ultracheck
سياسة

ولاية جنوب كردفان.. تراجع المواجهات البرية وصعود حرب المسيرات

27 فبراير 2026
رجال يستقلون عربة "كارو" في جنوب كردفان
جوليوس الجيلي
جوليوس الجيلي صحفي من السودان

تشهد ولاية جنوب كردفان، خلال الأشهر الأخيرة، تحولًا واضحًا في طبيعة الصراع. فبعد جولات من المواجهات البرية المباشرة، خصوصًا في محيط كادوقلي والدلنج ومناطق هبيلا والتقاطع في أواخر يناير الماضي، تراجعت وتيرة الاشتباكات الأرضية، مقابل تصاعد ملحوظ في نشاط المسيرات التي باتت تمثل السلاح الأكثر حضورًا في سماء الولاية.

منذ معارك هبيلا والتكمة والتقاطع، التي أسفرت عن فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج، توقفت المواجهات العسكرية البرية المباشرة بجنوب كردفان. ورغم أن قوات تأسيس كانت تقوم بأدوار هجومية منذ أواخر نوفمبر 2025، واكتفت القوات المسلحة حينها بالأدوار الدفاعية، وأحيانًا بالانسحاب من بعض المواقع، مثل حاميات برونو غرب كادوقلي وميري وكيقا جرو، إلا أنه في أواخر يناير الماضي شنت القوات المسلحة هجومًا على هبيلا، وواصلت تقدمها حتى التكمة، وفكت حصار الدلنج من الاتجاه الشرقي.

المعارك البرية بطبيعتها مكلفة بشريًا ولوجستيًا، خاصة في بيئة جغرافية معقدة مثل بيئة ولاية جنوب كردفان حيث تؤدي الجبال والطرق غير المعبدة إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود

وبعد يومين واصلت القوات تقدمها جنوبًا حتى الكرقل والدشول، ودارت معارك استمرت ليومين بينها وبين قوات تأسيس التي كانت تتمركز في التقاطع. وفي اليوم الثالث انسحبت قوات تأسيس جنوبًا نحو كيقا، والتقت قوات الفرقة 14 مشاة كادوقلي بتلك القوات، وفُك الحصار عن كادوقلي. ومنذ ذلك الحين تراجعت وتيرة الاشتباكات، ولم تشهد المنطقة الغربية من الولاية أي معارك، لكن في الوقت نفسه كثفت قوات الدعم السريع هجمات الطيران المسير.

لماذا تراجعت المواجهات البرية؟

المعارك البرية بطبيعتها مكلفة بشريًا ولوجستيًا، خاصة في بيئة جغرافية معقدة مثل بيئة ولاية جنوب كردفان حيث تؤدي الجبال والطرق غير المعبدة إلى استهلاك كميات كبيرة من الوقود والموارد. ويمكن قراءة تراجع المواجهات في ضوء عدة عوامل، أبرزها أنه بعد فك الحصار عن الدلنج وكادوقلي استقر خط التماس نسبيًا، دون قدرة أي طرف على تحقيق اختراق حاسم.

وباستثناء هبيلا، التي تنفذ فيها قوات تأسيس هجمات متقطعة، تمكنت القوات المسلحة من صدها جميعًا حتى الآن.

ماذا عن الإمداد؟

يمكن اعتبار الإمداد عاملًا مؤثرًا بشكل كبير، فقد أدت سيطرة القوات المسلحة على منطقة هبيلا إلى تأمين خط إمداد مهم لها، ما أتاح ربط اللواء 54 الدلنج بحاميات كرتالا ودلامي. كما أن سيطرتها على التقاطع وكيقا مكنت من ربط الفرقة 14 مشاة كادوقلي مع حاميات الكرقل والدشول وحتى الدلنج.

وهذه المعارك هي التي أسفرت عن فك الحصار عن مدينتي كادوقلي والدلنج، ومنحت هذه السيطرة القوات المسلحة تموضعًا ميدانيًا قد يحدد حركة قوات تأسيس على الطريق القومي.

صعود المسيرات.. حرب من السماء

في المقابل، تصاعد نشاط المسيرات في مناطق متعددة من الولاية. فمنذ يناير الماضي ازداد نشاطها بكثافة فوق الدلنج وكادوقلي، واستهدفت أكثر من ست مناطق بمسيرات تابعة للدعم السريع، بما في ذلك مناطق لم تشهد سابقًا استهدافًا جويًا.

بدأ ذلك باستهداف منطقة كرتالا بالجبال الستة التابعة لمحلية هبيلا، يوم الخميس 18 فبراير، حيث استهدفت مسيرات تابعة للدعم السريع شاحنات قوافل إغاثية كانت في طريقها نحو الدلنج وكادوقلي.

مواطن من كرتالا: المنطقة تشهد منذ أيام قصفًا متقطعًا بالمسيرات، منذ أن تم ربطها بالدلنج بعد معارك هبيلا

وبحسب الأحيمر موسى، وهو مواطن من كرتالا، فإن المنطقة تشهد منذ أيام قصفًا متقطعًا بالمسيرات، منذ أن تم ربطها بالدلنج بعد معارك هبيلا، حيث كانت كرتالا المنطقة التي تجمعت فيها القوات التي فكت حصار الدلنج. وأضاف أن ذلك جعل كرتالا منفذًا لربط جنوب كردفان بشمالها، وأصبحت نافذة لجلب السلع الأساسية والوقود، ما أكسبها أهمية استراتيجية.

