مناجم ذهب السودان.. قبور مع وقف التنفيذ!

مناجم ذهب السودان.. قبور مع وقف التنفيذ!

تحاصر المخاطر المنقبين عن الذهب في السودان من كل جهة (رويترز)

لم يدر بخلد الشاب السوداني "الهميم حسين"، أن رحلته صوب مناطق التعدين عن الذهب سوف تنتهي به إلى مأساة تشهد عليها صورته وهو محطم الأطراف قابع حاليًا فوق كرسي متحرك. وكان ذلك نتيجة انهيار منجم ذهب على رأسه هو زملاءه المنقبون، بعد أن حفروا عميقًا، بينما فارق أحد رفاقه الحياة، ليدرك الهميم أن الطريق للثراء الذي يلمع مع بريق الذهب، محفوف جدًا بالمخاطر، أكثر مما يبدو.

قبل سنوات قليلة انفتح مجال النقيب عن الذهب في السودان، ليستوعب أعدادًا كبيرة من الشباب المعرضين لخطر الموت كل ساعة في التنقيب

وانفتح مجال التنقيب عن الذهب في السودان قبل سنوات قليلة، مستوعبًا أعدادًا هائلة من الشباب الذين كانوا يبحثون عن أي فرصة عمل وسط ظروف اقتصادية خانقة، أجبرت الكثير منهم للهجرة. 

اقرأ/ي أيضًا: وفرة المعدن النفيس والفقر.. عن حيل تهريب الذهب السوداني

إلا أن الولع بالذهب لم يكن بالأمر اليسير، فهو أيضًا يعرضهم إلى جملة من المصاعب التي يتعين عليهم أن يجابهوها كل ساعة، داخل هذا المجال الذي يمكن أن يمنحهم الثراء، أو الموت، في ذات اللحظة الواحدة.

مأساة رجال المنجم

نهاية الأسبوع الماضي حبست الأنفاسَ حادثة منطقة قبقبة شمال السودان، حيث علق عشرات العمال داخل منجم ذهب لثلاثة أيام. وهي واحدة ضمن أحداث عديدة لم يسمع بها الناس، لكنها بدت أكثر سينمائية، لا تختلف كثيرًا عن قصة أطفال الكهف في تايلاند، إن لم تفوقها بسبب سقوط ضحايا في منجم قبقبة.

التنقيب عن الذهب في السودان
تهدد انهيارات مناجم الذهب، المنقبين السودانيين كل ساعة 

ولقي ثلاثة من العمال المنقبين مصرعهم، فيما حوصر عشرات آخرون تحت الأرض، عندما انهار منجم للذهب كانوا يعملون به. وذكر شهود عيان أن شرطة الدفاع المدني السوداني انتشلت بعض الجثامين من تحت أنقاض بئر تهدم على المنقبين عن الذهب مساء الخميس الماضي.

من جانبها أصدرت الشركة السودانية للموارد المعدنية بيانًا صحفيًا تلقى "ألترا صوت" نسخة منه، قالت فيه إن الحادثة وقعت في الساعة التاسعة من مساء الخميس الماضي، وذلك عندما انهار منجم بمنطقة قبقبة بولاية نهر النيل، وبداخلها 16 من المنقبين عن الذهب، ما أسفر عن وفاة ثلاثة منهم، وإصابة آخرين نقلوا لإسعافهم، فيما بقي عشرة آخرين عالقين قبل أن يُنقذوا يومي الجمعة والسبت.

مقبرة الأثرياء المحتملين

" مناجم الذهب قبور المنقبين"، أو كما اختزلها المنقب الهميم حسين في وصف المأساة. وقال حسين لـ"ألترا صوت" إنه شعر بأن خلاصه من الفقر في التنقيب عن الذهب، إذ يختصر عليه سنوات من المكابدة مقابل بناء منزل والزواج فيه، خاصة وأن كل الحكايات القادمة من مناطق التنقيب عن الذهب تتحدث عن شباب تحولوا إلى مليونيرات بين ليلة وضحاها، عندما عثروا على قطع من الذهب أثناء حفرهم في مناطق بولاية نهر النيل شمال السودان؛ فراودته نفس الأمنية، لكنه فوجئ بأن الواقع يختلف بالمرة: صحراء ممتدة تفتقر للأمان، إلى جانب المخطر الطبيعية، وانهيار مناجم الذهب، بعد أن يضطروا أحيانًا للحفر أكثر من 10 أمتار بشكل غير مستقيم داخل الأرض .

ثمة مفارقة تبدو فاقعة من خلال تعابير السودانيين عن رحلة الذهاب والعودة إلى مناطق التعدين العشوائي، فبينما ينادي أصحاب السيارات في المدن على الشباب الراغبين في الذهاب بالقول: "الداير الغناء يركب هنا" أو "الذي يرغب في الثراء فليأتي معنا"، في إشارة إلى صعود إلى السيارة المتأهبة، وفي الصحراء هنالك نفس أصحاب السيارات ينادون في المنقبين: "أهلَك قبل أن تَهلك"، كما لو أنهم يقرعون جرس الإنذار فوق رؤوسهم بصورة ساخرة.

