وداعًا حسكا.. كأن الدنيا طي القلب والمنديل
9 ديسمبر 2025
"يا أجمل شاب
في قلبك عيش
وحمام أبيض
حارسو بإعجاب
بهنس
في البيوت السودانية التي تمتد على اتساع الوجع والأحزان؛ هنالك مآتم أقيمت لمحمد محمود "اسكونس"، من كل الأمهات اللاتي ظللن ينتظرن يومي الإثنين والخميس لإطلالته المميزة على برامج النيل الأزرق الصباحية، الأمهات اللاتي أبصرن فيه الابن اللطيف، الضاحك، الوسيم، الهاش الباش، صاحب القلب الكبير والكلمة الطيبة والابتسامة المعافاة.
قالت له إحدى الأمهات عبر اتصالها ببرنامج (بي إن أف أم): "يا الحَبوب.. اللبن الخاتي الروب.. فاقداك.. وجهزت ليك حاجات رمضان". لم تعتقد أولئك الأمهات اللاتي أحبهن وأحببنه أنه مذيع في قناة، بل كن يعرفن أنه ولدهن المحبوب، وكن يعبِّرن عن محبتهن له بهذه الطريقة، فهو بصدقه الجارح دخل البيوت السودانية وتحكر في القلوب، وبضحكته الصافية وتفاعله العفوي كان صديقًا لكل من يلقاه؛ وقريباً من الجميع.
"سيفتقد الإعلام السوداني محمد محمود حسكا الذي خلف أرشيفًا محترمًا من البرامج العظيمة التي ستظل دليلًا على احترافيته ومهنيته وصدقه وموهبته الفذة وشاهدًا على الظلم الذي حاق به والمؤامرة الدنيئة التي تعرض لها في حياته المهنية التي حفرها بالمخلب وزاد عنها بالناب"
قالت لي خالتي نعيمة والدة زوجتي إنها تنتظر برنامج الصباح محبةً في محمد محمود، فقدمت رقمه لها، وأخبرته بذلك وبمحبتها الكبيرة له، فقدم لها تحية عبر البرنامج على الهواء مباشرةً في اليوم التالي، وكانت تلك بمثابة هدية عظيمة لخالتي نعيمة، متعها الله بالصحة والعافية.
لن تجد شخصًا يتفق الناس على محبته مثل محمد محمود، كبيرهم وصغيرهم، المثقفون والبسطاء، لأن "حسكا" امتلك ذلك السر العجيب للمحبة، وفك شفرته بموهبته الفطرية، كان بوسعه أن يجد مشتركات مع الجميع، وظل يمشي بين الناس بهذه المحبة الهائلة، لذلك كللت مسيرته كإعلامي بهذا النجاح الكبير، فما الإعلامي إن لم يستطع الوصول إلى الناس عبر أية منصة، ولو كانت صفحته على مواقع التواصل الاجتماعي التي كانت محطته الأخيرة في مسيرته الإعلامية. برنامج (الحيطة) الذي ظل يواصل به شغفه وكفاحه الإعلامي المميز، وقدرته المدهشة على اجتراح برامج فنية، وتفاعلية، جعلت منه رقمًا مهمًا في نجاح أية مؤسسة عمل بها..
خرج محمد محمود من النيل الأزرق التي أسهم في تأسيسها وتأسيس برنامج الإف أم، وغدرته بالفصل بعد ثلاثة عشر عامًا عمل فيها بالقناة، وظلت نسب مشاهدته عالية وبرامجه التي يقدمها تنال القبول والشعبية، فما الذي تطمح إليه أية قناة تلفزيونية غير ذلك؟
محمد محمود ظل لصيقًا بهموم الناس ومعاشهم اليومي وكان يطرح هذه القضايا على الهواء مباشرةً وبالتالي لم يعجب ذلك خفافيش الظلام فسعوا لإقصائه، لكن محمد محمود لم يتوقف وواصل مسيرته وكفاحه وظل يطل على الناس ويقول قوله غير عابئ بمن رضي أو رفض؛ لأنه كان صادقًا في مسعاه، وظل هذا الصدق العجيب هو ما يجعل الناس يشعرون أنهم أصدقاء له، وقريبين منه؛ صدق جعله لا يحفل بالشهرة التي أتته منقادة تجرجر أذيالها، ولا يعبأ بالنفوذ الذي سخِّر له نتيجة لذلك، فعاش حياته يكافح من أجل لقمة العيش، بالجهد والعرق، لم يرهن مهنته لسلطة، ولم يبدد موهبته في خدمة المشاريع التي لا تخدم الناس ولا تفيدهم، عاش وفيًا للقيم والأحلام التي حرَّضته ليكون إعلاميًا، متسقًا مع نفسه وأطروحاته، بسيطًا مع الناس، عميقًا في فهم الواقع وتعقيداته، مثقفًا حقيقيًا يعرف ماذا وكيف ولماذا يقول أي شيء؛ أو لا يقول.
