هل تفوقت المسيرات التركية على الدفاعات الصينية في كردفان؟
18 فبراير 2026
خلال خمسة أيام فقط، أعلن الجيش السوداني تدمير منظومتي دفاع جوي تابعتين للدعم السريع في إقليم كردفان، ونشر عبر منصاته الرسمية مقاطع مصورة توثق لحظة الاستهداف. المنظومتان هما FK-2000 وFB-10، وهما من أنظمة الدفاع الجوي المتحركة المصممة لاعتراض الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة.
يمثل الحدث في ظاهره ضربة ميدانية ضمن حرب مستمرة منذ منتصف أبريل 2023، لكنه في جوهره يتجاوز حدود الاشتباك التكتيكي إلى كونه مواجهة مباشرة بين مسيرات تركية متقدمة ومنظومات دفاع جوي صينية، في ساحة قتال مفتوحة وموثقة بالصوت والصورة. وهو ما يفرض سؤالًا عما اذا كان الاستهداف مجرد تفوق استخباراتي في معركة محددة، أم مؤشرًا على تحوّل أوسع في معادلة السيطرة الجوية؟ كما يفتح الباب أمام أسئلة أكبر تتعلق بمسار السلاح، وفعاليته، وسمعته، وطبيعة الصراع نفسه.
ياسر الفضل: "تدمير المنظومتين لم يكن ضربة عابرة، بل نتيجة تخطيط استمر قرابة أسبوع، تخلله رصد دقيق وتشويش إلكتروني أعطى المسيّرة نافذة زمنية حاسمة لتنفيذ الضربة"
كيف وصلت منظومات دفاع جوي صينية إلى الدعم السريع؟
تُعتبر منظومات مثل FK-2000 وFB-10 أنظمة عسكرية معقدة نسبيًا، تجمع بين صواريخ موجهة ورادارات ومنظومات قيادة وسيطرة، وتحتاج إلى تدريب فني وتشغيلي متخصص. وهي في الأصل مصممة للاستخدام ضمن جيوش نظامية تعمل وفق عقيدة دفاع جوي متكاملة.
وتُعد منظومة FK-2000 من أنظمة الدفاع الجوي قصيرة إلى متوسطة المدى التي تطورها شركة China Aerospace Science and Industry Corporation (CASIC). وهي مصممة للعمل كنظام متحرك يجمع بين الصواريخ الموجهة والمدافع الرشاشة الثقيلة في منصة واحدة، وتُنصب عادة على هيكل بعجلات (8×8). تضم المنظومة رادار بحث وتتبع، و12 صاروخًا موجهًا لاعتراض الطائرات والمروحيات والطائرات المسيّرة وصواريخ كروز، بمدى يصل إلى نحو 20–25 كيلومترًا، إضافة إلى مدفعين آليين عيار 30 ملم للدفاع القريب.
أما منظومة FB-10، التي طورتها China Aerospace Science and Technology Corporation (CASC) عبر أكاديمية شنغهاي لتكنولوجيا الفضاء، فهي نظام صواريخ دفاع جوي قصير المدى يُعرف في الخدمة الصينية باسم HQ-13. تُثبت عادة على منصة 6×6 خفيفة، وتحمل ثمانية صواريخ موجهة بباحث مزدوج (راداري/أشعة تحت حمراء) لتعزيز مقاومة التشويش، مع مدى اشتباك يصل إلى نحو 10 كيلومترات (وتشير بعض النسخ المطورة إلى مدى أكبر)، وارتفاع يصل إلى قرابة خمسة كيلومترات.
وجود هذه الأنظمة لدى قوات الدعم السريع يفتح باب الأسئلة حول مسار وصولها: هل وصلت عبر دولة وسيطة في الإقليم؟ هل جاءت ضمن دعم عسكري غير معلن؟ أم انتقلت عبر شبكات لوجستية عابرة للحدود في ظل هشاشة الرقابة الإقليمية؟
تقارير أممية وحقوقية وصحفية سابقة أشارت إلى اتهامات بوجود دعم خارجي لقوات الدعم السريع من قبل الإمارات وعبر دول في جوار السودان، خصوصًا تشاد، وفي مجالات متعددة، بما في ذلك الأسلحة المتقدمة. وفي حال ثبوت أن منظومات دفاع جوي صينية وصلت إلى جهة غير نظامية، فإن ذلك يثير إشكاليات قانونية وسياسية تتعلق بضوابط تصدير السلاح، ومسؤولية الدول المصدّرة أو الوسيطة.
