وزيرة الخارجية والزخارف اللغوية للاستعمار

وزيرة الخارجية والزخارف اللغوية للاستعمار

المؤتمر الصحفي لوزيرة الخارجية "مريم الصادق" ونظيرها المصري بالقاهرة (Cairo 24)

انبرى العديد من المتابعين للشأن السياسي، للتبرير للسياسة التي سيتبناها السودان بخصوص أراضيه "التي ليس في حاجة لها"، والتي أعلنتها السيدة وزيرة الخارجية مريم الصادق المهدي، -انبرى العديد لتفسير ومساندة السياسة الجديدة للدولة، باعتبار أن سوء تأويل حدث لكلمة السيدة الوزيرة التي ألقتها في المؤتمر الصحفي المشترك مع نظيرها المصري أمس الأول، والتي قالت فيها في معرض توضيحها، إن السودان سيعقد تفاهمات مع الدول الجارة ذات الكثافة السكانية العالية بما سيعود ذلك على السودان بفائدة، قائلة أنه بذلك "نستعمِر أراضينا". كما دافع البعض أن الوزيرة تعني بحديثها الأراضي السودانية التي تدعي إثيوبيا منازعتنا لها فيها، ولا تشير بأي صورة للأراضي في الشمال التي تنازعنا عليها مصر، لكن قرينة أن الوزيرة شملت في الرد "الدول" التي تعاني من كثافة سكانية عالية، كما أن القرينة المكانية تؤكد ذلك بوصف المنبر على أرض مصرية، يجعل من التغابي المتعمد حصر ردها على أنه يختص بأراضي "الفشقة". 

 الحقائق على أرض الواقع تقول أن الأراضي السودانية الحدودية تضع الدولتين "ذوات الكثافة السكانية العالية" أياديهما عليهما مسبقًا

عالميًا، ليس السودان هو الدولة الوحيدة التي من الممكن أن تسمح بقيام استثمارات أجنبية داخل حدود دولتها، وليس ذلك استعمارًا بالمعنى المتعارف عليه، لكن يحتمل كلام وزيرة الخارجية معنى "الاستعمار" بالمحمول السلبي للمعنى، لأسباب وجيهة جدًا، وهي أن الحقائق على أرض الواقع تقول أن الأراضي السودانية الحدودية مع الدول التي تعاني من "كثافة سكانية عالية" تضع الدولتين ذوات الكثافة السكانية أياديهما عليهما مسبقًا، ليس بحجة "التعمير" والفائدة المشتركة، بل بحجة تبعية الأراضي رسميًا لهما، لتأتي وزيرة الخارجية لتضفي مشروعية مخادعة لهذا الوضع على الأرض، سواءً كانت تعني أراضي السودان في الشرق في "الفشقة" أو في الشمال في "حلايب وشلاتين".

اقرأ/ي أيضًا: ما بعد الثورة إلا ثورة

لو أننا قاربنا هذه الصورة في خيالنا بمشاهد طفولية تحدث عادة، فلنتخيل طفلًا وديعًا في إحدى مراحل التعليم قبل المدرسي، يحظى هذا الطفل بلعبة جميلة، اقتلعها منه أحد الأطفال الأكبر سنًا، ثم بعد أن طالب هذا الطفل الوديع بهذه اللعبة الحلوة، عبر البكاء والنحيب، بما يهدد بتدخل المسؤولين وفضح الطفل الآخر، اكتفى الطفل الذي اغتصب اللعبة بدفع مقابل مالي للطفل الأصغر من أجل السكوت، وعندما عاد الطفل إلى المنزل سأله والداها أين اللعبة، أجاب لقد "استأجرتها" لأستفيد منها!

