هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الصحافة والصحفيين؟

هل يهدد الذكاء الاصطناعي مستقبل الصحافة والصحفيين؟

تعبيرية (Forbes)

منذ بدايات الثورة الصناعية في القرن التاسع عشر، بدخول المكننة في مجالات عديدة، فقد العديد من البشر وظائفهم بدخول الآلة لمجال الإنتاج، فاستغني العديد من أصحاب العمل من العمالة اليدوية. لكن حتى قبيل أشهر قليلة، لم يكن من المتوقع أن تمثل الأتمتة والذكاء الاصطناعي تهديدًا للكتاب والصحفيين، في احتمالية شغل الآلة وظيفة الكاتب والصحفي وقيامها بكتابة مواد صحفية.

قامت اللغة التي تم الكشف عنها حديثًا، بكتابة العديد من التقارير والمقالات الصحفية لصالح عدد من المواقع

فخلال الأسابيع الماضية، وعقب الكشف عن لغة الذكاء الاصطناعي (GPT- 3)، والتي تعتبر ثورة وطفرة نوعية في مجال الذكاء الاصطناعي، من خلال استخدامها (175) مليار متغيّر مقارنة بـ(17) مليار متغيّر فقط لما كانت تعرف بأنها أقوى لغات الذكاء الاصطناعي لغة (T-NLG)، التي كانت تطورها الشركة الأشهر ميكروسوفت، قامت اللغة التي تم الكشف عنها حديثًا، بكتابة العديد من التقارير والمقالات الصحفية، لصالح عدد من المواقع.

اقرأ/ي أيضًا: "أنثى الأنهار" تكتسي بالذهب

اللغة التي تم الكشف عنها قبل أشهر في آذار/مايو الماضي، التي يدعمها ويمولها عمالقة من رؤوس الأموال ورواد الأعمال في العالم، من ضمنهم إيلون مسك، رائد الأعمال المعروف بمشروعاته الطموحة لسبر أغوار الفضاء وسياراته ذاتية القيادة -استطاعت هذه اللغة كتابة عدد من المواضيع الصحفية والإخبارية، مستفيدة من الكم الهائل من المتغيرات المتغذية بها التي تساعدها في توليد جمل ومواضيع، كما تجاوب على الأسئلة المطروحة عليها، بل حتى أن اللغة الجديدة استطاعت كتابة بعض الأبيات الشعرية المتماهية مع أسلوب ولغة الشاعر العربي أبونواس، استنادًا على فهمهما لأرشيف الشاعر اللغوي والمصطلحي والمفاهيمي.

نموذج تقرير الهجرة

نشر موقع "نون بوست" تقريرًا مترجمًا عن الإنجليزية قامت بكتابته لصالح "نون بوست" اللغة المشار إليها، باسم الكيان الاعتباري "أوبي"، والذي قام خلال (1300) كلمة، بالإجابة على الأسئلة المقدمة من قبل الموقع في شكل عناوين فرعية تم تضمينها ضمن التقرير، لتقدم "الآلة" رؤية متكاملة تصلح لأن تكون تقريرًا صحفيًا في حال طابقت السياسات التحريرية للجهة الناشرة، ما يُلمِّح لإمكانية الاستغناء مستقبلًا عن وظيفة الصحافي أو محرر الأخبار. وبالتأكيد لن يكون ذلك في القريب العاجل، لكنه يصلح كتنبيه لإمكانية عدم الحاجة للصحافيين أو تقليل الاعتماد عليهم بشكلٍ كامل في المستقبل، كحال معظم الوظائف والأشغال التي اختفت في الأعوام الماضية مع التقدم التقني المضطرد.

التقرير الذي قامت بكتابته الآلة الذكية، بما يشابه طبيعة التجربة الإنسانية الخطّاءة، شابته بعض الأخطاء "الكارثية"، والتي من الممكن أن تثير لغطًا كبيرًا في حال تمت كتابته عبر كاتب بشري له موضعه السياسي وأغراضه غير البريئة، أو في حال تبنّي ما جاء فيه من قبل الجهة الناشرة؛ فبميكانيكية مباشرة، أورد نظام الذكاء الاصطناعي مجموعة من العبارات والكلمات التي تشير إلى دلالات ذات طبيعة "عنصرية"، كقوله في التقرير المتحدث عن الهجرة وآثارها: "إن المهاجرين قد يشكلون تهديدًا للسكّان الأصليين عبر طمس ثقافاتهم الأصلية"، ما يعد خطاب كراهية من الممكن أن يضر بأمان وسلام تلك المجتمعات.

