منذ سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة الفاشر وفقدان الجيش السوداني لآخر معاقله في إقليم دارفور، لم تشهد المنطقة مواجهات برية واسعة، بينما تركزت المعارك في إقليم كردفان، الذي تعادل مساحته مساحة ثلاث دول في أوروبا.
وكان مساعد القائد العام للقوات المسلحة وعضو مجلس السيادة الانتقالي، الفريق أول ركن ياسر العطا، قد أعلن من مدينة الأبيض نهاية العام الماضي عن رغبة الجيش وحلفائه في التقدم نحو إقليم دارفور وملاحقة قوات الدعم السريع حتى الحدود الدولية.
وتبدو خارطة السيطرة العسكرية في إقليم كردفان متبادلة بين الجيش والدعم السريع؛ فبينما استحوذت الأخيرة على الأجزاء الغربية التي تضم حقول النفط في ديسمبر العام الماضي، تتوسع القوات المسلحة في شمال كردفان وجنوب الإقليم، وتحديدًا في مدن كادوقلي والدلنج وأبو جبيهة.
مراقبون: الجيش في مرحلة تحضير للتقدم نحو دارفور والعمليات في كردفان قد تستغرق وقتًا طويلًا
وتُطرح تساؤلات ملحّة أمام قادة القوات المسلحة حول ما إذا كان الجيش سيتقدم إلى إقليم دارفور لمواجهة الدعم السريع بريًا، لا سيما أن المعارك لا تزال تتركز فعليًا في إقليم كردفان، واستغرقت منذ مارس العام الماضي حتى مارس 2026 قرابة عام من القتال المكثف.
وفي هذا السياق، يجزم المحلل خالد جبريل بأن "القوات المسلحة ستتقدم حتمًا نحو إقليم دارفور"، مستدلًا على ذلك باستحالة تعايش المواطنين في مناطق تسيطر عليها قوات الدعم السريع، مرجحًا في الوقت ذاته تعرض الجيش لضغوط شعبية متزايدة للتقدم والسيطرة على كامل تراب دارفور.
كما يطرح جبريل بعض السيناريوهات الإقليمية التي قد تدفع الجيش للتقدم نحو إقليم دارفور، مثل شعور المملكة العربية السعودية ومصر بأن ثمة "أيادي خفية" تعمل على تقسيم السودان بقيادة "إسرائيل" عبر الإمارات العربية المتحدة.
ويرى جبريل أن الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور جعلت المواطنين "ينتظرون" وصول الجيش بفارغ الصبر. كما يتحدث عن وجود عوامل أخرى تجعل الوضع في الإقليم الواقع غربي البلاد لصالح الجيش، وهي إمكانية إلقاء بعض المجموعات المتحالفة مع الدعم السريع للسلاح حال وصول الجيش، لأنهم وجدوا أنفسهم مضطرين لذلك لحماية مجتمعاتهم من "بطش" الدعم السريع.
خالد جبريل لـ "الترا سودان": الجرائم التي ارتكبتها قوات الدعم السريع في دارفور جعلت المواطنين "ينتظرون" وصول الجيش بفارغ الصبر
وفي أبريل 2025، وقبل أن يخسر الجيش مدينة النهود في ولاية غرب كردفان لصالح قوات الدعم السريع، كانت هناك توقعات بالتقدم عبر الطريق البري إلى منطقة أم كدادة الواقعة بولاية شمال دارفور كأول نقطة ترجح الموازين العسكرية في تلك الفترة لصالح القوات المسلحة وتخفف هجمات قوات حميدتي على مدينة الفاشر.
ولاحقًا في مايو من العام نفسه، خسر الجيش مدن النهود وأم صميمة والخوي، وأصبح انتشاره محصورًا على تخوم مدينة الأبيض عاصمة شمال كردفان، مما أدى إلى تراجع الآمال بالتقدم السريع نحو إقليم دارفور.
بينما يقول مراقبون أمنيون على دراية بطبيعة وتضاريس إقليم دارفور إن الجيش قد "يتحاشى" التوغل حاليًا نحو الإقليم، باعتبار أنه لا يزال يسعى للسيطرة الكاملة على كردفان؛ فمن بين ثلاث ولايات في الإقليم، خسر الجيش غرب كردفان بشكل كامل نهاية العام الماضي، بينما تتقاسم الدعم السريع مع القوات المسلحة السيطرة على ولايتي شمال وجنوب كردفان.
خالد أحمد لـ"الترا سودان": الجيش السوداني يجري في الوقت الراهن تحضيرات عسكرية لتوسيع السيطرة على غرب كردفان وتعزيز انتشاره في محيط مدينتي الدلنج وكادوقلي جنوبًا
ويرى الصحفي والمراقب للحرب في السودان خالد أحمد، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن الجيش السوداني يجري في الوقت الراهن تحضيرات عسكرية لتوسيع السيطرة على غرب كردفان وتعزيز انتشاره في محيط مدينتي الدلنج وكادوقلي جنوبًا. ويعتقد أحمد أن الجيش لن يغامر بالتقدم نحو إقليم دارفور دون إكمال السيطرة على كردفان، لا سيما المنطقة الغربية حيث تحتفظ قوات الدعم السريع بعدد كبير من المقاتلين وتمتلك طرق إمداد مفتوحة من دارفور.
وتابع الصحفي خالد أحمد قائلًا: "الجيش يعتمد في دارفور حاليًا على الطيران المسيّر لقطع سلاسل إمداد قوات الدعم السريع وتدمير مستودعات الوقود، حتى يتمكن من شل قدراتها التحركية". كما يشير أحمد إلى أن القتال في كردفان يحتاج إلى قوة بشرية هائلة، ولا يمكن للجيش أن يتوغل إلى دارفور دون الإجابة على سؤال ملحّ ومحوري حول مصير إقليم كردفان، خاصة الأجزاء الغربية والجنوبية منه.
ويضيف بالقول: "قد تستغرق المعارك في كردفان وقتًا طويلًا، وهذا لا يعني أن الجيش بمعزل عن مرحلة التحضير لدفع قواته نحو إقليم دارفور في مرحلة لاحقة". ويختم خالد أحمد إفادته بالتنويه إلى أن الطبيعة الجغرافية والتضاريس في كردفان لا تسمح بالانتشار العسكري الواسع للجيش دون حساب العواقب بدقة.