ultracheck
سياسة

هل يقترب مجلس الأمن من قلب شبكة الحرب بمعاقبة القوني والكولومبيين؟

30 أبريل 2026
القوني دقلو
القوني دقلو
الفاتح محمد
الفاتح محمد كاتب من السودان

في قرار جديد لمجلس الأمن الدولي، أُدرج أربعة أشخاص من جنسيتين مختلفتين على قائمة عقوبات واحدة، يؤدّون أدوارًا متكاملة في منظومة واحدة لتمويل الحرب على السودان وتزويدها بالوقود البشري والأسلحة الحديثة.

فرض مجلس الأمن عقوبات على القوني حمدان دقلو، المسؤول عن شبكات شراء السلاح داخل قوات الدعم السريع وشقيق قائدها، إلى جانب كل من ألفارو أندريس كويخانو بيسيرا، وكلوديا فيفيانا أوليفيروس فوريرو، وماتيو أندريس دوكي بوتيرو، وهم ثلاثة كولومبيين متورطون في تجنيد مرتزقة لصالح القوات، وذلك بناءً على اقتراح مشترك من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا.

الربط بين القوني والكولومبيين في قرار واحد هو اعتراف دولي بأن ما يجري في السودان لا يمكن اختزاله في وصف "الحرب الأهلية"

الربط بين القوني والكولومبيين في قرار واحد هو اعتراف دولي بأن ما يجري في السودان لا يمكن اختزاله في وصف "الحرب الأهلية"، لأنه مبني على منظومة تسليح وتجنيد تتقاطع فيها أبوظبي والخرطوم وبوغوتا والكفرة، وغيرها من دول جوار السودان، وتصب جميعها في صالح الدعم السريع، بحسب تقارير أممية وصحفية متعددة.

الرجل الذي يشتري الحرب

القوني هو العقل المالي لقوات الدعم السريع، ويلعب دورًا أشبه بـ"السكرتير الشخصي" لقائدها حميدتي، كما يُصنّف ضمن أبرز الضباط النافذين في القوة التي تقودها الأسرة. ويحمل القوني جواز سفر سودانيًا وآخر كينيًا، إضافة إلى هوية إماراتية، حسب المعلومات الواردة في قرارات العقوبات الأميركية.

وكشفت صحيفة "The Standard" الكينية، في فبراير الماضي، أن المعلومات الواردة في السجلات الأميركية أظهرت أنه يحمل جواز سفر كينيًا، ما أثار تساؤلات حول كيفية حصوله على الوثيقة الرسمية. ووصف رئيس القضاء الكيني السابق القضية بأنها "أزمة دستورية عميقة قد تشير إلى تواطؤ أو تسهيلات رفيعة المستوى"، محذرًا من أنها تقوض دور كينيا كوسيط إقليمي ضمن الإيقاد.

لم يكتفِ القوني بالتنقل بوثائق متعددة، بل أقدم على ما هو أكثر جرأة. ففي أكتوبر 2025، وصل إلى واشنطن بالتزامن مع اجتماع "الرباعية الدولية" (السعودية والإمارات ومصر والولايات المتحدة) لبحث الاستقرار في السودان، ثم بقي في العاصمة بعد انتهاء الاجتماعات. وظهر وهو يتجول في فندق "والدورف أستوريا"، ويمشي في شوارع العاصمة، بحسب مقاطع متداولة على وسائل التواصل الاجتماعي.

تتهم وزارة الخزانة الأميركية القوني بالاضطلاع بدور محوري في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية لصالح الدعم السريع عبر شركاته

وكان القوني في تلك اللحظة مدرجًا على قائمة العقوبات الأميركية منذ عام 2024، بتهم تتعلق بدوره في "دعم حملة الفظائع التي ارتكبتها قوات الدعم السريع والتهجير القسري". وطالب السيناتوران جين شاهين وكوري بوكر وزارات الخارجية والعدل والخزانة بتفسير عاجل حول كيفية دخوله الولايات المتحدة، وما إذا كانت هناك استثناءات أو تسهيلات سمحت بدخوله وإقامته في واشنطن.

وتتهم وزارة الخزانة الأميركية القوني بالاضطلاع بدور محوري في شراء الأسلحة والمعدات العسكرية لصالح الدعم السريع عبر شركاته؛ إذ يدير شركة "تراديف"، ومقرها الإمارات، والتي تستورد المركبات للقوات. وأسهمت أفعاله في حصار مدينة الفاشر، قبل أن تسيطر عليها قوات الدعم السريع في أواخر أكتوبر 2025.

