ultracheck
رأي

يمين أوروبا وهواجس "الأخونة": قراءة في أبعاد قرار البرلمان الهولندي

22 مارس 2026
البرلمان الهولندي
(البرلمان الهولندي)
محمد محمود بخيت
محمد محمود بخيت فاعل بالمجتمع المدني السوداني ومهتم بقضايا بناء السلام والتدخلات الإنسانية

شهدت الأروقة السياسية في هولندا خلال الأسبوع الماضي إقرار البرلمان الهولندي مقترحًا يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية". هذا القرار، الذي استقبله "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" (صمود) بحالة من الاحتفاء والارتياح، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز في عمقها مجرد التضييق على تنظيم سياسي، لتلمس مآلات الوجود المهاجر في "القارة العجوز".

يرى العديد من المراقبين أن المقترح الذي تقدم به نواب "حزب من أجل الحرية"، بقيادة خيرت فيلدرز الملقب بـ "ترامب الهولندي"، يفتقر إلى القيمة القانونية الحقيقية وفقًا للمعايير الأوروبية الصارمة المعروفة

يرى العديد من المراقبين أن المقترح الذي تقدم به نواب "حزب من أجل الحرية" (PVV)، بقيادة خيرت فيلدرز الملقب بـ "ترامب الهولندي"، يفتقر إلى القيمة القانونية الحقيقية وفقًا للمعايير الأوروبية الصارمة المعروفة، فقد استند القرار إلى تقرير فرنسي صدر عام 2025 بعنوان "الإخوان المسلمون والإسلام السياسي في فرنسا" بواسطة وزارة الداخلية، والذي أثار جدلًا واسعًا حينها في الأوساط الفرنسية، حيث يرى محللون أن التقرير في مجمله يعكس هواجس وزير الداخلية الفرنسي السابق، برونو ريتايو، دون أن يحدد بدقة طبيعة التهديدات الأمنية أو السياسية التي تشكلها الجماعة على الجمهورية الفرنسية، بحسب ما جاء في التقرير.

وقد لاقى التقرير الفرنسي الذي استند عليه البرلمان الهولندي في تمريره لمقترح نواب "حزب من أجل الحرية" (PVV) العديد من الانتقادات الحقوقية الأوروبية والعالمية على حد سواء، حيث إن التقرير يحاول اختراع شماعة من ديانة (الإسلام) بإثارة الحذر والخوف منها، وقد وصفت مؤسسات حقوقية بأن التقرير يحاول أن يُهيئ الوضع الفرنسي لنظام فصل عنصري لا يختلف كثيرًا عن سياسات الكيان المحتل بالضفة الغربية وغزة. وبالفعل، خلال العام 2025، استُخدم التقرير كمرجع قانوني لممارسة ضغط سياسي واجتماعي على مجتمعات المهاجرين المسلمة في فرنسا، حيث أنهت الحكومة عقودًا وتراخيص لمدارس إسلامية بارزة مثل "الكندي" في مدينة ليون، و"ابن رشد" في مدينة ليل، بدعوى مخالفتها لمبادئ الجمهورية، بجانب إيقاف العديد من الجمعيات ومنظمات المجتمع المدني الفرنسية.

وهو ما جرى بالكربون في الولايات المتحدة الأميركية لمجلس العلاقات الأميركية الإسلامية (كير - CAIR) في ولايات مثل تكساس وفلوريدا بعد حملات تشهير قادها حاكم ولاية تكساس غريغ أبوت الذي حاول ربط المجلس بجماعة الإخوان المسلمين ودعم حركة المقاومة الإسلامية (حماس).

اليمين المتطرف: استراتيجية "الهروب إلى الأمام"

خلف الستار، يبدو القرار موجّهًا ضد الكيانات الاقتصادية والسياسية للإسلاميين، لكن التدقيق في جوهره يكشف عن أجندة أعمق لليمين المتطرف. ففي ظل أزمة التباطؤ الاقتصادي التي تعصف بأوروبا، يجد اليمين في "الإسلاموفوبيا" و"الزينوفوبيا" (رهاب الأجانب) رافعة انتخابية مثالية للهروب من الأزمات الداخلية.

