هل ما زال في السودان متسع للعقلاء؟
21 أكتوبر 2025
قبل أيام، اهتزت ولاية شمال كردفان على وقع حادثة مأساوية باغتيال الناظر سليمان جابر جمعة، زعيم قبيلة المجانين، إلى جانب واحد وعشرين من أعيان وشباب منطقته في المزروب بسقوط طائرة مسيرة. وتبادل على إثرها الاتهامات بين مجلس السيادة والدعم السريع وقوىً سياسية مختلفة. مع العلم أن الكارثة وقعت بعد أسابيع من توترات محلية واشتباكات محدودة بالمنطقة، ومثلت ضربةً موجعةً للإدارة الأهلية التي فقدت أحد أبرز رموزها وأكثرهم تأثيرًا في حفظ توازن العلاقات المحلية، وفتحت الباب واسعًا أمام محاولات لتوظيف المأساة سياسيًا في ظل حرب باتت تلتهم كل ما هو ثابت ومستقر في المجتمعات المحلية.
وجاءت الحادثة بعد أيام فقط من محاولة لتفجير مقر إمارة دار حمر في مدينة النهود بطائرة مسيرة أيضًا، الواقعة تحت سيطرة الدعم السريع، ما يعكس اتساع دائرة العنف ضد رموز الإدارة الأهلية في الإقليم. وتمثل هذه الأحداث إشارة خطيرة إلى استهداف ممنهج للبنى الاجتماعية التقليدية في كردفان، ومحاولة لملء فراغ السلطة بوسائل القوة المسلحة والخطاب القبلي.
الوضع في شمال كردفان يختلف جوهريًا عن الوضع في الخرطوم أو الجزيرة أو سنار، ويجب التعامل معه على هذا الأساس
إضافةً إلى ذلك، أعادت إلى الواجهة مسألة حساسة تتعلق بكيفية النظر إلى المجتمعات المحلية في شمال كردفان، وموقفها من الحرب الدائرة في السودان. وسط السجال السياسي والإعلامي، وتكرار محاولات وصم أو تصنيف هذه المجتمعات وقياداتها الأهلية بأنها "خائنة" أو "متعاونة" مع طرف دون آخر، وهو أمر لا يستقيم لا من ناحية الواقع ولا من ناحية المنطق.
الوضع في شمال كردفان يختلف جوهريًا عن الوضع في الخرطوم أو الجزيرة أو سنار، ويجب التعامل معه على هذا الأساس. فالإقليم لم يكن جزءًا من حالة الاستقطاب العنيف التي شطرت المجتمع السوداني إلى "معسكرين". طيلة الشهور الماضية، لم تظهر قبائل شمال كردفان، بما في ذلك مناطق بادية "دار الريح"، انحيازًا واضحًا لأي طرف عسكري، وتعاملت مع الحرب ككارثة عامة، مع الأخذ في الاعتبار الحذر في التعامل مع الأحداث، إذ تدرك أن أي اصطفاف متسرع قد يفتح بابًا لصراع قبلي واسع يصعب احتواؤه.
في المقابل، تحاول الأطراف العسكرية المتحاربة جر هذه المجتمعات إلى خنادقها والاصطفاف معها. فالدعم السريع، بحكم الجغرافيا وتشابك الانتماءات القبلية، يسعى لاستمالة بعض القبائل العربية في شمال كردفان، انطلاقًا من فكرة أن هذه المنطقة "تخصه" وأنها امتداد طبيعي له و"للقضية"، وهو خطاب يقوم على استثمار مفهوم "الهامش" مقابل "المركز" أو "المهمشين" مقابل "الجلابة"، ويقدم الحرب على أنها ثأر تاريخي ضد دولة 1956 التي همشت الأقاليم في غرب السودان لصالح مركز "شمالي نيلي". وبذلك يحاول أن يضع مجتمعات شمال كردفان في خانة المؤيدين له باعتبارها جزءًا من الهامش الثائر.
في الجهة الأخرى، هناك خطاب من معسكر "الدولة" والجيش ومؤيديه يقول إن الدعم السريع "ميليشيا متمردة" تحارب الدولة وتنهب الجميع بلا استثناء، وأن مجتمعات شمال كردفان نفسها كانت ضحيةً لانتهاكاتها في الأرواح والممتلكات، وبالتالي عليها أن تنحاز للجيش لتحرير مناطقها من قبضة الميليشيا. وبين هذين الخطابين، يجد الناس في شمال كردفان أنفسهم تحت ضغط نفسي ومعنوي هائل، ومطالبون باتخاذ موقف حاسم في حرب لم يختاروها أصلًا.
من الضروري معرفة أن الناس في شمال كردفان لا يملكون رفاهية الجدل السياسي نظرًا لوقوفهم على أرض محفوفة بالمخاطر، وأولوياتهم ليست الولاء أو العداء، إنما البقاء واستمرار الحياة