وبحسب تحقيق صادر عن منظمة "Global Witness"، تؤكد وثائق دائرة التنمية الاقتصادية في دبي أن القوني هو المالك الوحيد المستفيد من "تراديف"، وتنقسم الملكية رسميًا بين 49% للقوني بوصفه مواطنًا سودانيًا، و51% لإماراتي بوصفه راعيًا.

وكشفت وثائق مسربة عن تدفق أموال بين حساب "تراديف" وحسابات الدعم السريع؛ إذ تلقت الشركة ما يقرب من 50 مليون درهم من قوات الدعم السريع على أربع دفعات خلال عام 2019، فيما أكدت وثيقة مصرفية أخرى تلقي حساب القوات 48 مليون درهم من الشركة ذاتها. وكان المال يتنقل بين دبي والخرطوم في الاتجاهين، ما يجعل "تراديف" صندوق تدوير مالي.

امتدت شبكة مندوبي المشتريات التابعة للقوني إلى الإمارات ورواندا وماليزيا والصين، مع زيارات موثقة إلى ألمانيا وروسيا وهولندا.

الإدراج الأممي الجديد لم يأتِ من فراغ؛ فقد كانت وزارة الخزانة الأميركية قد فرضت عقوبات على شبكات وشركات مرتبطة بالصراع في السودان في يونيو 2023، ثم فرضت عقوبات مباشرة على القوني شخصيًا في أكتوبر 2024.

وفي فبراير 2026، استصدرت الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والاتحاد الأوروبي عقوبات على قادة من الدعم السريع على خلفية انتهاكات وجرائم الفاشر. وخضع القوني لعقوبات أوروبية في يناير 2026، ثم في أبريل الجاري فرضت الولايات المتحدة عقوبات على خمس شركات وأفراد متورطين في تجنيد المرتزقة الكولومبيين.

العقوبات الأممية الصادرة أخيرًا تشمل حظر السفر وتجميد الأصول، وأُدرج القوني ضمن لجنة العقوبات المنشأة بموجب القرار 1591 لعام 2005.

الكولومبيون: من الكارتل إلى الفاشر

قصة المرتزقة الكولومبيين لا تبدأ من السودان. ويُعد ألفارو كويخانو بيسيرا، ضابطًا سابقًا بالجيش الكولومبي، قائد شبكة التجنيد والمدرج الأبرز في قائمة مجلس الأمن، عضوًا سابقًا في كارتل "نورت ديل فالي" الكولومبي، ويقيم حاليًا في الإمارات، حيث أسّس وكالة الخدمات الدولية (A4SI)، التي تُعد مركز التجنيد الرئيسي.

وفرضت وزارة الخزانة الأميركية عقوبات على شبكة من الأفراد المرتبطين بعمليات تجنيد مقاتلين سابقين من كولومبيا للقتال في السودان ضمن قوات الدعم السريع، مشيرة إلى استخدام شركات واجهة لتسهيل عمليات النقل والتجنيد. وتشير العقوبات إلى تورط شخصيات مثل كلوديا أوليفيروس وماتيو دوكي ضمن هذه الشبكة، التي اعتمدت على هياكل تجارية عابرة للحدود لتنظيم عمليات التجنيد والدعم اللوجستي.

وثقت تقارير الأمم المتحدة مشاركة المقاتلين الكولومبيين في معارك الخرطوم وكردفان ودارفور، حيث قدموا للدعم السريع خبرات تكتيكية وتقنية

ووثقت تقارير الأمم المتحدة مشاركة هؤلاء المقاتلين الكولومبيين في معارك الخرطوم وكردفان ودارفور، حيث قدموا للدعم السريع خبرات تكتيكية وتقنية، وعملوا كجنود مشاة وطياري مسيرات ومدربين.

وتشير تقارير أممية وتحقيقات دولية صدرت في أبريل 2026 إلى أن ليبيا تمثل أحد أهم الممرات اللوجستية لعمليات نقل مقاتلين أجانب، بينهم كولومبيون، إلى السودان لدعم قوات الدعم السريع. وتوضح هذه التقارير أن عمليات النقل تمت عبر شبكات محلية في جنوب ليبيا، التي وفّرت تسهيلات لوجستية شملت الحركة عبر الحدود، ضمن منظومة كبيرة لتدفقات المقاتلين والسلاح في الإقليم.

غير أن العقوبات، مهما بلغت درجتها، تواجه سقفًا واضحًا؛ فالجهة التي تضمن فاعلية هذه الإجراءات هي الإمارات، حيث يتمركز القوني وشركته، وتمر عبرها شبكات التسليح، وهي ذاتها التي لم تُوجَّه إليها أي اتهامات رسمية حتى اليوم.