لقد أصبحت نظرية "الهروب إلى الأمام" ممارسة سياسية يومية، حيث يتم تحميل المهاجرين والمسلمين مسؤولية الأزمات الاقتصادية والأمنية. وتتنافس أحزاب اليمين المتطرف، من النمسا إلى فرنسا مرورًا بهولندا، في الترويج لسردية تزعم أن الجماعة لم تعد مجرد حركة أيديولوجية، بل "شبكة منظمة ذات امتدادات مالية تمثل تهديدًا للقيم الديمقراطية". وما يثير القلق هو تحول أحزاب الوسط واليمين التقليدي للارتهان لهذا الخطاب، في تقاطع مصالح واضح مع مشاريع إقليمية في الشرق الأوسط تهدف لتصفية الإسلاميين من المشهد العام، وهي مشاريع تقودها قوى إقليمية مثل دولة الإمارات والكيان المحتل.

هذا التنسيق يكشف عن استخدام مصطلح "الإرهاب" كأداة سياسية انتقائية. ولعل هذا ما يفسر اهتمام وسائل إعلام يمينية، مثل موقع (Visegrád 24)، بالترويج لسرديات تحالف "صمود"

لا يمكن فصل تحركات حزب فيلدرز عن سياق القارة؛ فهو جزء من كتلة "وطنيون من أجل أوروبا" (Patriots for Europe)، ثالث أكبر كتلة في البرلمان الأوروبي. يضم هذا التحالف 84 قوة يمينية صلبة، منها حزب "فيدس" المجري (فيكتور أوربان)، و"الرابطة" الإيطالي (ماتيو سالفيني).

والمفارقة الصارخة التي تعكس طبيعة هذا التوجه هي انضمام حزب "الليكود" الإسرائيلي بصفة "مراقب" إلى هذا التحالف منذ فبراير 2025. هذا التنسيق يكشف عن استخدام مصطلح "الإرهاب" كأداة سياسية انتقائية. ولعل هذا ما يفسر اهتمام وسائل إعلام يمينية، مثل موقع (Visegrád 24)، بالترويج لسرديات تحالف "صمود"، وهو ما كشفت عنه تقارير استقصائية حول وثائق للخارجية الإماراتية تنسق مع هذا الموقع للترويج لخطاب مناوئ للإسلاميين، وهو ما لا يقتصر على تحالف "صمود" وحده، وإنما يشمل مجموعات سياسية أخرى بالشرق الأوسط.

فخ التشريعات المائعة والمآلات الخطيرة

يرتكز خطاب فيلدرز وحلفائه على اعتبار الإسلام "أيديولوجيا" لا ديانة، لتبرير إقصاء المسلمين من الحياة العامة. هذا المسار يستلهم زخمه من توجهات إدارة ترامب السابقة، التي صنفت فروع الإخوان في دول عربية كمنظمات إرهابية. إلا أن الهدف الفعلي ليس شل الجماعة اقتصاديًا فحسب، بل استخدام "تشريعات مائعة" لمكافحة الإرهاب من أجل ملاحقة مجتمعات المهاجرين والمسلمين بأوروبا والولايات المتحدة الأميركية. ومن المفارقة المثيرة للسخرية أن هذه السياسات قد تشمل حتى حلفاء "صمود" من الإسلاميين، مثل قيادات المؤتمر الشعبي (كعلي الحاج الحاصل على الجنسية الألمانية).

