الدولة السودانية وماراثون الدستور

الدولة السودانية وماراثون الدستور

شهد الشعب السوداني، منذ فجر الاستقلال في خمسينات القرن الماضي ثمانية دساتير، بتعاقب النظم السياسية المستمر، ما بين حكم شمولي وآخر ديمقراطي، ولم يعرف السودانيون للدستور الدائم معنىً؛ لأن عمليات وضع الدستور نفسها جانبها الصواب، ولم تؤسس على مبدأ المشاركة الشعبية التي تكفل للمواطن دورًا في وضع الدستور ومن ثم الاعتراف به واحترامه واتخاذه مرجعية لإدارة الصراع مع الدولة وبين الأفراد في المجتمع الواحد. 

القانون الذي أعلنت عنه وزارة العدل- وبرغم التحفظات التي طرحها عدد من الخبراء حوله، إلا أنه اعتمد على مبدأ جديد على التجارب السودانية في صياغة الدساتير، وهو مبدأ صناعة الدستور

ويقع الدستور في قمة هرم الضبط القانوني للدولة وتتبعه الالتزامات الدولية، القانون والأنظمة واللوائح المنظمة لها، كضامن أساسي لسيادة حكم القانون ووقوف الناس سواسية أمام منهج العدالة العام، وهو مجموع القواعد المؤسسة لسلطة الدولة والمنظمة لعمل مؤسساتها المختلفة، ويمثل القاعدة التي تجمع الناس بتنوعها واختلاف لغاتهم و معتقداتهم وألوانهم السياسية ليؤسس لنظام حُكم واضح ومستمر، يقوم على أساس الحقوق والواجبات.

اقرأ/ي أيضًا: خبراء قانونيون: مسودة قانون صناعة الدستور تتطلب مراجعات

وهذا المبدأ؛ أي سمو الدستور على ما عداه من قوانين، لا يسود إلا في الأنظمة الديمقراطية ولا وجود له في الأنظمة الديكتاتورية، التي لا يعترف الحكام فيها بالدساتير ولا بغيرها من القوانين؛ فجميع أعمالهم تقوم على السيطرة والاستبداد والقوة. وانطلاقًا من ذلك، فإنَّ القواعد الدستورية تعدّ السند الشرعي لتحديد نظام الحكم و ممارسة السلطات العامة في الدولة لاختصاصاتها، وهكذا فالسُلطة لا توجد إلا بالدستور ولا تظهر إلا بالقدر الذي يحدده وينظّمه الدستور.

وفي أيلول/سبتمبر الماضي، أعلنت وزارة العدل فراغها من عمليات المشاورات الأولية، وإصدارها لمسودة قانون صناعة دستور السودان للعام 2021، لتعيد بذلك فتح باب التفاؤل والتساؤل في ذات الوقت: هل يحظى السودان بعد خراب دستوري طويل، بدستور دائم يُعيد الدولة إلى منصة التأسيس ويرسخ فيها قيم الحرية والديمقراطية والتنمية باختلاف الأنظمة الحاكمة؟

القانون الذي أعلنت عنه وزارة العدل- وبرغم التحفظات التي طرحها عدد من الخبراء حوله، إلا أنه اعتمد على مبدأ جديد على التجارب السودانية في صياغة الدساتير، وهو مبدأ صناعة الدستور؛ والذي يعني التركيز على المشاورات الشعبية والعمل من قاعدة الهرم إلى قمته باستقصاء آراء المواطنين في القضايا التأسيسية الخلافية للدولة، والاعتماد على نتائج هذه المداولات أساسًا لوضع مسودة الدستور، عبر استفتاء شعبي، ومن ثم طرحة على جمعية تأسيسية مُنتخبة، لتُجيزه بشكل نهائي دون تعديل.

ولعل عملية صناعة الدستور، بدورها تخلص إلى جملة من الأهداف التي تتضمن البحث عن الاستقرار السياسي للمجتمع وتمكين المواطن من متابعة وتقييم أداء مؤسسات الدولة بصورة ديمقراطية شفافة، فضلًا عن إحداث توازن في العلاقات بين مختلف السلطات الدستورية بما ينعكس على الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وجوانبها.

ورغم الإعجاب بتبني الحكومة لأول مرة، لمبدأ المشاورة الشعبية فيما يسمى بعملية صناعة الدستور، إلا أنني لاعتقادي بأن الشيطان يكمُن في التفاصيل، أرى أن أي حديث حول قانون صناعة لصناعة الدستور، يجب ألا يتجاهل مُجمل الثغرات التي طرحها الخبراء في عدة ورش عقدتها منظمات مجتمع مدني، وأن توسع قاعدة التشاور–عن حق- باستصحاب أصحاب المصلحة الفاعلين والمؤثرين، والمستقلين عن دوائر السلطة ورأس مالها السياسي.

وأبرز هذه التحديات هي الظرف السياسي الحرج للبلاد، وتحديات السلام، والنزاع ذو الطابع القبلي، فضلًا عن الظرف الاقتصادي الخانِق، بينما تتحدث مسودة قانون صناعة الدستور عن إفراد مساحات واسعة للمشاورة الشعبية مُتجاهلًا الظرف الموضوعي؛ وحالة الهشاشة التي تعيشها الدولة السودانية واستمرار الحروب في بعض مناطقها.

اقرأ/ي أيضًا: مواكب سبتمبر والعزم على تحقيق شعارات الثورة

وتُلازم تحديات صناعة الدستور، الورثة المُثقلة بالغبن والتحديات، التي خلفتها سياسات النظام البائد وما سبقته من أنظمة سياسية مُنحازة، قادت لانحدار الوطن إلى أتون العنف والاحتراب والتمزق. لن يتجاوز صراع الذاكرة ضد النسيان، فقدان السوداني لجزء أصيل من شعبه وأرضه، بفعل السياسات الخرِبة التي قادت لانفصال جنوب السودان.

جوهر العملية ونجاحها يعتمد على ارتباطها اللصيق بالناس وهمومهم، ورغباتهم الذاتية في إعادة تعريف الدولة السودانية وفق أسس جديدة، تُراعي التباين الواسع بين مكونات المجتمع ومصالحهم

لذلك فإن تجذير مفهوم صناعة الدستور وتحويله لواقع مُعاش اليوم، يتطلب مجموعة من التدخلات، التي تجعل من هذا القانون مشروعًا وطنيًا يؤسس لعملية صناعة دستور حقيقة وراسخة؛ لأن جوهر العملية ونجاحها يعتمد على ارتباطها اللصيق بالناس وهمومهم، ورغباتهم الذاتية في إعادة تعريف الدولة السودانية وفق أسس جديدة، تُراعي التباين الواسع بين مكونات المجتمع ومصالحهم، وتحويله إلى تنوع خلاق.

اقرأ/ي أيضًا

الدروس السيئة للثورة السودانية

تنفيذ الوثيقة الدستورية في السودان.. خطوة في طريق الدولة المدنية