وحول القصف الذي وقع يوم الخميس 18 فبراير، قال إن الاستهداف طال القافلة عقب ساعات من وصولها عبر الطريق الشمالي، حيث توقفت بأطراف السوق، وهو إجراء تقوم به السلطات مع كل العابرين بالطريق، إذ تتحرك القوافل في طوف وتأمين من القوات المسلحة حتى تصل إلى هبيلا.

وأوضح أن القصف أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة ثلاثة آخرين من مرافقي القافلة الذين كانوا بمحاذاة العربات.

وفي 19 فبراير أعلنت شبكة أطباء السودان أن قصف القافلة الإغاثية أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة أربعة آخرين من عمال الإغاثة بجنوب كردفان.

استهداف مناطق الاتجاه الشرقي

منذ دخول المسيرات إلى الحرب بجنوب كردفان في منتصف مارس 2025، تركزت هجمات الدعم السريع حول الجزء الغربي للولاية باعتباره كان مسرحًا لخطوط المعارك، وظلت مدن مثل كادوقلي والدلنج مرمى لهذه المسيرات، إلى جانب منطقة الكرقل التي شهدت هجمات متقطعة.

أما الاتجاه الشرقي فظل بعيدًا نسبيًا عن الاستهداف، باستثناء هجمات في أكتوبر 2025 طالت أبو جبيهة وتقلي، إلا أن هذا الشهر شهد استهدافًا مطولًا شمل العباسية تقلي، ورشاد، وأم برمبيطة، وأبو كرشولا، وأمبير، وأبو جبيهة.

في 20 فبراير 2026 استهدفت مسيرة منطقة أم برمبيطة، وذكر مصدر محلي بدلامي أنه بسبب عدم استقرار شبكات الإنترنت لم يتسن حصر عدد الضحايا

في 20 فبراير 2026 استهدفت مسيرة منطقة أم برمبيطة، وذكر مصدر محلي بدلامي أنه بسبب عدم استقرار شبكات الإنترنت لم يتسن حصر عدد الضحايا، لكنه أكد وقوع أكثر من إصابتين. وتعد هذه المرة الثانية التي تُستهدف فيها أم برمبيطة، بعد هجوم سابق في 10 نوفمبر 2025.

وفي مساء اليوم نفسه استهدفت مسيرة قرية أمبير شرق أم برمبيطة، ووفقًا لمصدر محلي وقعت إصابتان. وتعد هذه المرة الأولى التي تُستهدف فيها القرية بالمسيرات، منذ أن أعادت الفرقة العاشرة مشاة السيطرة عليها في أبريل 2024.

أما أبو كرشولا فقد تعرضت هي الأخرى لقصف بعد الساعة التاسعة مساءً بأطرافها الغربية، دون تسجيل إصابات.

العباسية ورشاد

قصفت المسيرات كذلك العباسية تقلي يوم الجمعة 19 فبراير الجاري، حيث وقع القصف بعد صلاة الجمعة واستهدف أطراف السوق، دون تسجيل إصابات وسط المواطنين، بحسب مصدر في منظمة إغاثية بالمنطقة الشرقية طلب حجب اسمه.

وفي رشاد استهدفت مسيرة معسكر (الشرقية) التابع للقوات المسلحة، ولم تُسجل وفيات، مع عدم التأكد من وجود إصابات.

وتعد هذه المرة الثانية التي تُستهدف فيها العباسية بالمسيرات، بينما تعد الأولى في رشاد، التي ظلت تعيش حالة من الهدوء النسبي منذ اندلاع الحرب، باستثناء مواجهات شهدها جنوبها الشرقي في قرية كابوسي في مايو 2025.

اللواء ركن (م) دكتور محمد خليل الصائم لـ"الترا سودان": الدعم السريع وتأسيس عاجزان عن القتال البري لأنه ينقصهما الإمداد في الوقود والرجال

وبرغم أن اللواء 54 بالدلنج أسقط عددًا من المسيرات، فإن إسقاط بعضها لا يؤدي إلى تراجع استخدامها، لأن تكلفتها غالبًا أقل من كلفة تشغيل عمليات برية واسعة.

وفي هذا السياق قال اللواء ركن (م) دكتور محمد خليل الصائم، أستاذ العلاقات الدولية والدراسات الاستراتيجية بالجامعات لـ"الترا سودان"، إن الدعم السريع وتأسيس عاجزان عن القتال البري لأنه ينقصهما الإمداد في الوقود والرجال، وليس لديهما شيء غير ممارسة هذه الحرب، حرب المسيرات التي تضرب المدن والمواطنين.

وأضاف أن هذه المسيرات تضرب أيضًا الكرمك والنيل الأزرق، لكن القوات المسلحة، بعد الدلنج وكادوقلي، استطاعت أن تخرج وتمشط المناطق المحيطة بهما وتقوم بتأمينها، وهو ما يعد استثمارًا للنجاح الذي تم في دخول الدلنج وكادوقلي.