التشريعات التي تستهدف "الإسلاميين" اليوم بعبارات فضفاضة، واتهامات مجانية، سوف تُستخدم غدًا لاستهداف بقية الكيانات الاجتماعية والاقتصادية والدينية لمجتمعات المسلمين والمهاجرين بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بما فيهم الجالية السودانية

ختامًا، فإن الاحتفاء بقرارات اليمين المتطرف قد يرتد وبالًا على الجميع. فالتشريعات التي تستهدف "الإسلاميين" اليوم بعبارات فضفاضة، واتهامات مجانية، سوف تُستخدم غدًا لاستهداف بقية الكيانات الاجتماعية والاقتصادية والدينية لمجتمعات المسلمين والمهاجرين بالولايات المتحدة الأميركية وأوروبا، بما فيهم الجالية السودانية، وهو ما يستلزم تضافر جهود المجتمع المدني والكيانات الاجتماعية والاقتصادية للسودانيين في الخارج، لمحاربة هذا التوجه من خلال المفوضية الأوروبية لحقوق الإنسان وكافة درجات التقاضي للنظام العدلي بالولايات المتحدة.

 

  • المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"

الكلمات المفتاحية

امرأة بالتوب السوداني - آثار دنقلا العجوز.jpg

الأمومة بين العولمة وغربة الذات

الإنسان هذا الكائن الاجتماعي المعقد، الهارب من الوحدة منذ لحظة الخليقة الأولى، الباحث عن أنس روحه وسكينتها في غيره، تلك هي فطرته، كما هي فطرة الكواكب أن تدور في فلك! بعد آدم وحواء دار كل إنسان في فلك البحث عن سكينة روحه وطمأنينتها في غيره، وكان أول غيرٍ عرفه هو "أمه"!


الخرطوم

أمّ الحروب السودانية: إنذار لم يُقرأ

لسنوات طويلة، تعامل السودانيون مع حرب الجنوب كما لو أنها جزء من طبيعة الأشياء؛ حدثٌ دائم لا يستدعي الدهشة ولا يوقظ الضمير.


عبد الله حمدوك

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟

ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟


امتحانات الشهادة السودانية

امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة

لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين

شاحنات غذائية
أخبار

وصول شاحنات غذاء ودواء إلى الدلنج بعد فتح الجيش للطريق الشرقي

تواصلت، لليوم الثاني على التوالي، عملية وصول شاحنات مدنية محمّلة بمواد غذائية ودوائية إلى مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، بعد تمكن الجيش السوداني من فتح الطريق الشرقي للمدينة وإنهاء الحصار المفروض عليها.

الطقس 2.jpg
أخبار

طقس السودان.. درجات حرارة مرتفعة جدًا في شمال وأواسط البلاد

تشهد البلاد يوم الثلاثاء 19 مايو 2026  أجواءً شديدة الحرارة في شمال ووسط السودان، خاصة في ولايات نهر النيل والشمالية وغرب ولاية البحر الأحمر، مع نشاط للرياح المثيرة للغبار والأتربة في جنوب ووسط وغرب البحر الأحمر.


أبو لولو
أخبار

قوات الدعم السريع تنفي الإفراج عن "أبو لولو" وتؤكد استمرار احتجازه منذ أكتوبر 2025

نفت قوات الدعم السريع الإفراج عن القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بلقب "أبو لولو"، وذلك ردًا على تقرير لوكالة رويترز للأنباء تحدث عن ظهوره في جبهات القتال بإقليم كردفان.

محطة كهرباء تعرضت لهجوم في السودان
أخبار

الأمم المتحدة: 3 مليارات دولار خسائر قطاع الكهرباء في السودان

قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن الحرب في السودان أدت إلى خسائر تُقدّر بنحو 3 مليارات دولار في قطاع الكهرباء، ووجدت العائلات التي كانت تعتمد على الشبكة العامة نفسها في ظلام دامس حاليًا.

الأكثر قراءة

1
أخبار

إجراءات جديدة لضبط الأفراد والعربات المسلحة داخل المدن السودانية


2
أخبار

متى تبدأ عطلة عيد الأضحى في السودان؟.. مجلس الوزراء يعلن مواعيد الإجازة الرسمية


3
أخبار

هل تنفجر أزمة الاتحاد السوداني داخل "كاس" أم تنجح التسوية في اللحظات الأخيرة؟


4
مجتمع

شمال السودان.. الخوف من "القاتل الصامت" يحرم الأطفال من اللعب ليلاً


5
أخبار

هل أعادت مشتريات برنامج الغذاء العالمي الحياة لأسواق القضارف؟