11-أكتوبر-2020

وزيرة المالية المكلفة (سونا)

مع أن الحديث عن إيقاف دعم الدولة للسلع والوقود، ظل مثار نقاش مستمر بين المؤيدين والمعارضين للخطوة في الفترة الماضية، إلا أن تصريح وزير الطاقة والتعدين السوداني المكلف خيري عبد الرحمن، الوارد في وكالة الأنباء الرسمية "الجمعة" العاشر من الشهر الجاري، أوصل النقاش إلى ذروته.

مؤيدو رفع الدعم الحكومي عن السلع: استفادة الأغنياء منه أكثر من الفقراء

وكان خيري قال إن الترتيبات جارية لتنفيذ سياسة تحرير أسعار الوقود وإن الأمر لم يعد "موضع تسريبات"، بل كانوا في انتظار اكتمال الترتيبات التي قامت بها وزارة الطاقة والتعدين بحصر وتأهيل الشركات التي ستدخل في عملية الاستيراد والبيع، وإعداد وفتح العطاءات العالمية للمنافسة الحرة والشفافة.

اقرأ/ي أيضًا: مركز الخرطوم للثدي: سيدة من بين كل ثمان تصاب بسرطان الثدي في السودان

شعبيًا، تقوم حجة مؤيدي "رفع الدعم" على استفادة الأغنياء منه أكثر من الفقراء، في ظل عجز ميزانية الدولة عن الوفاء بالتزاماتها المالية في قطاعات الإنتاج والخدمات، كما يشير بعضهم إلى تهريب السلع المدعومة لاسيما الوقود ودقيق الخبز إلى دول الجوار بدل أن تذهب إلى مستحقيها من السودانيين.

هذه الحجج يبينها بوضوح الشاب حسام قريش أحد أنشط الداعين إلى سياسة رفع الدعم، حيث جعل من صفحته على "فيسبوك" منبرًا يبين فيه فوائد الرفع عن الاقتصاد الكلي للسودان.

يقول حسام لـ"ألترا سودان" عن موقفه من رفع الدعم عن الوقود: "لا يمكن أن يكون سعر الوقود لدينا من أرخص الأسعار في العالم لأن الدولة توجه كل إيراداتها بل وتطبع العملة من أجل تمويل استهلاك وقود رخيص لا يستفيد منه قطاع الإنتاج، بل يتم تهريبه إلى دول الجوار أو يتسرب إلى السوق الموازي ليباع بعشرة أضعاف ثمنه. مهمة الدولة الرئيسية هي التنمية وهي مهمة معطلة في حين تلهث الدولة لجلب وقود رخيص".

لكن حسام يرى أنه في حال كان الوقود المدعوم مخصصًا للإنتاج لما كانت هناك مشكلة، ويضيف: "لكن تخيل أن دولة فقيرة مثل السودان عليها أن توفر أربعة مليارات دولار سنويًا للدعم، وهو مبلغ غير مسترد، فهل هذا وضع صحيح؟".

حسام قريش: مقترح رفع الدعم عن الكهرباء يضمن أن الفئات الأقل استهلاكًا ستأخد كهرباء مدعومة

أما عن دعم الكهرباء، فيقول حسام إن مقترح رفع الدعم عن الكهرباء: "يضمن أن الفئات الأقل استهلاكًا ستأخد كهرباء مدعومة مع رفع الدعم عن الاستهلاك العالي، لأنه من غير المنطقي دعم استهلاك سكان الأحياء الراقية وأصحاب الدخول المرتفعة، في الوقت نفسه الذي نعجز عن إيصال الإمداد الكهربائي إلى (٦٥)٪ من المواطنين".

إلا أن الاقتصادي معتصم الأقرع يقول لـ "ألترا سودان" إن مثل هذه الحجج تعني: "أن الحكومة مستعدة لعقاب (80)% من الشعب بجريرة (20)%". ويذهب الأقرع إلى أن "الخيار الأسلم في ظل مثل هذه الأوضاع هو الإبقاء على الدعم، وفرض ضرائب إضافية على الـ(20)% من الأغنياء تساوي قيمة الدعم الذي يتلقونه".

اقرا/ي أيضًا: أوتشا: أكثر من 30% من المياه التي تم تحليلها في 13 ولاية سودانية كانت ملوثة

ثمة مخاوف تظهر حين الحديث عن موضوع دعم السلع في السودان، ففي غياب قاعدة بيانات وطنية عن دخل كل فرد في السودان، وعدم وجود سجلات ضريبية مضبوطة، مقروءً مع ضعف مداخيل السودانيين بما لا يتناسب وتكاليف الحياة، فكيف إذن سيتمكن الفقراء من العيش حال تضاعفت تكاليف الحياة كنتيجة لإيقاف دعم السلع؟

يرى الأقرع أن الرفع المتسرع للدعم: "سوف يفاقم معاناة الطبقة الوسطى والطبقات ذات الدخل الأدنى في بلد تقول حكومته إن أكثر من ثلثي شعبه يعيشون تحت خط الفقر. فحسب دراسات فإن الدعم تتوزع فوائده على الطبقة الفقيرة التي تستفيد من (20)% من قيمته، والطبقة الغنية التي تستفيد من (20)% منه، والطبقة الوسطي التي تحصل على (60)% من ثماره".