الحقيقة أن هذه المجتمعات ليست معنية بخوض الحرب أساسًا، ولا تملك "ميليشيات مسلحة" كما في غيرها من مناطق السودان. أهالي شمال كردفان يملكون الحق الكامل في اتخاذ ما يرونه مناسبًا لحماية حياتهم وخدماتهم وأمنهم المحلي. ولا يجوز لأحد أن يطالبهم بالانخراط في المعركة، ولا أن يصنفهم بناءً على درجة انحيازهم لهذا الطرف أو ذاك. ومن الخطأ الفادح زج المجتمعات في معارك الجيوش، تمامًا كما أنه خطأ فادح أن تقترب الجيوش أو الميليشيات من المدنيين وتستخدمهم دروعًا أو أدوات دعائية.
وبطبيعة الحال، هذا لا يعني تجاهل ما يجري على مستوى الحرب، أو عدم مساءلة أي طرف يرتكب تجاوزات، بل يعني أن المسؤولية تقع أولًا على عاتق القوى العسكرية المتحاربة نفسها. فالقوات المسلحة تستطيع أن تخوض الحرب وفق ما تراه مناسبًا دون إشراك القبائل، والدعم السريع ملزم أخلاقيًا وإنسانيًا بإبقاء المدنيين خارج حساباته -رغم أنه يفعل العكس- لأن إقحام المجتمعات المحلية في دائرة الحرب سينتج دمارًا طويل الأمد وتمزقًا اجتماعيًا يستحيل ترميمه بسهولة. فكل قبيلة أو إدارة أهلية تجر إلى ميدان الصراع المسلح تتحول تلقائيًا إلى هدف، ويصبح التعايش الذي ميز شمال كردفان عبر العقود مهددًا بالانهيار.
في الصدد، الجيش مؤسسة وطنية عمرها أكثر من قرن، ولديه القدرة على إدارة المعركة والصمود أمام محاولات تقويضه دون أن يضطر لإشراك القبائل كمحور للصراع، وهنا تكمن مسؤولية القوات المسلحة في حماية المدنيين وليس تحويلهم إلى أدوات حربية. وفي المقابل، يمتلك أهل المناطق الحق الكامل في الدفاع عن أنفسهم أو الانخراط تحت راية الدولة إذا اختاروا ذلك طوعيًا؛ فلا يملك أحد أن ينتزع من مجتمع حقه في أن يقرر كيف يحمي وجوده، واحترام خيارات المجتمعات (أيًا كانت) شرط عملي لمنع تفجير علاقات محلية سيدفع الجميع ثمنها لاحقًا.
ومن الضروري معرفة أن الناس في شمال كردفان لا يملكون رفاهية الجدل السياسي نظرًا لوقوفهم على أرض محفوفة بالمخاطر، وأولوياتهم ليست الولاء أو العداء، إنما البقاء واستمرار الحياة. فحين يتخذ زعيم قبيلة أو إدارة أهلية قرارًا يهدف إلى حفظ الأمن المحلي أو منع نزوح جماعي أو حماية الموارد، لا يعني أنه "تحالف" مع جهة ما، بل يعني ببساطة أنه يتصرف وفق منطق البقاء، وأي محاولة لشيطنة هذه الخيارات ظلم أخلاقي وخطأ في الفهم.
يجب التحلي بالواقعية في التعامل مع شمال كردفان والاعتراف بأن المجتمعات المحلية تعرف حدودها وقدرتها على الصمود
لذلك، يجب التحلي بالواقعية في التعامل مع شمال كردفان والاعتراف بأن المجتمعات المحلية تعرف حدودها وقدرتها على الصمود؛ فما يعتبره البعض حيادًا أو موقفًا هشًا هو في الحقيقة ممارسة عملية للحفاظ على الحياة. تلك المجتمعات تعلم أن أي تصنيف مغلوط قد يؤدي إلى نتائج خطيرة، ويجب أن تترك حرية اتخاذ القرار ضمن نطاق ما يحقق السلامة للبشر والممتلكات.
ختامًا، على الذين يحملون "ثيرموميتر" الوطنية أن يكفوا عن توزيع الصكوك، وإذا كان للسودان أن يتعافى فعليه أن يبدأ باحترام خصوصيات مجتمعاته المحلية وحقها في الحياد والنجاة. فاحترام هذا الحياد لا ينتقص من قيمة الدولة ولا يحقق الكسب "للميليشيا"، بل على العكس تمامًا، فهو يحافظ على ما تبقى من النسيج الاجتماعي للسودانيين ويجنبهم مآلات التفكيك. أما الزج بالقبائل والمجتمعات في صراعات عسكرية فذلك لن يجلب إلا فوضىً طويلة المدى سيدفع الجميع ثمنها.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

