"كينيث كاوندا".. رحيل آخر قادة التحرر الإفريقي

(تويتر)

توفي الرئيس الزامبي الأول والمؤسس لجمهورية زامبيا كينيث ديفيد يوم أمس الخميس 17 حزيران/يونيو 2021 في المستشفى العسكري بالعاصمة "لوساكا" والذي نقل إليه قبل يومين إثر التهاب رئوي عن عمر ناهز الـ(97) عامًا.

توفي والده "كان ديفيد كاوندا" الذي عمل قسيسًا ومعلمًا، بينما كان كاوندا في الثامنة من عمره

ولد كينيث بوتشيزيا كاوندا المعروف باسم (KK) في 28 نيسان/أبريل 1924 في مقاطعة "لبوا" في روديسيا الشمالية -الآن زامبيا-  لأب وأم ملاويين، توفي والده "كان ديفيد كاوندا" الذي كان قسيسًا ومعلمًا، بينما كان كاوندا في الثامنة من عمره، تلقى تعليمه الابتدائي في إحدى المدارس التبشيرية التي تتبع للكنيسة الأسكتلندية بمنطقة "لوبوا"  وتلقى تعليمه الثانوي في مدرسة (Munali) في العاصمة لوساكا وهي أولى المدارس الثانوية للأفارقة السود في روديسيسا الشمالية، وبعد تخرجه من الثانوية عمل في التدريس حيث عين مدرسًا عام 1943 في مدينة "لوبوا" التي درس فيها المرحلة الأولية.

اقرأ/ي أيضًا: المجلس القومي للسكان يشكو ضعف التمويل والإهمال الحكومي

 مشروعه السياسي ودوره في التحرير

حقق الرئيس الراحل كينيث كاوندا قدرًا من المكانة الاجتماعية من خلال المستوى التعليمي والعمل في مجال التدريس، وفي عام 1949 عمل  مترجمًا لأحد الأعضاء البيض في المجلس التشريعي لروديسيا الشمالية، الأمر الذي أكسبه معرفة بالحكومة الاستعمارية وأكسبه المهارات السياسية، وأعانته هذه الخبرة والتجربة في مستقبله السياسي، عقب انضمامه في وقت لاحق من ذلك العام إلى المؤتمر الوطني الأفريقي (ANC)  في أوائل الخمسينيات من القرن الماضي، وخلال وقت قصير أصبح كاوندا أمينًا عامًا لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي الذي أنشق عنه لاحقًا وكون المؤتمر الوطني الإفريقي في زامبيا، وكانت التجربة التكوينية بالنسبة له هي الزيارة التي قام بها إلى غانا في ديسمبر 1958 لحضور المؤتمر الأول لشعوب إفريقيا، والذي دعا إليه رئيس وزراء الدولة المستقلة حديثًا، كوامي نكروما، حيث أتيحت له الفرصة للقاء العديد من القوميين البارزين في القارة.

استخدم كاوندا المؤتمر الوطني الإفريقي في زامبيا كأداة لتنفيذ ما أسماه "العمل اللاعنفي الإيجابي"، وهو شكل من أشكال العصيان المدني ضد سياسة الاتحاد بين رودسيا الشمالية والجنوبية وتنجانيقا القائمة آنذاك. وقد أسفرت حملته عن نتيجتين رئيسيتين: الأولى، قيام الحكومة البريطانية بتعديل سياسة الاتحاد ووافقت في النهاية على التخلص منها واستقلال زامبيا فيما بعد. النتيجة الثانية هي أن سجن كاوندا وغيره من القادة العسكريين أدى إلى رفعهم لمرتبة الأبطال الوطنيين في نظر الشعوب في المنطقة وانتخابه رئيسًا لحزب الاستقلال الوطني المتحد (UNIP) الذي تم تشكيله في أكتوبر 1959، والذي ساهم بشكل فعال في حصول زامبيا على الاستقلال في عام 1964، وأصبح كينيث كاوندا أول رئيس لجمهورية زامبيا بعد الاستقلال.

واجه الرئيس الراحل كاوندا -مثل القادة الأفارقة الآخرين- العديد من مشاكل ما بعد الاستقلال وسعى لتوحيد زامبيا تحت شعار "زامبيا دولة واحدة وشعب واحد" وحافظ على الاستقرار من خلال التعيينات في المناصب العامة فيما أصبح يعرف باسم "التوازن القبلي"، وتمكن من حكم البلاد عبر نظام الحزب الواحد لـ(27) عامًا (1972 -1991) هيمنت فيها الحكومة وحزبها على كافة الفضاء السياسي والاقتصادي والاجتماعي والأمني، ما أدى في النهاية إلى تقويض نظام الحزب الواحد والانتقال إلى التعددية السياسية.

