ultracheck
مجتمع

هدوء على الأرض وتهديد من السماء.. ما الذي يحدث في مدينة الدلنج السودانية؟

12 يونيو 2026
قصف
جوليوس الجيلي
جوليوس الجيلي صحفي من السودان

شهدت مدينة الدلنج ومحيطها منذ منتصف أبريل الماضي، تراجعًا نسبيًّا في وتيرة المعارك البرية المباشرة، مقارنة بالفترات التي شهدت محاولات متكررة للتقدم والسيطرة على المناطق المحيطة بالمدينة التي كانت تخوضها الدعم السريع وحليفها الجيش الشعبي ضمن ما يعرف بـ"تأسيس"؛ ففي مقابل هذا التراجع، برز نمط جديد من العمليات العسكرية، تمثل في تزايد الهجمات بالمسيرات والقصف عن بعد، الأمر الذي جعل المدنيين يواجهون تهديدًا يوميًّا حتى في الفترات التي تغيب فيها الاشتباكات على الأرض.

كيف تغيرت الأوضاع منذ مطلع العام؟

ومنذ مطلع العام، دارت معارك متفرقة في محيط التكمة وهبيلا والمناطق الواقعة شرق وغرب الدلنج، قبل أن تشهد الجبهات حالة من الجمود النسبي، مع استمرار تمركز القوات المتحاربة في مواقعها.

ففي أواخر يناير 2026، فُك الحصار جزئيًّا عن الدلنج وكادوقلي بعد المعارك التي شهدتها هبيلا، والتي أسهمت في فتح الطريق المؤدي إلى الدلنج. وبعد يومين، أدت معارك التقاطع وكيقا إلى فتح الطريق نحو كادوقلي، منهية حصارًا يعد من أطول فترات الحصار خلال الحرب الحالية في السودان، إذ استمر لنحو ثلاثين شهرًا.

تراجعت وتيرة المعارك البرية خلال الفترة الأخيرة، مع توجه قوات تأسيس غربًا من التكمة نحو منطقة فيو

وعاد الحصار إلى الدلنج مرة أخرى في مطلع مارس 2026، عقب سيطرة قوات الدعم السريع وحليفها الجيش الشعبي على منطقة التكمة شرق المدينة، الأمر الذي أدى إلى إغلاق الطريق الشرقي وتجدد العزلة على المدينة لفترة أخرى.

وفي منتصف أبريل الماضي، فُتح الطريق الشرقي مجددًا بعد سيطرة القوات المسلحة، ممثلة في اللواء 54 الدلنج، على منطقة التكمة. وأصبح الطريق يربط الدلنج بهبيلا، ومنها إلى كرتالا ثم شمال كردفان، الأمر الذي ساعد على استئناف حركة البضائع والمسافرين بصورة محدودة.

كما تراجعت وتيرة المعارك البرية خلال الفترة الأخيرة، مع توجه قوات تأسيس غربًا من التكمة نحو منطقة فيو، واستقرار خطوط التماس في عدد من المحاور المحيطة بالمدينة.

إلا أن هذا الهدوء النسبي على الأرض ترافق مع تصاعد ملحوظ في استخدام المسيرات التابعة لقوات الدعم السريع، والتي أصبحت تصل إلى الأحياء السكنية والطرق التي يستخدمها المواطنون في تنقلاتهم اليومية، مما أوجد نمطًا جديدًا من التهديدات الأمنية داخل المدينة ومحيطها.

تصاعد حرب المسيرات

وفي إفادة لـ "الترا سودان"، قال محمد عمر، وهو مواطن من حي المك وأحد الأشخاص الذين كانوا على مقربة من موقع استهداف عربة مدنية شمال الحي، إن "الجامبو" (عربة شحن) كانت تقوم بتحميل بعض الأغراض من داخل الأحياء تمهيدًا لنقلها إلى مدينة الرهد، وكان على متنها ركشتان.