الإمارات: الغائب الحاضر

ثمة خيط يجمع القوني والكولومبيين وشبكات التسليح التابعة للدعم السريع، وهو الإمارات؛ فالقوني يدير شركته من دبي ويحمل هوية إماراتية، وقائد شبكة التجنيد كويخانو يقيم في أبوظبي، كما أن هناك عددًا ضخمًا من الرحلات الجوية بين قواعد أبوظبي العسكرية ومطارات في المنطقة. ومع ذلك، لم يرد اسم أبوظبي في قرار العقوبات. وخلص محللون إلى أن إغفال القرار للجهات الموفّرة للسلاح والمنافذ الحدودية في دول الجوار قد يُفرغه من محتواه التنفيذي.

وفي قراءة أوسع للمشهد الإقليمي، يرى ياسر الفضل، المراقب المهتم بالشؤون السياسية والعسكرية، في إفادة لـ"الترا سودان"، أن العقوبات الجديدة لن تُحدث فارقًا يُذكر على أرض الواقع. ويقول: "القوني أصلًا مشمول بعقوبات سابقة، والدعم السريع لم يتوقف". ويذهب إلى أبعد من ذلك في قراءته للمشهد الإقليمي، إذ يرى أن السودان داخل على مرحلة أشد صعوبة مما مضى.

ياسر الفضل لـ"الترا سودان": الخلاف السعودي-الإماراتي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره توترًا مؤقتًا قابلًا للاحتواء، بات خلافًا هيكليًا راسخًا

ويُرجع الفضل ذلك إلى تحول في البنية الخليجية نفسها؛ فالخلاف السعودي-الإماراتي، الذي كان يُنظر إليه باعتباره توترًا مؤقتًا قابلًا للاحتواء، بات في تقديره خلافًا هيكليًا راسخًا. ويستشهد بخروج الإمارات من منظومة أوبك و"أوبك+" بوصفه مؤشرًا على تنافس اقتصادي عميق بين البلدين، قد يمتد ليطال الجامعة العربية والمنظمات الإقليمية الأخرى. وفي هذا السياق، يتوقع الفضل أن تُصعد الإمارات دعمها للدعم السريع بدلًا من تخفيفه، قائلًا إن "الأوضاع ماضية نحو الأسوأ".

ومن جهته، يرى المحامي السوداني عبد الباسط الحاج، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن غياب الإشارة إلى الإمارات في قرار مجلس الأمن كان سياسيًا في جوهره، أكثر من كونه قانونيًا. ويقول إن "القرارات الدولية الصادرة عن مجلس الأمن تحتاج إلى تعاون دولي كبير لتنفيذها، وهو المحك الرئيسي لمؤسسات الأمم المتحدة وأجهزتها، حيث تتضارب بعض القرارات مع مصالح بعض الدول، فتقدّم هذه الدول مصالحها على قرارات الأمم المتحدة". ويضيف أن "العالم أجمع يعلم بضلوع الإمارات بشكل مباشر في تمويل مليشيا الدعم السريع، وتوفير خط إمداد لوجستي مستدام طوال فترة الحرب عبر دول الجوار، فضلًا عن تسهيلها وصول المرتزقة الكولومبيين واستئجارهم لتقديم خدمات عسكرية فنية دقيقة لمساعدة الدعم السريع على السيطرة على الفاشر".

ويوضح الحاج أن للإمارات التزامات قانونية واضحة، قائلًا: "عليها تجميد أصول الشركات التي تمتلكها عائلة دقلو، والالتزام بقرار حظر توريد الأسلحة". غير أنه يستدرك بأن "المجتمع الدولي نفسه يعمل بمعايير مزدوجة؛ لا يرغب أو لا يستطيع إلزام الإمارات بإيقاف دعمها للدعم السريع، رغم التقارير الواضحة بذلك".

عبد الباسط الحاج لـ"الترا سودان": إن السودان والمواطنين السودانيين لهم الحق في إقامة دعاوى قضائية في مواجهة الشركات المسؤولة عن توريد المرتزقة

أمام هذه المعايير المزدوجة، يؤكد المحامي الحاج أن الباب القانوني ليس موصدًا تمامًا. يقول "إن السودان والمواطنين السودانيين لهم الحق في إقامة دعاوى قضائية في مواجهة الشركات المسؤولة عن توريد المرتزقة". ويذهب أبعد من ذلك ليؤكد أن "للسودان الحق القانوني في فتح دعوى ضد الإمارات أمام محكمة العدل الدولية متى رغب في ذلك، بحيثيات جديدة لا كسابقتها؛ لأن الدعوى السابقة كانت نتيجتها القانونية حتمية".