الأهم من ذلك أن تشغيل هذه الأنظمة يتطلب تدريبًا متخصصًا وخبرة تقنية، فضلًا عن بنية لوجستية قادرة على صيانتها وتشغيلها في بيئة حرب مفتوحة، وأطقمًا مدربة على إدارة الرادار والتعامل مع الأهداف منخفضة البصمة، إلى جانب تكاملها مع منظومات إنذار مبكر.
رصد دقيق
بحسب المقاطع التي نشرها الجيش السوداني، تم استهداف المنظومتين عبر مسيرات هجومية عالية الدقة. وتشير تقارير عسكرية إلى أن الطائرة المستخدمة كانت من طراز Bayraktar Akinci، وهي مسيرة قتالية استراتيجية طورتها شركة Baykar التركية.
وتعتمد هذه الفئة من المسيرات على تحليق طويل المدى، وأنظمة استشعار كهروبصرية متقدمة، إضافة إلى ذخائر موجهة بدقة عالية، ولديها القدرة على تنفيذ مهام قمع الدفاعات الجوية (SEAD/DEAD) وفق بيانات الشركة المصنعة.
في الحالتين الموثقتين في كردفان، يبدو أن الاستهداف جاء نتيجة رصد دقيق للموقع وتحديد للإحداثيات، ثم تنفيذ ضربة مباشرة أصابت المنظومة ذاتها. ويرى مراقبون أن ذلك يطرح عدة احتمالات تحليلية، من بينها أن المنظومة كانت تعمل منفردة دون مظلة دفاعية متعددة الطبقات، أو أن هناك قصورًا في الرصد المبكر للمسيرة المهاجمة، أو أن تكتيك المسيرات اعتمد على الطيران "خارج مدى الكشف الفعال" ثم الهجوم من زاوية يصعب اعتراضها.
في هذا السياق، وبحسب إفادة المراقب المهتم بالشؤون العسكرية ياسر الفضل لـ"الترا سودان"، فإن "عملية تدمير المنظومتين لم تكن ضربة عابرة بقدر ما كانت نتاج تخطيط استمر قرابة أسبوع، تخلله رصد دقيق وتحضير تقني لاستهداف نقاط الضعف". ويشير الفضل إلى أن ما سبق الضربة كان عملية تشويش إلكتروني أدت إلى "إعماء" المنظومة، أي تعطيل قدرتها على الرصد أو تتبع الهدف، وهو ما أتاح للمسيّرة الهجومية الاقتراب ضمن نطاق الاشتباك دون أن تواجه برد فعل فعال. ووفق روايته، فإن تعطيل الرادار أو منظومة التتبع كان العامل الحاسم الذي فتح نافذة زمنية قصيرة استُغلت لتنفيذ الضربة بدقة.
ويضيف الفضل أن الذخيرة المستخدمة تُصنّف ضمن ما يُعرف بالصاروخ "التلفزيوني" الموجه، حيث يجري توجيهه بصريًا عبر وصلة بيانات، ويتحكم به المشغّل من خلال وحدة تحكم يدوية (Joystick)، ما يسمح بتصحيح المسار لحظة بلحظة حتى إصابة الهدف. هذا النمط من التوجيه يمنح مرونة عالية في التعامل مع الأهداف الثابتة أو شبه الثابتة، خصوصًا إذا كانت منظومة الدفاع قد فقدت قدرتها على الاكتشاف أو التشويش المضاد. وتبعًا لذلك، فإن نجاح الاستهداف – وفق هذا التفسير –يرتبط بقدرات المسيّرة، اضافة إلى تكامل عنصرَي "الحرب الإلكترونية" والذخيرة الموجهة ضمن عملية واحدة مخطط لها مسبقًا.