وأضاف أن العربة كانت متوقفة أمام أحد المنازل بحي المك شمال لتحميل أغراض أخرى، قبل أن تتعرض لضربة مباشرة من مسيرة. وأشار عمر إلى أن الانفجار كان عنيفًا، وتصاعدت ألسنة اللهب من العربة خلال لحظات، موضحًا أن السائق ومساعده توفيا في الحال، بينما أصيب شخصان آخران.

المواطنون أصبحوا يتعاملون بحذر شديد أثناء التنقل بين القرى والمدينة، خاصة مع تزايد الهجمات الجوية

وأشار إلى أن المواطنين أصبحوا يتعاملون بحذر شديد أثناء التنقل بين القرى والمدينة، خاصة مع تزايد الهجمات الجوية، مضيفًا أن الخوف من المسيرات بات حاضرًا في الأسواق والطرق ووسائل النقل.

ويجدر بالذكر أن حوادث استهداف المركبات تكررت أكثر من ثلاث مرات منذ مارس الماضي، حيث استهدفت مسيرات تابعة للدعم السريع مركبات إغاثية في منطقة كرتالا، كما استهدفت في أبريل عربة لوري بعد فراغها من إنزال البضائع بسوق الدلنج، مما أدى حينها إلى مقتل السائق وشقيقته.

وبجانب استهداف المركبات داخل المدن وعلى الطرق، هناك نمط آخر من الاستهداف يتمثل في قصف الأسواق، وظل سوق الدلنج منذ مطلع العام أحد الأهداف المتكررة للمسيرات، ورغم أن بعض الهجمات كانت تستهدف مواقع عسكرية تتبع للواء 54، إلا أن السوق ظل ضمن أكثر المواقع تعرضًا للخطر.

وفي إفادة أخرى، قال سليمان هارون (اسم مستعار لصاحب دكان بسوق الدلنج) إن مسيرة استهدفت مساء الثلاثاء عددًا من المواطنين داخل المدينة، من بينهم أشخاص كانوا بالقرب من السوق.

وأضاف في حديثه لـ"الترا سودان" أن السكان كانوا يسمعون منذ ساعات الصباح صوت المسيرة وهي تحلق في الأجواء، الأمر الذي أثار حالة من القلق وسط المواطنين، قبل أن يقع الاستهداف في المساء، حوالي الساعة السادسة والنصف أو السابعة إلا ربعًا.

وأشار إلى أن الهجوم أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، من بينهم مواطنان وثلاثة جنود، كما أحدث حالة من الذعر وسط المواطنين والتجار الذين كانوا لا يزالون داخل السوق والمناطق المجاورة له وقت وقوع الانفجار.

قطاع صحي على حافة الانهيار

ومع تزايد الاستهداف بالمسيرات والقصف المتكرر، تواجه الدلنج أزمة أخرى تتعلق بقدرة القطاع الصحي على التعامل مع الإصابات؛ فالمرافق الصحية داخل المدينة تعاني من نقص حاد في الأدوية والمستهلكات الطبية، إلى جانب محدودية الإمكانيات اللازمة للتعامل مع الإصابات البالغة والحالات التي تحتاج إلى تدخلات جراحية متخصصة.

كما تعاني المدينة من نقص حاد في الكوادر الطبية وأدوية الطوارئ، وحتى أبسط المستلزمات الطبية مثل البنج؛ وازداد الوضع الصحي سوءًا بعد القصف المدفعي الذي تعرضت له المدينة في 18 ديسمبر 2025، حيث جرى استهداف مركز الأشعة بالمستشفى التعليمي، إلى جانب مباني التأمين الصحي.

