"أنثى الأنهار" تكتسي بالذهب

إشراقة مصطفى حامد في حفل التكريم (فيسبوك)

التحديات التي يواجهها المهاجر بعد وصوله إلى أوروبا من الصعوبة بمكان، ابتداءً من اللغة الجديدة والمجتمع الجديد وشروط الاندماج القاسية؛ وليس انتهاءً بالرابط الحديدي مع المجتمع أو البلد الذي هاجر منه الفرد؛ لذا نجد أن نجاحات المهاجرين نادرة وقليلة، بينما الأكثرية يغرقون في الحياة الجديدة وتأخذهم في متاهاتها فيغيبون غياب الحاضر هنا وهناك، ولكنه حضور باهت في كلا الحالتين.

تحديات الحياة في المهجر تجعل من نجاحات أحد المهاجرين علامة فارقة في حياة المهاجرين الآخرين

آلاف بل ملايين الأفراد المهاجرين يعيشون مصاعب التحدي بين الرغبة في النجاح في بلدانهم الجديدة، وبين حضورهم الواضح في البلاد التي هاجروا منها. وغالبًا هذا التشتت يذهب بهم في اتجاه العيش في طرف قصي من ذاكرة الناس هنا وهناك. 

اقرأ/ي أيضًا: جابر حسين وميرغني ديشاب في رحلة إلى كسلا للبحث والتوثيق

هذا التحدي الكبير يجعل من نجاحات الأفراد المهاجرين علامة فارقة في حياة المهاجرين الآخرين، ويحتفون به بشكلٍ كبير تظهر فيه روح الجماعة، وانتصار الفرد نيابة عن الآخرين، وهذا ما حققه عدد قليل من بيننا، لأن العلاقة بين المهاجر/المواطن لاحقًا والمواطن الأصل؛ تقوم على ما يشبه الندية: نحن وأنتم؛ فأي انتصار يحققه واحد من جماعة "نحن" هو انتصار لكل الجماعة، وفي جانب آخر يرفع مستوى الأمل بانتقاله لغيره، وهذا بالتحديد ما تعيشه بعض الجاليات العربية والإفريقية في أوروبا، وخاصة في النمسا وألمانيا وفرنسا وبلجيكا وبقية دول أوروبا التي يلاحظ فيها نجاحات كبيرة لمواطنين أوروبيين من أصول عربية أو إفريقية. 

حصلت مؤخرًا الدكتورة النمساوية من أصول سودانية، إشراقة مصطفي حامد، على ميدالية التشريف الذهبية من حكومة فيينا؛ عاصمة النمسا. وإشراقة مصطفى حامد، الكاتبة والشاعرة والمترجمة والباحثة والأستاذة الجامعيّة، من مواليد مدينة كوستي في السودان في العام 1961.

وصلت إشراقة للنمسا منذ (27) عامًا كطالبة دراسات عليا، وحيدة إلا من روحها المحبة للحياة ورغبتها الكبيرة في تحقيق أحلامها ومساعدة غيرها في تحقيق أحلامهم، وحقيبة تحوي قليل من الملابس وكثير من الكتب وخطة واضحة لأحلام ورغبات لازمة التحقق، فطوت هذه السنوات الطويلة/ القصيرة في صفحات كتاب الإنجاز العظيم، حيث حصلت على الماجستير ومن ثم الدكتوراه في فيينا، وساهمت في تغيير حياة كثير من المهاجرين والمهاجرات إلى الأفضل، حيث أخذت بأيديهم للعبور بسلام في حياة جديدة، إلى جانب رفدها للمكتبة العربية والألمانية بعشرات البحوث والمقالات والكتب والدراسات، فأصبحت أنموذجًا يُشار إليه في نجاح المهاجرات والمهاجرين في بلدانهم الجديدة، وأمنية كل أب مهاجر لابنته أو ابنه.

كتبت إشراقة بالعربية والألمانية، وأبرز أعمالها "أنثى الأنهار" و"الدانوب يعرفني". تلقت الدكتورة إشراقة مصطفي تهانٍ كثيرة على تكريمها المستحق، وأبرزها كان من وزارة الثقافة والإعلام السودانية، ومنظمات وهيئات عربية وإفريقية، تتقدمهم شبكة المرأة الإريترية والمعهد الإثيوبي للدبلوماسية الشعبية والملتقى القطري للمؤلفين. في ظل غياب واضح للمنظمات والهيئات النسوية في السودان. 

وقد قال وزير الثقافة والإعلام فيصل محمد صالح في خطاب التهنئة: "لقد تابعنا رحلتك الطويلة في المهجر. والتي تحولت بفضل إصرارك وجهدك إلى ملحمة نضال عظيمة. نثرت عطرها حضورًا أدبيًا وأكاديميًا وسياسيًا وإنسانيًا. أرجو أن تسمحي لي باسم حكومة السودان، أن أتقدم إليك بالتهنئة الحارة على هذا التكريم المستحق الذي نفخر به جميعًا". 