كيف أثَّرت وسائل التواصل في تشكيل الصورة الذهنية لدى الشباب عن حرب السودان
لم تعد الحروب في هذا العصر تحدث في أرض الواقع فقط كما في السابق؛ بل باتت الشبكة العنكبوتية ساحة مهمة من ساحات الصراع لتشكيل الصور الذهنية للحرب،

السودان في مخيلة دونالد ترمب: صورة مشوشة أم انعكاس لواقع مأزوم؟
بدا البعض متفاجئًا ومستاء من الصورة التي قدمها الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن السودان في خطابه الأخير الذي أعلن فيه تبني قضية "السلام في السودان"، بعدما التقى ولي العهد السعودي محمد بن سلمان.

وماذا عن دقلو؟
أثارت ردة فعل المهندس خالد عمر يوسف في لقائه بإحدى القنوات التلفزيونية عند سؤاله و"ماذا عن دقلو؟" عقب حديثه عن وزير المالية جبريل ابراهيم - أثارت ردات فعل عديدة، ساخرة من تلجلجه في الإجابة، وإصداره لأصوات غير مفهومة قبل أن يتمالك نفسه، ليجيب أخيرًا بصوت مفهوم وواضح.

حملات واسعة لإزالة المخالفات بوسط الخرطوم تمهيدًا لعودة النشاط التجاري
أطلقت محلية الخرطوم، اليوم الجمعة، حملة موسعة لإزالة المخالفات وتنظيم الأسواق في قلب العاصمة، شملت شارع عبد المنعم قرب صينية القندول وشارع الحرية وموقف "جاكسون" للمواصلات، في إطار خطة لإعادة ترتيب وسط الخرطوم وتهيئته لعودة النشاط التجاري والخدمي.

مقتل شخصين وإصابة آخرين في استهداف طائرة مسيّرة لحي طيبة في الأبيض
استهدفت طائرة مسيّرة اليوم الجمعة 12 كانون الأول/ديسمبر 2025، حي طيبة جنوب شرقي مدينة الأبيض، حاضرة ولاية شمال كردفان، مما أسفر عن مقتل شخصين وإصابة آخرين.

هجوم بطائرة مسيرة على كوستي يسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش
استهدفت طائرة مسيرة صباح اليوم الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، مدينة كوستي بولاية النيل الأبيض جنوبي السودان، مما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من عناصر الجيش.

طقس السودان.. أجواء باردة شمالي البلاد وأمطار خفيفة بالبحر الأحمر
أصدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية، صباح الخميس 11 كانون الأول/ديسمبر 2025، توقعاتها لحالة الطقس حتى السبت 13 كانون الأول/ديسمبر، مشيرةً إلى استمرار تأثير الموجة الهوائية الباردة على مختلف أنحاء البلاد، ما يؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة وتفاوت الأجواء بين الباردة وشديدة البرودة شمالًا، والمعتدلة نهارًا في بقية المناطق، مع فرص لهطول أمطار خفيفة إلى متوسطة على أجزاء من ساحل البحر الأحمر.