جمعتني بمحمد محمود صداقة عظيمة اعتز وأفخر وأتشرف بها منذ أن كان طالبًا بجامعة أم درمان الأهلية وكنت بجامعة السودان؛ وجدنا أنفسنا في شلة هي خليط من كُتاب وصحفيين، وأولاد حلة، حتى أننا بعد سنوات طويلة قطنا في بيت واحد في العرضة، بيت عزابة كان فيه محمد محمود ومأمون التلب ومحمد عثمان فرفر ومحمد الصادق الحاج ومازن مصطفى؛ وظل هذا البيت موئلًا للمصادفات الجميلة التي تجلب كل يوم صديقًا أو مجموعة من الأصدقاء المشتركين، وكانت سيارة محمد الفلوكسواجن الصغيرة التي ظلت هي معلم البيت الرئيسي، هي مواصلاتنا نحو الخرطوم والسوق وكل شيء، وستكون تلك الذكريات العزيزة التي جمعتني به والأصدقاء هي زاد الرحلة، بعد أن تشتتنا في المنافي والمهاجر والمغتربات، إثر الحرب، وعبثيتها، التي دفعت محمد محمود حسكا إلى مغادرة السودان لأول مرة للعمل خارجه، محمد الذي رفض كافة الفرص التي تيسرت له للاغتراب والعمل كنجم في إحدى القنوات الخارجية، لكنه ظل متمسكًا بالبقاء في السودان حتى غادره مجبرًا، ولم يستطع قلبه الكبير احتمال هذا، فبعد وقت قليل من مغادرته للسودان ها هو يغادر الدنيا بكاملها، يا الله من هذا الوجع.
سيفتقد الإعلام السوداني محمد محمود حسكا الذي خلف أرشيفًا محترمًا من البرامج العظيمة التي ستظل دليلًا على احترافيته ومهنيته وصدقه وموهبته الفذة، وشاهدًا على الظلم الذي حاق به، والمؤامرة الدنيئة التي تعرض لها في حياته المهنية التي حفرها بالمخلب وزاد عنها بالناب، حمايةً لها من الانحراف عن المسار الذي اختطه مع نفسه؛ أن يكون صوتًا للملايين الذين لا صوت لهم، أن يكون دليلهم في هذا الليل المدلهم، وأن يكون قمرهم الجليل.
لن أستوعب قط رحيله المباغت هذا كما لن يفعل الملايين من السودانيين الذين أحبوه وتوسموا فيه الخير والبركة، ولئن جاءت وفاته بهذه الطريقة لتكيل الوجع على الأوجاع، وتقول كم يمكن للموت أن يتسلل إلى أحبابنا في غفلة منا ومنهم؛ ويأخذهم ليتركنا نتجرع الذكريات والألم.
رحل محمد محمود حسكا بغتةً في شتاء القاهرة القاسي، وحيدًا في شقته، مثلما رحل من قبل صديقنا محمد حسين بهنس، وحيدًا في شوارع القاهرة، في شتاء قاسٍ مثل هذا، بهنس وحسكا الذين جمعت بينهما دروب الإبداع وجامعة أم درمان الأهلية وإلفة ومحبة الفن، والانحياز إلى الناس والصدق العظيم؛ لم يحتمل قلباهما تلك الغربة القاسية، والوحشة والوحدة التي حفت بهما بعيدًا عن الوطن، فأسلما الروح، هناك، في الوحدة وقسوة البرد، ووحشة الغربة.
"رحل محمد محمود حسكا بغتةً في شتاء القاهرة القاسي وحيدًا في شقته مثلما رحل من قبل صديقنا محمد حسين بهنس وحيدًا في شوارع القاهرة في شتاء قاسٍ مثل هذا بهنس وحسكا اللذان جمعت بينهما دروب الإبداع وجامعة أم درمان الأهلية وإلفة ومحبة الفن والانحياز إلى الناس والصدق العظيم"
لا كلمات تكفي في مقام الفقد؛ سيكتب الآلاف عنك وسيتذكرك الملايين يا محمد بذات الهيئة التي أحبوك فيها: ضاحكًا مستبشرًا رغم كل شيء، عنيدًا في مهنيتك، صادقًا ووفيًا في علاقاتك مع أصدقائك ومحبيك، جميلًا في كل شيء.
تغمد الله محمد محمود بالرحمة والمغفرة؛ وربط على قلوب أسرته وأهله وأصدقائه ومتابعيه وكافة من عرفه، ولا نقول إلا الحمدلله رب العالمين.
الكلمات المفتاحية

كتاب "السودان: ستون عامًا من الصراع".. دعوة للتأمل في كيفية كسر الحلقة المفرغة
صدر حديثًا عن دار الريس للنشر والتوزيع كتاب "السودان: ستون عامًا من الصراع" لمؤلفه كمال شبر، وهو وثيقة تحليلية تشرح بعمق مأساة الدولة السودانية

تأملات في عوالم جوزيف كونراد والطيب صالح
عندما نفكر في كونراد نفكر في البحر، في حياة البحر وما تصنعه برجالها وفي المصائر التوراتية التي يدخرها لهم، نفكر في معدن الرجولة وما يعرفه الرجل عن نفسه في لحظات بعينها في حياته، ونفكر في مادة الشر وكيف يجد ضرورته في العالم وفي قلوب الرجال، ونفكر في شخوصه الأضخم من الواقع ذاته، شخوصه التي تختزل وتتضمن كل طيف الوجود البشري

الجدة طماية أو كيف ينجو المكان في الحكاية.. رواية لعثمان شنقر
صدر حديثًا الجزء الأول من ثلاثية أخبار عائلة الجدة طماية للروائي السوداني عثمان شنقر عن دار نينوى السورية للطباعة والنشر في دمشق

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء
أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