وفي كلمتها التي ألقتها في برلمان فيينا العاصمة ضمن كلمات الاحتفال بالتكريم، شكرت الدكتورة والدها الذي غرس فيها رغبة التعلم والاطلاع، وكذلك أمها وأختها التي قامت برعايتها؛ وشكرت صديقتها إيلزا، والتي كانت أول من استقبلها في حياتها الجديدة، والتي رحلت قبل شهور قليلة، ونعتها يومها بكتابة تفيض بالدمع السخين في منشور لها على صفحتها على موقع التواصل الاجتماعي فيسبوك.

ميدالية التشريف الذهبية التي حصلت عليها إشراقة مصطفى حامد، هي أعلى جائزة تمنحها حكومة فيينا للأشخاص الذين قدّموا خدمات عظيمة في المدينة، وتتكون من ست مستويات، ونالت الدكتورة أعلاها، وذلك بسبب مساهماتها الكبيرة في تجسير الثقافة العربية والإفريقية بالنمساوية، ونضالاتها لصالح الأقليات العرقية والثقافية والدينية في النمسا، وخاصة مناهضة قوانين التمييز. كما أنها من خلال منظمة القلم النمساوي، ساهمت في الدفاع عن حرية الصحفيين والكتّاب والكاتبات المعتقلون في معتقلات دول إفريقية. إلى جانب مساهماتها في إتاحة فرص للكتّاب والمبدعين المهاجرين الذين يعيشون في النمسا أو دول أوروبية أخرى. إضافةً لنشاطها الكثيف في مجال حقوق الإنسان ومناهضة القوانين من أجل أن تصبح أكثر إنسانيّة لا تمييز فيها على أساس النوع أو الهُوية. 

وقد بررت الجهة المانحة استحقاق إشراقة حامد لهذا التكريم استنادًا على تأريخها الطويل في النمسا في الدفاع عن حقوق المرأة ومحاربة التمييز ضدها، وذكرت مجموعة من المبادرات التي قامت بها لصالح النساء في إفريقيا أو النمسا، ومنها المساهمة في خلق مشاريع ساهمت في ربط النساء الإفريقيات مع النمساويات من خلال مشاريع ثقافية واجتماعية، وذلك بإحضارها لوفود لتمتين أهمية تضامن النساء الإفريقيات والأروبيات، ونضالها ضد العنف ضد المرأة ومحاربة الختان وتشويه الأعضاء التناسلية للنساء، بجانب عملها الدؤوب من أجل تحرير المرأة وترسيخ الديمقراطية والسلام. 

ثمار التغيير: قنصل جمهورية السودان الصادق محمد أحمد مع أمي... في لحظة رأيته يجلس على قدميه امامها بمنتهى حنية الابناء...

Posted by Ishrag Mustafa on Thursday, October 22, 2020

إشراقة المليئة بالوعيّ والانتماء للمرأة ونضالها، لم تنسَ أن تهدي التكريم والاحتفاء به للثورة السودانية وللشهيدات والشهداء، وللنساء المناضلات قاطبة؛ فهي كما تقول عن نفسها، امرأة مسلمة سوداء وأم؛ وهنا تجتمع كل النضالات في إنسانة واحدة. 

اقرأ/ي أيضًا: ثورة أكتوبر بعيون كليف تومسون

وبسبب التدابير الاحترازية الخاصة بجائحة كورونا، فقد حددت الجهة المنظمة أن عدد الحضور لا يتجاوز (20) شخصًا، مما حدا بإشراقة مرغمة أن تقصّر قائمة المدعوين المسموح لهم بحضور الاحتفال، وأكثر ما لفت الانتباه هو حضور قنصل السودان السيّد الصادق محمد أحمد، وهي مرحلة جديدة فيما عرف عن إشراقة قطيعتها مع ممثلي الحكومة في الخارج وسفاراتها وقنصلياتها طيلة فترة حكومة المخلوع البشير، وها هي ثمار التغيير كما وصفتها. بجانب حضور أصدقاء وصديقات سوادنيات وأسرتها ومدير القلم النمساوي وبرلمانيون نمساويون.

نيل إشراقة لميدالية الشرف الذهبية يفتح بابًا جديدًا للطموح والرغبة في النضال من أجل تحقيق مكاسب سياسية واجتماعية ذات قيمة عالية للمهاجرين

نيل إشراقة لميدالية الشرف الذهبية من حكومة فيينا بالنمسا، هو تشريف لكل المناضلات من أصول مهاجرة في الغرب، وقد يفتح بابًا جديدًا للطموح والرغبة في النضال من أجل تحقيق مكاسب سياسية واجتماعية ذات قيمة عالية للمهاجرين في أوروبا من إفريقيا والعالم العربي.

اقرأ/ي أيضًا

همباتة السودان.. هل كانوا لصوصًا وشعراء صعاليك؟

صور| مظاهر الفرح باتفاق السلام في العاصمة جوبا