في حال اطلعت على التقرير، في الغالب لن تدرك أن التقرير كتب بواسطة آلة، فالتقرير تضمن ضمائر متكلم مستترة وواضحة، كما أن لغة التقرير ابتعدت عن اللغة التقريرية الإخبارية، ساردًا مجموعة من المعلومات في شكلٍ تفاعليٍّ تحس فيه أنك أمام شخص يحدثك بكثير من الاهتمام والحرص، بل حتى أن اللغة قدمت اقتراحات تفضيلية للمناطق الأفضل للهجرة، اعتمادًا على بيانات مسبقة، قائلة: "إنها في السابق كانت تنصح بالولايات المتحدة الأمريكية، لكنها صرفت النظر عنها مع وصول دونالد ترمب للحكم واستمراره"! كما ناقش التقرير عددًا من القضايا الخلافية بخصوص الهجرة، كالصراع على الوظائف، مستعرضًا ومناقشًا -أثناء ذلك- مجموعة من الحجج من مختلف الاتجاهات!

اقرأ/ي أيضًا: "أضعتُ جسدي".. فن الفقدان وعذوبة الخسارة

ولا يقتصر التقرير على المعلومات فقط، بل أورد التقرير بعض التحليلات لبعض الأحداث، كتخوف المجتمعات الغربية من المسلمين وربطهم بالإرهاب، مرجعة –الآلة- ذلك إلى ممارسات الجماعات الإسلامية المتطرفة.

هذه البرمجة المسبقة تفتح الباب حول السؤال عن الكيفية والمعيار القيمي الذي سيتم تزويد اللغة به

بالطبع من الممكن مد وبرمجة نظم الذكاء الاصطناعي بعدد من القيم المسبقة، أو حظر عبارات وكلمات محددة. لا يبدو ذلك صعبًا، فاللغة التي تعد حاليًا الأوفر معرفة، مقارنة باللغات الموجودة، تضم داخلها مجموعة من القيم القَبْلية، وضَح ذلك من خلال ما أوردته في التقرير موضع التجربة، لكن هذه البرمجة المسبقة تفتح الباب حول السؤال عن الكيفية والمعيار القيمي الذي سيتم تزويد اللغة به، والتساؤل عن ما إذا كانت معرفة "الآلة" هي ذاتها معرفة الإنسان البشري المصحوبة بالعواطف والقيم التي يعدها البعض قيمًا نبيلة.

منذ وقت ليس بالقصير ثار الجدل حول أجهزة الذكاء الاصطناعي المبرمجة مسبقًا، فكثيرًا ما قوبلت سياسات شركات كبرى، كمحرك البحث قوقل، بانتقادات كبرى، كونها تقوم بإسقاط قيم ذات طابع سياسي خلافي بوصفها حقائق مسلّمة، كالجدال الذي طال الموقع الأشهر خلال تغييره لمسمى فلسطين إلى "إسرائيل" في موقعه الخاص بالخرائط.

ويمكنك هنا عزيزي/تي القارئ/ة؛ الاستئناس مع هذه اللغة عبر الأسئلة التي تخطر في بالك، حيث ستقيم معك حوارًا تفاعليًا ذا طابع فلسفي.

اقرأ/ي أيضًا: جابر حسين وميرغني ديشاب في رحلة إلى كسلا للبحث والتوثيق

وعندما طالب الموقع صاحب التجربة الآلة بالإجابة حول مستقبل الصحافة والصحفيين، أجابت الآلة إنها بدخولها مجال الصحافة والنشر، فإن الصحفيين سيضطرون إلى تجويد موادهم، كون دخول الآلة الذكية يمثل تهديدًا ويخلق تنافسًا، لكنها قالت إن على البشر القلق من أشياء أخرى كالكويكبات وغيرها، قائلةً إن البشر عليهم القلق من أشياء أخرى غير الذكاء الاصطناعي.

"الآلة" التي تتحدث بضمير "أنا" وهي تكتب، لا تعلم حتى أنها آلة، لكنها في وقتٍ ما قد تصنع قيمها الخاصة

في أفضل الفروض لم يكن يدر بخلد الناقد والمفكر الفرنسي رولان بارت أن المصطلح الذي قذف به إلى الأوساط الثقافية والأدبية، ستينات القرن الماضي، سيتحول إلى حقيقة ماثلة وليس تعبيرًا مجازيًا، فقد أطلق بارت تعبير "موت المؤلف" لكي يشير إلى أن الجوانب الذاتية والشخصية للكاتب، ليست ذات صلة بما يكتبه الكاتب المؤلف، كما قال إنها لا تساعد في فهم المنتوج الكتابي، ويبدو أننا الآن أمام تجسد حقيقي لهذا المصطلح، فـ"الآلة" التي تتحدث بضمير "أنا" وهي تكتب، لا تعلم حتى أنها آلة، لكنها في وقتٍ ما قد تصنع قيمها الخاصة، بل ربما تحاكمنا نحن البشر "خالقوها" بما يتشابه وعقيدة أوديب وقتل الأب، كما ظلّت تتخيل أفلام الخيال العلمي المحذرة من تعاظم دور الآلة الذكية.

اقرأ/ي أيضًا

همباتة السودان.. هل كانوا لصوصًا وشعراء صعاليك؟

"سينما الجيران" في الخرطوم