للمحاولة التقوا به مصادفةً وهم على الطائرة إلى أديس أبابا، وهو على ذات الطائرة لإحياء حفلٍ هناك.

ويبدو أنّ من الربط بين محاولة الاغتيال لحسني مبارك، وبين مقتل خوجلي عثمان، والاستثمار فيها، ومحاولة إضفاء بُهارٍ سياسي عال، كان لما للمغني خوجلي عثمان من محبة لدى الكثير من السودانيين، ومحبتهم له.

لكن بمراجعةٍ غير دقيقةٍ للتواريخ، يُكتشف أنّ تاريخ محاولة اغتيال الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك كانت في حزيران/يونيو من العام 1995. بينما كانت حادثة مقتل المغني خوجلي عثمان في تشرين الثاني/نوفمبر من العام 1994. أي قبل ما يقارب العام ونصف من المحاولة الفاشلة لاغتيال مبارك. والمبرر الشائع لحادثة مقتل المغني خوجلي عثمان أنّه كان شاهدًا على تفاصيل تنفيذ اغتيال الرئيس المصري حسني مبارك، ولهذا تمت تصفيته ضمن آخرين شهود على محاولة اغتيال حسني مبارك.

صحيح أنّ اجراءات التقاضي في حادثة مقتل خوجلي عثمان، لم تكن مرضيةً للكثيرين. خاصة مع التبرير الذي ساقته سلطات الإنقاذ وقتها، أنّ منفذ جريمة قتل خوجلي عثمان كان معتوهًا أو مضطربًا نفسيًا.

حول خوجلي عثمان أيام السودان في ثمانينات القرن الماضي وتسعينياتها إلى حالة متسعةٍ من الطرب الأصيل

لكن الشاهد أنّ المغني خوجلي عثمان قُتل في حادثة مفجعة، وقُتلتْ معه تجربةٌ في الغناء البديع، والصوت الأكثر حلاوة وطلاوة. كان يُغني بقميصه المشجّر وبدلته الكُحلية، ووجهه البسام، وشعره الخُنْفُس، فتتحوّل أيام السودان في ثمانينات القرن الماضي وتسعينياتها إلى حالة متسعةٍ من الطرب الأصيل. عندما يُغني، خوجلي عثمان تُثمر أشجار البرتقال، ويفوح القرنفل، وتخْضرُّ المشاوير وتزدهي الأمسيات بين المحبين.

اقرأ/ي أيضًا

وداعًا "ماضي الذكريات"

أحمد المصطفى.. العميد