التنقيب عن الذهب في السودان
يبحث آلاف الشباب السوداني عن فرصة للعيش من وراء التنقيب عن الذهب رغم مخاطره

أزمة دبلوماسية بسبب التعدين

كثيراً ما يضل المنقبون السودانيون طريق العودة، أو يجدون أنفسهم داخل حدود دول أخرى، مثل مصر والنيجر وأفريقيا الوسطى، نسبة للحدود المفتوحة بين السودان وتلك البلدان، حتى كادت حادثة القبض على منقبين سودانيين داخل الأراضي المصرية تتسبب في أزمة بين الخرطوم والقاهرة، ما اضطر الحكومة المصرية لأن تطلق سراح بعضهم لكنها احتجزت كل المعدات. 

ولم تفلح كل الجهود في إعادة تلك المعدات التي تشمل أجهزة كشف معادن وتحديد المواقع وهواتف خلوية من نوع "ثريا"، وعدد من أجهزة البوصلة الحديثة، فضلًا عن كميات من خام الذهب، ومئات السيارات والمولدات الكهربائية. يُذكر أن نفس الأزمة تكررت مع أفريقيا الوسطى وتشاد.

مخاطر استخدام الزئبق في التنقيب

في أيار/مايو الماضي من هذا العام 2018، نجحت وزارة المعادن السودانية، في إنقاذ مئات المنقبين في الصحراء شمالي البلاد، من خطر العطش بعد شح المياه جراء أزمة الوقود التي يعاني منها السودان حاليًا. 

وكان منقبون أرسلوا نداءات استغاثة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلين إن نحو 500 منهم في منجم الوادي الأخضر بولاية البحر الأحمر شرقي السودان، يهددهم شبح الموت عطشًا، بسبب قرب نفاد مخزون المياه لديهم. وهذه الحوادث ظلت تتكرر بين الحين والآخر.

التنقيب عن الذهب في السودان
الاستخدام العشوائي للزئبق في تنقية الذهب، من أبرز المخاطر التي توجه المنقبين

هناك أيضًا ضحايا الاستخدام العشوائي لمادة الزئبق في التعدين الأهلي للذهب، حيث يتعامل أكثر من مليون مواطن سوداني وأجنبي بطريقة مباشرة مع الزئبق في مناجم بدائية لتنقية الذهب، قبل أن تشير وزارة البيئة إلى مخاطر مؤكدة لهذه المادة على صحة الإنسان والبيئة معًا. 

وظهرت على بعض المنقبين أمراض جلدية معدية بالفعل، إلى جانب نفوق الماشية في تلك المناطق. وكشف تقرير أورد على لسان خبراء، أن استخدام مادة الزئبق يهدد حياة الآلاف من عمال المعادن ويعرضهم للخطر القاتل، ويهدد البيئة.

النوم مع العقارب والثعابين

من جملة المخاطر على المنقبين السودانيين، عدم توفر مصادر مياه الشرب في المنطقة الممتدة من شرق أبوحمد وسوق الطواحين، إلى مناطق التعدين التي تمتد صوب الحدود المصرية شمالًا، وفقًا لإفادة صالح عوض لـ"ألترا صوت". 

وقال صالح، وهو أحد شهود العيان على ما يجري في مناطق التعدين العشوائي، إن "المخاطر متعددة، فالطبيعة وعواصفها الترابية قد تضيعك وينفد الماء"، هذا إلى جانب تكاثر العقارب والثعابين في مناطق التعدين الصحراوية والجبلية، وانعدام الوحدات الصحية.

التنقيب عن الذهب في السودان
يجالس المنقبين الزواحف السامة في الصحراء والمناطق الجبلية

ونبه عوض إلى مخاطر النهب والقتل كذلك، لافتًا إلى أن بعض الشركات حاولت نقل الماء عبر مواسير من ترعة مشروع الكحيلة إلى سوق الطواحين، ولكن اتضح أن هناك "بعض المتنفذين وأصحاب المصلحة لا يرغبون في رؤية مشاريع مثل هذه لأنها تتقاطع مع مصالحهم"، كما قال صالح عوض.

وأوضح عوض مضار التنقيب العشوائي عن الذهب على البيئة، فقال: "كان وادي الدوم، وغيره من الوديان، مليئ بالحيوانات البرية كالغزلان، لكنها كلها اختفت". هذا بخلاف تأثير عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب، على الآثار التي تعرضت للنهب والتخريب. 

تحاط عمليات التنقيب العشوائي عن الذهب بالمخاطر من كل جهة، إما بالانهيارات أو انعدام الأمن في مناطق التنقيب، أو بالمخاطر الصحية

وفي هذه المناطق ينعدم الأمن بشكل شبه كلي، حتى أن صالح عوض يؤكد أنه في منطقة مثل منطقة سوق الطواحين، يُعثر بشكل دوري على جثامين شباب سوداني بين ركام التنقيب عن الذهب. إضافة إلى أن تجمعات أسواق الذهب في منطقتي نوراي وقبقبة، وغيرهما، باتت مصدرًا مهمًا لتسرب المخدرات.

 

اقرأ/ي أيضًا:

حروب الأرض في السودان.. مناجم الذهب عنصر جديد في خريطة الصراعات الممتدة

صيد العقارب في السودان.. رحلة البحث عن الكنوز القاتلة