قال مصدر طبي بالمستشفى التعليمي، طلب حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن عددًا من المصابين الذين يصلون إلى مستشفيات المدينة يجري تحويلهم إلى كادوقلي

ورغم أنه لا تزال المستشفيات الثلاثة العاملة في المدينة، وهي مستشفى الدلنج (المستشفى الكبير)، والمستشفى التعليمي، ومستشفى الأم بخيتة، بالإضافة إلى مستشفى التومات الذي يقدم خدمات محدودة بإمكانات شحيحة، تعمل جميعها في ظروف بالغة الصعوبة تنذر بانهيار القطاع الصحي في أي وقت.

وقال مصدر طبي بالمستشفى التعليمي، طلب حجب اسمه لدواعٍ أمنية، إن عددًا من المصابين الذين يصلون إلى مستشفيات المدينة يجري تحويلهم إلى كادوقلي أو إلى مستشفيات شرق الولاية، بحسب طبيعة الإصابة وتوفر الخدمات الطبية، الأمر الذي يضع المصابين أمام رحلة طويلة وشاقة في ظل أوضاع أمنية معقدة وطرق متضررة بسبب الحرب.

وفي إفادة لأحد أقارب المتوفى أبوبكر جمعة نواي، الذي توفي نهار اليوم الخميس 11 يونيو بمستشفى أبوجبيهة بعد نقله إليها من الدلنج إثر إصابته خلال القصف الذي شهدته المدينة الأسبوع الماضي، قال لـ"الترا سودان"، إن المصاب تلقى الإسعافات الأولية داخل المدينة قبل أن يُنقل إلى مستشفى أبوجبيهة لتلقي العلاج، وأضاف أن حالته الصحية تدهورت أثناء رحلة النقل، قبل أن يفارق الحياة داخل المستشفى متأثرًا بإصابته.

وفي هذا السياق، قال مدثر سعدان، عضو غرفة طوارئ الدلنج، إن مشكلة النقل الطبي أصبحت من أكبر التحديات التي تواجه المصابين، خاصة في الحالات التي تتطلب تدخلاً عاجلاً، مضيفًا أن طول المسافات وسوء الطرق يؤديان إلى فقدان كميات كبيرة من الدم أثناء الرحلة.

عضو غرفة طوارئ الدلنج لـ"الترا سودان": استمرار القصف وتزايد أعداد المصابين يتزامن مع تراجع الإمكانيات الطبية المتاحة

وأضاف لـ"الترا سودان" أن هذه الحوادث تكررت أكثر من مرة خلال الفترة الأخيرة، مستشهدًا بحادثة موظفة بوزارة التنمية الاجتماعية توفيت خلال الشهر الماضي بعد نقلها من الدلنج إلى كادوقلي لتلقي العلاج عقب تعرضها لإصابة خطيرة أثناء قصف نفذته مسيرة تابعة للدعم السريع استهدفت سوق الدلنج في 13 مايو الماضي.

ويضيف سعدان أن استمرار القصف وتزايد أعداد المصابين يتزامن مع تراجع الإمكانيات الطبية المتاحة، الأمر الذي يضاعف الضغوط على المرافق الصحية ويجعل فرص الحصول على الرعاية الطبية المتخصصة أكثر صعوبة بالنسبة لسكان المدينة والمناطق المحيطة بها.

حرب المسيرات

وتأتي هذه التطورات في سياق التحولات العسكرية التي شهدتها محاور القتال بجنوب كردفان منذ مطلع العام، حيث تسعى قوات الدعم السريع وحليفها الجيش الشعبي إلى توسيع نطاق سيطرتهما على المحاور المؤدية إلى كادوقلي والدلنج، فيما تواصل القوات المسلحة متمثلة في اللواء 54 الدلنج والفرقة 14 بكادوقلي، عملياتها الدفاعية والهجومية في عدد من الجبهات، خاصة في الاتجاه الشرقي للدلنج.