في هذا الصدد، يصبح التحدي الحقيقي للقوات المتقاتلة في حرب السودان الحالية هو مواجهة تهديد المسيرات التي تحلق على ارتفاعات متوسطة أو منخفضة، وتستخدم بصمات حرارية ورادارية محدودة، وتنفذ ضربات دقيقة من مسافات آمنة نسبيًا.
وهنا يرتبط النقاش بالعقيدة القتالية وإدارة المعركة: هل كان سقوط المنظومات نتيجة خلل في التصميم؟ أم فجوة في التشغيل؟ أم أن طبيعة الحرب نفسها تغيرت بحيث باتت المسيرات قادرة على فرض إيقاعها حتى على الدفاعات المصممة لاعتراضها؟
طريقة فنية
من جانبه، يرى الباحث في العلوم العسكرية والاستراتيجية محمد مصطفى في حديث لـ"الترا سودان" أن منظومة FB-10 ويشير إلى نسختها FB10A هي بالأساس منظومة صينية مخصصة للتصدير، موضحًا أن "الصين نفسها لا تعتمد عليها ضمن عمودها الفقري الدفاعي، بل صُممت لسوق التصدير".
ويضيف أن المنظومة تستهدف أساسًا حماية المتحركات من ضرب المسيرات والمروحيات، وأنها "منظومة وسط في القوة، ليست فائقة"، لافتًا إلى أن مداها يصل إلى نحو 20 كيلومترًا، بينما يبلغ مدى الصاروخ قرابة 10 كيلومترات، وتعد فعالة ضد المروحيات والمقاتلات التي تحلق على ارتفاعات منخفضة. ويؤكد أنها تعمل بمزيج من الرادار والأشعة تحت الحمراء، لكنه يرجح أنها استُهدفت بصاروخ MAM-T بمدى يصل إلى نحو 30 كيلومترًا، "أي من خارج مدى الرادار"، على حد تعبيره، معتبرًا أن FB10 ليست خطيرة بالمعنى الاستراتيجي.
في المقابل، يلفت مصطفى إلى أن "الأهم هو سحق منظومة FK-2000"، واصفًا استهدافها بأنه تطور لافت. وبحسب تحليله، فإن العملية جرت على مرحلتين: أولًا هجوم بمسيرات انتحارية أدى إلى إعطاب المنظومة وإخراجها من الخدمة مؤقتًا، رغم أنها تمكنت من اعتراض بعض تلك المسيرات، وهو ما ظهر – بحسب قوله – في حطام مسيرات انتحارية نشرها الجيش، إضافة إلى تضرر مستودع الصواريخ وإطارات المنظومة. وبعد إضعافها، تم قصفها بصاروخ موجه من طراز MAM-L عبر التوجيه التلفزيوني (TV)، بطريقة فنية، على حد وصفه، بخلاف استهداف FB10 الذي تم – وفق تقديره – بصاروخ موجه تقليدي.
رسائل سياسية
ويرى مصطفى أن نشر الجيش لمقاطع التدمير يحمل رسائل عسكرية تتجاوز البعد الدبلوماسي، من بينها رسالة إلى تشاد مفادها أن أي دعم عسكري يمكن تحييده ميدانيًا، وكذلك رسالة إلى الصين، معتبرًا أن بكين "تعلم أين يذهب سلاحها"، في إشارة إلى ما يصفه بدعم غير مباشر "للمليشيا"، ومشيرًا إلى أن الصين – بحسب قوله – لم تبع للجيش السوداني سلاحًا منذ عام 2019.
لذلك، يعكس ما حدث في كردفان التحول العميق الذي أحدثته المسيرات في الحروب الحديثة. فقد أصبحت الطائرات المسيرة منصات ضاربة قادرة على تنفيذ مهام قمع الدفاعات الجوية واستنزاف الخصم وفرض تفوق جوي منخفض التكلفة نسبيًا مقارنة بالطائرات المأهولة.
