12-يناير-2022

تقود لجان المقاومة الاحتجاجات الرافضة للانقلاب العسكري (Getty)

 أعلن رئيس بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان "يونيتامس" فولكر بيرتس، الاثنين المنصرم، بدء مفاوضات غير مباشرة بين العسكريين والمدنيين في السودان بما في ذلك الحركات المسلحة الموقعة على اتفاق سلام السودان، موضحًا أن الهدف هو الخروج من الأزمة السياسية الراهنة. كما أعلن أن الدعوة للحوار هذه مقدمة "لكافة الأطراف" على حد قوله، ضاربًا عرض الحائط إرادة الشارع السوداني في رفضه للحوار، وكان الشارع قد رفع شعار اللاءات الثلاثة "لا تفاوض، لا شراكة، لا مساومة" منذ انقلاب 25 تشرين الأول/أكتوبر 2021.

 إن دعوة "فولكر" للحوار تعتبر تدخلًا في إرادة الشعب السوداني الذي أعلن وبوضوح مطلبه في إبعاد الجيش والمليشيات والحركات المسلحة من الشأن السياسي

ويمكنني القول إن دعوة "فولكر" للحوار تعتبر تدخلًا في إرادة الشعب السوداني الذي أعلن وبوضوح مطلبه في إبعاد الجيش والمليشيات والحركات المسلحة من الشأن السياسي، كما طالب باسترداد شركات الجيش القابضة واستثمارات مليشيات الدعم السريع لوزارة المالية، وبالتأكيد عزل الجيش عن العمل السياسي يطالب ضمنيًا بإيقاف صفقات الجيش السياسية مع الدول الأخرى وإنهاء المشاركة في حرب اليمن.

اقرأ/ي أيضًا: العود الأبدي.. السودان بين ديسمبر ومؤتمر الخريجين

لقد تعلمنا من خلال ثلاثة أعوام أن الشراكة لن تُجدي نفعًا، خصوصًا وأن طبيعة وتكوين المؤسسة العسكرية أنها قابلة وباستمرار للانقضاض على السلطة الديمقراطية، إذن فالشراكة السابقة بين قوى اعلان الحرية والتغيير والمكون العسكري لم تكن سوى تكتيك من قبل العسكريين قُصد به تمضية الوقت بحيث يعمل فيه المكون العسكري على صنع اصطفاف دولي داعم للجيش والدعم السريع.

وقد نجح العسكريون في السودان خلال هذه الأعوام بصنع هذا الاصطفاف فعلًا، وكان هذا واضحًا في التحركات الدبلوماسية قبل وبعد الانقلاب، وكانت صحيفة وول ستريت جورنال قد ذكرت ان البرهان-قائد الانقلاب- قد زار مصر زيارة سرية ليلة الانقلاب، حيث التقى بالرئيس المصري عبدالفتاح السيسي. كما ذكرت الصحيفة عن مصادرها أن البرهان قام بتحركات جيوسياسية جريئة قبل يوم واحد من الانقلاب، وذكرت أن رئيس المخابرات العامة المصرية عباس كامل زار الخرطوم قبل الانقلاب والتقى البرهان. في حين تفادى لقاء رئيس الوزراء حينها عبدالله حمدوك.

عمل البرهان خلال العامين السابقين في خلق وتعزيز علاقات مع إسرائيل انتهت بالتطبيع عبر توقيع اتفاقية أبراهام، وهذا ما جعله أقوى لتنفيذ الانقلاب على السلطة في تشرين الأول/أكتوبر الماضي، بحيث تستمر العلاقات مع إسرائيل مقابل الدعم الدولي والاقتصادي للجيش في انقلابه.

وتشير مصادر أن مجموعة فاغنر الروسية تعمل في السودان وتشرف عليها الاستخبارات العسكرية الروسية، وكانت قد عملت هذه المجموعة على قمع المتظاهرين أثناء الاحتجاجات ضد الرئيس المعزول عمر البشير، كما تشير مصادر إعلامية إلى أن هذه الشركة تعمل بدعم من الإمارات على توفير السلاح لقمع المتظاهرين الرافضين لانقلاب البرهان في الوقت الحالي.

اقرأ/ي أيضًا: هل يمضي قطار "الانتقال" في السودان؟

كل هذا يمكن قراءته مع أطماع المحاور في الاستيلاء على موانئ بورتسودان، بالإضافة للمواصلة في استخلاص معدن الذهب من السودان عبر مؤسسات الدعم السريع، بالإضافة لتصدير الموارد الأخرى لمصر والسعودية والإمارات مقابل الدعم المالي للجيش السوداني وشركاته القابضة.