المسيرات مكلفة أكثر من العمليات البرية، وبرغم ذلك يستمر استخدامها.. لماذا؟

رد اللواء أن هذا يؤكد أن دولة الإمارات لا تزال تمدهم بعدد كبير جدًا من المسيرات، لأن كلفتها عالية، ما يدل على وجود إمداد كبير. وأضاف أن العالم كله يعلم ذلك، وكما ذكرت وزيرة خارجية بريطانيا أنه يجب إيقاف تدفق السلاح إلى السودان، وكان ينبغي أن يُحدد بعدم تدفق السلاح إلى الدعم السريع لا إلى السودان عمومًا.

خاتمة

وتأتي هذه التطورات في ظل مرحلة معقدة من الحرب السودانية التي اندلعت منذ أبريل 2023، ووصلت إلى جنوب كردفان في يونيو 2023، رغم أن الإقليم ظل يشهد حربًا طويلة بين القوات المسلحة والحركة الشعبية منذ يونيو 2011. وبدخول حرب أبريل 2023 دخل طرف جديد هو الدعم السريع، الذي كان يقاتل الحركة الشعبية ضمن عمليات الصيف الحاسم برفقة القوات المسلحة والدفاع الشعبي.

وقبل فبراير 2025 كانت الحرب تُدار بين ثلاثة أطراف، إلا أنه في 23 فبراير 2025 تم توقيع اتفاق "تأسيس" الذي انعقد بنيروبي، والذي قضى بتحالف الدعم السريع والجيش الشعبي معًا، ومنذ ذلك الحين أصبح الدعم السريع والجيش الشعبي يخوضان معاركهما معًا في جنوب كردفان وجنوب النيل الأزرق.

الكلمات المفتاحية

عمود دخان في سماء الخرطوم.jpg

السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟

بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.


6 أبريل

ذكرى السادس من أبريل.. قصة ثورة لم تمضِ كما بدأت

صادف السبت، السادس من أبريل 2019، نهاية عطلة الأسبوع بالعاصمة الخرطوم. والملاحظ أن الشوارع خلت من حركة المارة في الفترة الصباحية، وكأن هناك حالة من التحفز لحدثٍ جسيم سيقع لاحقًا.


الجيش

تغييرات هيئة الأركان.. قائد الجيش يعيد ترتيب الأوراق ويمسك "بكرة النرد"

لم تكن التغييرات التي طرأت على هيئة أركان الجيش السوداني، اليوم الخميس 2 أبريل الجاري، مفاجئة للمراقبين؛ فوفقًا للبيان الصادر عن القيادة العامة،


النيل الأزرق

من المسيرات إلى المواجهات البرية.. النيل الأزرق على صفيح ساخن ونزوح بالآلاف

منذ مطلع العام الجاري، لم تهدأ جبهة النيل الأزرق تمامًا، وظلت تتحرك على إيقاع تصعيد متقطع بدأ منذ مطلع يناير الماضي، بهجمات الدعم السريع والجيش الشعبي ضمن تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، قبل أن يستعيد الجيش السوداني السيطرة عليهما في 26 يناير 2026، مع استمرار تناوب السيطرة.

عمود دخان في سماء الخرطوم.jpg
سياسة

السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟

بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.

الذهب - قطاع التعدين.jpg
أخبار

شعبة مصدري الذهب تطالب الحكومة بالتدخل لملاحقة الفساد في القطاع

قالت شعبة مصدري الذهب إن المعدن الأصفر قد يساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية، إذا تمكنت الحكومة من سد منافذ التهريب ومكافحة الفساد والتجاوزات، متوقعة ارتفاع عائدات الذهب إلى 6 مليارات دولار سنويًا من المعدن النفيس، حال تطبيق إصلاحات جذرية في هذا القطاع


جريمة.jpeg
أخبار

جريمة مروعة تهز كاب الجداد.. مقتل تاجر داخل منزله

شهدت منطقة كاب الجداد بولاية الجزيرة جريمة قتل بشعة هزت سكان المنطقة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على قتل تاجر ملابس داخل منزله في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، في حادثة أثارت حالة من الخوف وسط الأهالي.

حريق الطويشة
أخبار

حريق يدمر 17 منزلًا في مدينة الطويشة بولاية شمال دارفور

أعلنت غرفة طوارئ محلية "الطويشة"، الواقعة جنوب شرق مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، عن اندلاع حريق هائل مساء السبت، أسفر عن تدمير 17 منزلًا بالكامل، دون تسجيل خسائر في الأرواح.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية


2
رأي

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟


3
أخبار

شبكة أطباء السودان: مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين في قصف على سوق مدينة الدلنج


4
أخبار

"الترا سودان" ينفرد بأول تصريح عقب إعفائه.. خالد بخيت: أدب الهلال علّمنا ألا نسأل لماذا


5
أخبار

وفاة الشيخ الطيب الجد عن 96 عامًا: السودان يفقد أحد أبرز رموز التصوف والدعوة