الحيرة اللغوية التي دخلت فيها السيدة وزيرة الخارجية مفهومة تمامًا، فوزيرة الخارجية تعلم تمامًا المحمول المخادع لكلمة "استعمار"، للدرجة التي أزاح فيها المدلول العملي للكلمة معناها اللغوي، فحجة التعمير هي ذاتها حجة "المستعمر" منذ قديم الزمان، وقد كررت الوزيرة أكثر من مرة كلمة "استعمار" مقرونة مع كلمة تعمير بتصاريفها العديدة خلال ردها في أقل من دقيقتين على سؤال الصحفي المصري، لتجد نفسها تتأتئ بين حقيقة الكلمة وزخارفها اللغوية.

إذا قصرنا حديث وزيرة الخارجية على أنه معني فقط بالجانب الخاص بأراضي "الفشقة" على حسب سؤال الصحفي المصري، فذلك يذكرنا بحديث ظل يردد بحذر، حول أن الأطماع الأثيوبية في الفشقة بل حتى منطقة الجزيرة في السودان لم تأتِ عن فراغ، بل يعود إلى وعود قطعها خليفة المهدي عبدالله التعايشي، مع قوميات إثيوبيا يعدهم فيها بالسماح لهم بـ"استعمار" -أو تعمير كما تود وزيرة الخارجية- أراضٍ تمتد حتى ولاية الجزيرة، على أن يعاونوه في أحلامه بغزو مصر و"استعمارها" أيضًا.

وكشفت السياسة الجديدة لحل مسألة الأراضي السودانية في الحدود، المعلنة من قبل وزيرة الخارجية أن الحكومة تتجه لتبني ذات السياسات التي اتبعتها حكومات وطنية مختلفة، والتي أفرزت ذات الأوضاع التي نعيشها اليوم، فهي ذات التفاهمات التي أدت إلى هذه الأوضاع الآن على الأرض، فعوضًا على أن التفاهمات العديدة والمختلفة التي عقدتها الدولة السودانية في كل حكوماتها الوطنية المختلفة مع عدد من حكومات أثيوبيا؛ لم تؤدي إلا إلى تعقيد الوضع على الأرض، يجب أن لا ننسى أن الخلاف مع إثيوبيا لا يحتكم إلى أوراق واعترافات رسمية، بل يعود لأطماع هذه القوميات التي "تمتلك الأرض عبر عبورها وتعبرها امتلاكًا"* في ترحالها الدائم.

اقرأ/ي أيضًا: التطبيع مرة أخرى.. الشق المدني يرمم الوعد الكاذب

قرينة "الدول ذات الكثافة السكانية"، لا تدع مجالًا للشك أن الوزيرة تعني بحديثها "الاستيطان" وليس التعمير أو الاستعمار بمفهومه "الخيالي الجميل"، كما تعني أن الأوضاع ستظل كما هي في واقع الأرض، فالمزارعون الإثيوبيين في الفشقة في شرق السودان، قد أنشأوا وبنوا منازلًا ومساكنًا، وتعاملهم الرسمي ليس مع الحكومة السودانية، بل مع السلطات الأثيوبية في عمليات دفع الضرائب والجبايات.

بالرغم من أن السودان من الدول قليلة الكثافة السكانية؛ إلا أن العديد من السودانيين لا يملكون شبر أرض فيه

وكان من الممكن أن تعلن الحكومة الانتقالية، تبني سياسية جديدة في ضمان عودة وأيلولة كل الأراضي السودانية للسودان، ثم تدعيم ذلك ليس عبر اتفاقيات أو مواثيق وعهود، بل بتمكين السودانيين أولًا من أراضيهم، وتعميرها بأنفسهم، فبالرغم من أن السودان من الدول قليلة الكثافة السكانية إلا أن العديد منهم لا يملكون شبر أرض فيه. فهل يستقيم أن يبني مواطن أجنبي منزلًا في السودان بينما لا يجد الملايين من الشباب السوداني ملجأ لقضاء ليلة، ناهيك أن "يُعمِّر" غيرنا أراضينا.


* تعبير للفيلسوف الفرنسي جيل دولوز في وصف الفكر الترحالي

اقرأ/ي أيضًا

الفشقة السودانية.. أطماع الجارة وألاعيبها السياسية

قوى التهافت على المناصب!