هذا التمييز بين الدعوى السابقة والمحتملة مهم؛ لأن الدعوى الجديدة يمكن أن تُبنى على أدلة مستجدة، من تتبع الهواتف إلى وثائق التمويل إلى التقارير الأممية، مما يمنحها أرضية قانونية مختلفة تمامًا.

وفي النهاية، يبدو أن العقوبات الدولية على الأفراد والشبكات المرتبطة بالحرب في السودان تكشف جزءًا من منظومة أكبر، تتداخل فيها شبكات التمويل والتجنيد واللوجستيات عبر أكثر من دولة. لكن بقاء بعض الفاعلين خارج دائرة المساءلة المباشرة، واستمرار تدفق الدعم رغم الإجراءات الأممية، يضعنا أمام سؤال أكبر من مجرد العقوبات نفسها: هل تستطيع الأدوات الدولية الحالية أن تفكك فعلًا شبكات الحرب العابرة للحدود، أم أنها تظل تلاحق الواجهة بينما تبقى البنية الأساسية قائمة؟

الكلمات المفتاحية

آثار القصف في مدينة الأبيض

كم عدد الضحايا الذين سقطوا في أسبوع واحد.. ولماذا تتصاعد الغارات في كردفان؟

هل تحول إقليم كردفان إلى مجرد ساحة تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الفتاكة؟


مفاوضات أديس أبابا بشأن السودان

تعدد المنابر.. هل يقرب الحل للأزمة السودانية أم يعمق تعقيدها؟

أربع سنوات مضت على اندلاع حرب 15 أبريل 2023، ولا يزال ملايين السودانيين ينتظرون "حلًا". وفي المقابل، تتكاثر المنابر: جدة، جنيف، المنامة، وأخيرًا أديس أبابا


ود النورة

عامان على مجزرة ود النورة.. ذاكرة جماعية مثقوبة بالموت والرصاص

كانت ليلة الخامس من يونيو قبل عامين النقطة الفاصلة بين تاريخ جديد سيُروى عبر الأجيال، وبين مأساة عاشها سكان قرية "ود النورة" بمحلية 24 القرشي جنوبي ولاية الجزيرة.


قوة من الدعم السريع

غرب بارا.. ماذا جرى في قرى دار حامد ولماذا تحولت وسائل التواصل إلى جزء من القصة؟

تعرضت قرى غرب بارا لهجمات مسلحة خلال الأيام الأخيرة من شهر مايو، وسط اتهامات مباشرة لقوات الدعم السريع بالوقوف وراء الهجمات

اعتقال - معتقلين - سجن.jpg
أخبار

محتجون يغلقون طرقات نيالا احتجاجًا على اختطاف ناطق باسم مكون قبلي

أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاق شوارع رئيسية وسط المدينة

شرطة الخرطوم 2_0.jpg
أخبار

لاحقتهم في "شمارات" بالخرطوم.. الشرطة تعلن عن عملية جديدة

تأتي الحملة في سياق إجراءات أمنية وإدارية تنفذها السلطات بولاية الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة


كأس العالم.jpg
منوعات

من يشجع السودانيون في كأس العالم؟

وفي بلد أثقلته الحرب وأرهقته الأزمات، يبقى المونديال مساحة نادرة يلتقي فيها السودانيون حول شغف واحد، حتى وإن اختلفت الأعلام التي يرفعونها.

فلومو
منوعات

قال: أعطوني يومين فقط.. كيف أوفى فلومو بوعده في القمة؟

بدت العبارة للكثيرين مجرد حماس لاعب يرفض الاستسلام، لكنها بالنسبة إليه كانت وعدًا قطعه على نفسه.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية.. هل يطوي التعليم العالي صفحة النزوح؟


2
مجتمع

هدوء على الأرض وتهديد من السماء.. ما الذي يحدث في مدينة الدلنج السودانية؟


3
مجتمع

حادثة بلفاست واللاجئون السودانيون.. كيف تتحول الجرائم الفردية إلى موجات عداء للمهاجرين؟


4
أخبار

التوقيت يقتل الحلم: هل يضطر السودانيون لمتابعة المونديال عبر الهاتف؟


5
أخبار

الصليب الأحمر ينعى مقتل متطوع سوداني في الأبيض.. ويطلق تحذيرًا