الانتقال الديمقراطي وتنحيته عن الحكم

تراجعت شعبية الرئيس الراحل إلى أدنى مستوى لها تحت تأثير الضغوط الاقتصادية خلال عام 1990 وأخمدت الحكومة محاولة انقلابية لتغيير النظام، كما برزت أصوات مطالبة بالتعددية السياسية من البرلمان وبنهاية العام تشكلت الحركة من أجل الديمقراطية متعددة الأحزاب (MMD) وخرجت في مسيرات في جميع أنحاء البلاد للمطالبة بالتغيير، مما أجبر الحكومة على  إجازة مشروع قانون لتحويل البلاد إلى دولة متعددة الأحزاب، أجريت الانتخابات في تشرين الأول/أكتوبر 1991 وأسفرت عن هزيمة كبيرة للحزب الحاكم وتحقق الانتقال السياسي بصورة سلمية، وتحولت البلاد من نظام الحزب الواحد إلى التعددية الحزبية، ومن المواقف الوطنية التي ستظل عالقة بذاكرة الشعب الزامبي تهنئة الرئيس الراحل كاوندا للرئيس الفائز في الانتخابات المحامي والنقابي "فريدريك شيلوبا" قائلًا: "أخي، لقد فزت بشكل مقنع وأنا أقبل قرار الشعب." وأعلن كاوندا اعتزاله العمل السياسي في عام 1992 واستقال من قيادة UNIP، ولم تفلح محاولته العودة للعمل السياسي في العام 1994 لإضافة بند في الدستور يشترط على المرشحين في مايو 1996 أن يكونوا من الجيل الثاني من الزامبيين، كان والدا كاوندا من نياسالاند –جمهورية ملاوي فيما بعد.

دعم حركات التحرر الإفريقي

بوفاة كينيث كاوندا فقدت القارة الإفريقية آخر القادة المؤسسين لمنظمة الاتحاد الأفريقي OAU، المعروفة الآن باسم الاتحاد الأفريقي (AU). فقد كان إفريقيًا مخلصًا ملتزمًا بإنهاء الحكم الاستعماري في إفريقيا، كما لعب دورًا حاسمًا في تحرير دول الجنوب الإفريقي، وبصفته رئيس لمجموعة من ستة رؤساء دول أفريقية على خط المواجهة، حث الدكتور كاوندا هذه الدول على معارضة نظام الفصل العنصري ومقاومته في زيمباوي وجنوب إفريقيا وملاوي وبتسوانا وناميبيا وأنغولا، وخلف كاوندا "نيريري" في رئاسة دول المواجهة، وأصبح أيضًا رئيسًا لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1987.

مؤلفاته وكتبه

نشر الرئيس الراحل عدة أفكار الكتب التي قام بتأليفها منها على سبيل المثال لا الحصر "يجب أن تكون زامبيا حرة (1962)، رسائل إلى كولين موريس (1973)، رسالة إلى أطفالي (1980)، كاوندا عن العنف (1987)، الإنسانية في زامبيا ودليل لتطبيقها- الجزء الأول (1987)، الإنسانية في زامبيا ودليل لتطبيقها -الجزء الثاني (1988) والسياسة والحكومة (2007).

فلسفته ومشروعه الإنساني

حاول الرئيس الراحل كينيث كاوندا تطبيق ما يسمى بالإنسانية الزامبية عام 1967، وقد كانت شكلًا من أشكال الاشتراكية الإفريقية التي جمعت بين القيم الإفريقية التقليدية والقيم الاشتراكية والمسيحية الغربية، وكان اختيار هذه الأيديولوجية قائمة على حقيقة أن إفريقيا كانت تحتوي دائمًا على الكثير من الاشتراكية الأصلية التي حاول المستعمرون تدميرها، ومثلت فلسفته محاولة لاستعادة قيم ما قبل الاستعمار والتقاليد واستخدامها كأساس للبناء الدولة الحديثة، وكانت أهم المبادئ الأساسية للإنسانية الزامبية هي:

  1. مركزية الإنسان حيث لا يتم تعريفه حسب لونه أو أمته أو دينه أو عقيدته، الميول السياسية والمساهمة المادية أو غيرها.
  2. الكرامة الإنسانية.
  3. عدم استغلال الإنسان لأخيه الإنسان
  4. تكافؤ الفرص للجميع.
  5.  العمل الجاد والاعتماد على الذات.
  6. . العمل الجماعي كمحرك للإنتاج.
  7. نظام الأسرة الممتدة.
  8. الولاء والوطنية.

يشير نقاده إلى افتقاره إلى الصرامة الفكرية ووصفت محاولته في الفلسفة السياسية بأنها مجرد تقليد باهت لأفكار صديقه نيريري

وقد حاولت حكومته تطبيق فلسفته الإنسانية التي عززت مركزية الإنسان في جميع الأنشطة ولقيت قبولًا جيدًا في البداية، ولكن مع تدهور اقتصاد البلاد تراجع مستوى القبول إلى أن تحولت البلاد للنظام الرأسمالي الغربي، عقب الانتخابات في العام 1991، ويشير نقاد فلسفته الإنسانية إلى افتقاره إلى الصرامة الفكرية وأن محاولته في الفلسفة السياسية كانت مزيجًا من الأفكار التي وصفت بأنها مجرد تقليد باهت لتفكير صديقه وجاره في تنزانيا الرئيس جوليوس نيريري، مما أدى إلى فشلها في الجوانب السياسية والاجتماعية والاقتصادية، بينما يرى مؤيدي فلسفته أنها ساهمت في كبح جماح الرأسمالية المتوحشة في زامبيا آنذاك ومنعت استغلال البشر، وبشكل عام  ينظر إليه ليس كفيلسوف فحسب بل كقائد شجاع شارك بنشاط في النضال من أجل الاستقلال.

اقرأ/ي أيضًا

مع ارتفاع التضخم.. هل يعين برنامج "ثمرات" السودانيين؟

إضراب مفتوح بديوان المراجعة القومي