برزت المسيرات كأحد أخطر أدوات الحرب في الإقليم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين

وفي ظل حالة الهدوء النسبي للعمليات البرية المباشرة، التي تشهدها بعض خطوط التماس، برزت المسيرات كأحد أخطر أدوات الحرب في الإقليم، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على حياة المدنيين، سواء عبر استهداف الأسواق ووسائل النقل أو من خلال زيادة الضغط على قطاع صحي يعاني أصلًا من أوضاع معقدة. وبينما تستمر الأطراف المتحاربة في إعادة ترتيب مواقعها وتحركاتها العسكرية، يجد سكان الدلنج أنفسهم في مواجهة تحديات يومية تتعلق بالأمن والتنقل والعلاج، وسط مخاوف من اتساع آثار الحرب على حياة المدنيين خلال الفترة المقبلة.

الكلمات المفتاحية

النهود.jpg

بين الخوف وغلاء المعيشة.. كيف يعيش سكان النهود؟

بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، يعيش السكان أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة


طفل مقاتل

تجنيد الأطفال في حرب السودان.. شهادات وإفادات تكشف حجم المأساة

من طفل يبحث عن الأمان إلى مقاتل في صفوف الحرب.. كيف سرقت المعارك طفولة آلاف السودانيين؟ شهادات تكشف لـ"الترا سودان" تفاصيل تجنيد الأطفال وآثاره النفسية والاجتماعية.


ثعبان

لماذا تزداد لدغات الثعابين والعقارب في الخريف؟ وما التصرف الصحيح؟

مع بداية موسم الخريف في السودان، تتجدد التحذيرات من تزايد حوادث لدغات الثعابين والعقارب، لا سيما في المناطق الزراعية والريفية ومراكز الإيواء التي فرضتها الحرب.


السودانيون العالقون في سرت الليبية

ليبيا.. لماذا تحولت بوابة سرت إلى مقبرة عابرة للعائدين السودانيين؟

تحولت رحلة العودة إلى أزمة إنسانية مفتوحة، بعدما بقي عشرات الأشخاص، بينهم أسر وأطفال، بلا مأوى أو خدمات أساسية

البرهان
أخبار

البرهان يزور دولة أفريقية ضمن مبادرة لتحقيق تسوية في السودان

صحف محلية تحدثت عن طرح الرئيس وساطة على البرهان لتحقيق تسوية سياسية في السودان

الساحة الخضراء في الخرطوم
أخبار

إدارة الساحة الخضراء تصدر توضيحًا بشأن منع فعالية تخص مجموعة عسكرية

أصدرت إدارة الساحة الخضراء بالخرطوم توضيحًا بشأن إلغاء برامج مجموعة عسكرية متحالفة مع الجيش


طبيبة - الصحة.jpg
أخبار

الصحة الاتحادية تطلق مشروعًا حيويًا لإنقاذ الحالات الحرجة في أقسام الطوارئ

أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن إطلاق مشروع تحت مسمى "حياة"، يهدف إلى إنقاذ الحالات الحرجة في أقسام الطوارئ

عالم عباس
أخبار

عالم عباس يستعيد الشعر والذاكرة السودانية في أمسية أدبية بمدينة مارسيليا

أحيا الشاعر السوداني عالم عباس محمد نور أمسية شعرية وأدبية بمدينة مارسيليا الفرنسية، استضافتها

الأكثر قراءة

1
أخبار

أوتشا: الكوليرا تواصل الانتشار في السودان وغرب كردفان الأكثر تضررًا


2
أخبار

وزراء خارجية مجموعة السبع يصدرون بيانًا حيال الوضع في السودان.. إليك التفاصيل


3
أخبار

الجنائية الدولية تسقط تهمًا بحق قائد عسكري سوداني ملاحق منذ سنوات


4
أخبار

لجنة أمن محلية الدبة: اشتباكات بالأسلحة بين شبكات تهريب المخدرات


5
أخبار

الحكومة تكشف كواليس تبرع كامل إدريس براتبه وتعلن تحريك إجراءات قانونية