وفي المقابل، تجد أنظمة الدفاع الجوي قصيرة المدى نفسها أمام تهديدات متغيرة تتعلق بصغر حجم المسيرات وانخفاض بصمتها الرادارية، مع تحليقها لساعات قبل اختيار لحظة الضربة.
ولا تقتصر تداعيات الحدث على ساحة القتال في السودان فقط. ففي سوق السلاح العالمي تُراقب مثل هذه المواجهات بعناية، إذ يصبح الأداء القتالي مادة تحليل لدى الجيوش ومراكز الدراسات وشركات التسليح.
فسقوط منظومتين صينيتين خلال أيام في مواجهة مسيرات تركية قد يُقرأ لدى بعض المراقبين بوصفه مؤشرًا على تفوق تكتيكي للمسيرات، وقد يثير أيضًا بعض التساؤلات لدى بعض المشترين المحتملين على شاكلة هل الأنظمة القصيرة المدى كافية لمواجهة تهديد المسيرات الثقيلة؟ وهل تحتاج إلى تحديثات برمجية أو تكامل أكبر مع أنظمة مضادة للمسيرات؟ وإلى أي مدى يؤثر المستخدم النهائي في تقييم أداء السلاح؟
محمد مصطفى: "منظومة FB-10 ليست خطيرة بالمعنى الاستراتيجي، والأهم كان سحق FK-2000، إذ جرى استهدافها على مرحلتين بطريقة فنية مدروسة"
مع ذلك، لا يكفي هذا الحدث وحده للحكم على فعالية منظومة كاملة خارج سياقها التشغيلي، فالأداء القتالي يتأثر ببيئة المعركة، وطبيعة الانتشار، ومستوى التدريب، والدعم الفني. لكن تبقى الصورة التي تُبث من أرض المعركة عاملًا مؤثرًا في تشكيل الانطباعات.
وبالتأكيد أصبحت الحروب الحديثة مختبرًا مفتوحًا لسمعة الصناعات والتكنولوجيا العسكرية، وما يحدث في كردفان يُقرأ محليًا ويُراقب إقليميًا ودوليًا.
الكلمات المفتاحية
كم عدد الضحايا الذين سقطوا في أسبوع واحد.. ولماذا تتصاعد الغارات في كردفان؟
هل تحول إقليم كردفان إلى مجرد ساحة تُستخدم فيها كل أنواع الأسلحة الفتاكة؟
تعدد المنابر.. هل يقرب الحل للأزمة السودانية أم يعمق تعقيدها؟
أربع سنوات مضت على اندلاع حرب 15 أبريل 2023، ولا يزال ملايين السودانيين ينتظرون "حلًا". وفي المقابل، تتكاثر المنابر: جدة، جنيف، المنامة، وأخيرًا أديس أبابا
عامان على مجزرة ود النورة.. ذاكرة جماعية مثقوبة بالموت والرصاص
كانت ليلة الخامس من يونيو قبل عامين النقطة الفاصلة بين تاريخ جديد سيُروى عبر الأجيال، وبين مأساة عاشها سكان قرية "ود النورة" بمحلية 24 القرشي جنوبي ولاية الجزيرة.
محتجون يغلقون طرقات نيالا احتجاجًا على اختطاف ناطق باسم مكون قبلي
أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاق شوارع رئيسية وسط المدينة
لاحقتهم في "شمارات" بالخرطوم.. الشرطة تعلن عن عملية جديدة
تأتي الحملة في سياق إجراءات أمنية وإدارية تنفذها السلطات بولاية الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة
من يشجع السودانيون في كأس العالم؟
وفي بلد أثقلته الحرب وأرهقته الأزمات، يبقى المونديال مساحة نادرة يلتقي فيها السودانيون حول شغف واحد، حتى وإن اختلفت الأعلام التي يرفعونها.
قال: أعطوني يومين فقط.. كيف أوفى فلومو بوعده في القمة؟
بدت العبارة للكثيرين مجرد حماس لاعب يرفض الاستسلام، لكنها بالنسبة إليه كانت وعدًا قطعه على نفسه.