معتصم أقرع: الدعم الحكومي للسلع هو إعادة توزيع للدخل القومي لمصلحة الفقراء

ويؤكد الأقرع أن الدعم في حد ذاته ليس مشكلة من وجهة النظر الاقتصادية، بل تكمن المشكلة في عجز الميزانية الذي قد يترتب عليه وتمويله بطباعة النقد. ويصف الدعم بأنه: "ليس إحدى السياسات التي تسهم في تحقيق الأهداف الكليّة للاقتصاد وإنما هو تصحيح لاختلال توزيع الدخل داخل النظام الرأسمالي، أي هو إعادة توزيع للدخل القومي لمصلحة الفقراء. الدعم هدفه الأول والأخير هو حماية الطبقات الفقيرة من ظلامات اقتصاد السوق".

ما البديل إذن؟

يبدو السؤال عن البديل الذي يمكن أن يحل محل رفع يد الدولة عن دعم السلع والخدمات في السودان، سؤالًا مفارقًا لواقع الحال الماثل الآن، في ظل التدهور المتسارع للاقتصاد، وفي حين تطرح الحكومة برنامجًا للدعم النقدي والسلعي تعتوره كثير من التحديات أكبرها صعوبة إنشاء قاعدة بيانات شاملة كما أشرنا؛ إلا أن معتصم الأقرع يرى أن من الممكن المحافظة على الدعم وفق: "مجموعة من الإجراءات في جانبي الإيرادات العامة والمصروفات، بإيجاد طرق لزيادة الإيرادات بما يسمح بتمويل الدعم، مثل فرض ولاية وزارة المالية على شركات الأمن والجيش والدعم السريع، وزيادة حصة الدولة من الذهب، وتحسين التحصيل الضريبي من الأغنياء، وفي جانب المصروفات يمكن خفض الصرف البذخي غير المنتج على شرائح البيروقراطية العسكرية والمدنية وغيرها، وما يتوفر من مال يذهب لتمويل الدعم".

ويضيف: "صحيح أن الدعم النقدي المباشر أفضل من السلعي من الناحية النظرية، ولكن من الناحية العملية لا توجد إمكانيات إدارية لتطبيقه، ولو أريد تأسيس نظام دعم مباشر فإن تكلفة إدارته البشرية والمادية ستكون فلكية وسوف تفتح بابًا للفساد ومفاقمة عجز الموازنة".

مخاوف وأسئلة

تختلط المخاوف بالأسئلة في ما يخص قضية رفع الدعم، على رأسها تأتي مسألة الشفافية التي بين عام ونصف من عمر الحكومة الانتقالية أنها متمسكة بإرث انعدامها خلال الثلاثين عامًا المنصرمة، فما من ضمانات أن المال المتوفر من إيقاف دعم السلع سيذهب إلى قطاعات الإنتاج وإلى الصحة والتعليم مثلًا، أو ما الذي ستفعله الحكومة حال لم تأت نتائج الرفع كما تظن.

وهناك سؤال آخر عن ما هو الحل الحكومي حال أدى عدم دعم الدولة للكهرباء ودقيق الخبز إلى جعل الأغنياء فقط هم القادرين على دفع تكاليف هاتين السلعتين، ومن ثم يسقط الفقراء في جب الحرمان الكامل بعدما كانوا يحصلون على بعض الدعم سابقًا؟.

إلى حين الوصول إلى إجابات سيظل سجال رفع الدعم مشتعلًا لبعض الوقت لاسيما إن جاءت نتائجه عكس ما روجت له الحكومة ومؤيدوها

أيضًا، في ظل الاتهامات المتواصلة للحكومة أنها تنفذ "روشتة" دون تدبر، فما مصير قطاعي التعليم والصحة، هل سنشهد حملة جديدة في ما بعد لرفع يد الدولة عنهما تمامًا أم ستبقى القبضة المرتخية الحالية؟

كل هذه الأسئلة وما يشبهها تفتح من جديد الحديث عن مهمة جهاز الدولة ودوره تجاه المواطنين، مع ملاحظة أنه لا يزال من أكبر مستهلكي الوقود والكهرباء. وإلى حين الوصول إلى إجابات سيظل سجال رفع الدعم مشتعلًا لبعض الوقت لاسيما إن جاءت نتائجه عكس ما روجت له الحكومة ومؤيدوها.

اقرأ/ي أيضًا

روسيا تهدي البحرية السودانية سفينة حربية لأغراض التدريب

الحكومة تبحث مع السفير القطري سبل معالجة آثار السيول والفيضانات