عُين بيرتس للمفاوضات بين النظام السوري والمعارضة في 2016 وأعربت الأمم المتحدة لاحقًا عن أسفها الشديد لأنها لم تتمكن عبر وساطتها من إنهاء الحرب في سوريا

إذن يمكن القول أن مبادرة فولكر للحوار تأتي وفق هذا السياق المعقد، حيث يعمل العسكريون عبر علاقاتهم اللصيقة معه للضغط من أجل الحوار مع المدنيين وقوى الشارع الثورية من أجل الإبقاء على وضع سياسي يسمح للعسكريين في الوجود داخل السلطة، وبالتالي الحفاظ على مصالحهم الاقتصادية، وتتداخل هذه المصالح مع مصالح بقية الدول المذكورة آنفًا.

عن تجديد مهمة الفشل.. سوريا، والآن السودان

في شباط/فبراير 2021، أعربت الأمم المتحدة عن أسفها الشديد لأنها لم تتمكن عبر وساطتها الأممية من إنهاء الحرب في سوريا. وكان الخبير الألماني فولكر بيرتس قد تم اختياره لمهمة المفاوضات بين النظام السوري والمعارضة في كانون الثاني/يناير 2016.

وخلال كل هذه الأعوام من عمل بيرتس كوسيط في سوريا، ما زالت الحرب قائمة، وعدد اللاجئين في تزايد مستمر، نذكر هنا أن الاحتجاجات بدأت في سوريا ضد نظام الأسد الدكتاتوري في العام 2011، مطالبة برحيله، ويمكننا القول بوضوح فشل الوسيط فولكر في وضع حل لهذه الأزمة المعقدة، بل انتهى الأمر لحرب أهلية ارتقى على إثرها (380) ألف قتيل، و(13) مليون من اللاجئين السوريين.

فولكر مواصلًا في فرض الوصايا الاستعمارية على دول أفريقيا

تساءلت مرارًا عن التفكير الاستعلائي "الاستعماري" لقائد بعثة الأمم المتحدة "فولكر بيرتس"، فرئيس البعثة يستبطن ضمنيًا أن السودانيين لا يستطيعون المضي قدمًا في عملية سياسية تقود البلاد إلى وضع سياسي مستقر، فيعتقد أن الوساطة الأممية ضرورية بين الأطراف المختلفين، ولا أستطيع التفكير بحسن نية حول هذه الدعاوى للحوار "غير المباشر" بحسب ما أسماه فولكر، والسودانيون يواجهون ترسانة عسكرية بصورة يومية في شوارع السودان، ويفقدون بصورة شبه يومية شبابًا وشابات في مقتبل العمر، ويواجهون قمعًا لا يتصور أي شخص أنه موجه لمواطنين وليس أعداء؛ هل يمكن أن يجلس القادة السياسيون في طاولة حوار في ظل هذه الدماء التي تملأ الشوارع يوميًا؟

اقرأ/ي أيضًا: موانئ السودان والمعادلة السياسية لترويكا الانتقال

أعتقد أن القيادات السياسية في السودان ستكون جزءًا من هذه العملية السياسية ذات الوساطة الأممية، فالعقلية الحزبية في السودان ما زالت غر مبدئية، وما زالت تتصف بصفات نخبة الاستعمار في الترفع والتعالي على مطالب الشارع السوداني، وأعتقد أن العقلية المسيرة لأروقة الأحزاب تعمل بمبدأ أن يكونوا جزءًا في الحوار أقل كلفة من أن يكونوا خارجها. هذا بالتحديد ما تعلمناه من ممارستهم السياسية خلال الأعوام السابقة. 

الشارع السوداني قادر على المضي قدمًا وتغيير الأوضاع للأفضل بحسب شعاراته المرفوعة "العسكر للثكنات

في السودان اليوم، الشارع الذي يواصل يوميًا في الخروج للتظاهر رافضًا هذا القمع الديكتاتوري، ويعمل في نفس الوقت بجد على إبراز قيادات شابة تعمل وفق تصور الثورة الشاملة، قادر على المضي قدمًا وتغيير الأوضاع للأفضل بحسب شعاراته المرفوعة "العسكر للثكنات"، وأعتقد أن الجو الثوري يعمل على خلق القيادات والرؤى الثورية بصورة يومية.

اقرأ/ي أيضًا

الدولة السودانية وماراثون الدستور

مواكب سبتمبر والعزم على تحقيق شعارات الثورة