هدنة حميدتي.. فرصة للسلام أم مناورة لكسب التعاطف الدولي؟
25 نوفمبر 2025
في تطورات متسارعة للأحداث في السودان، أعلن قائد قوات الدعم السريع، محمد حمدان دقلو الشهير بـ"حميدتي"، عن وقف الأعمال العدائية لثلاثة أشهر، وذلك هدف تعزيز حماية المدنيين وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، بحسب ما أفاد.
هذا الإعلان جاء غداة رفض واضح من قبل رئيس مجلس السيادة، قائد الجيش الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، لمقترح الهدنة من الرباعية الدولية، مما يزيد من تعقيد المشهد السياسي والعسكري في السودان.
يرى مراقبون أن حميدتي يسعى لتحقيق مكاسب ضد البرهان وإحراجه أمام المجتمع الدولي، لكنه يفشل في الاختبار سريعًا بعدم سيطرته على قواته
جاء خطاب حميدتي مساء الإثنين 24 تشرين الثاني/نوفمبر الحالي، بعد ساعات من خطاب البرهان، الذي اشترط فيه خروج قوات الدعم السريع من كردفان ودارفور وتجميعهم في معسكرات للحوار.
وطرحت الآلية الرباعية، المؤلفة من الولايات المتحدة والسعودية ومصر والإمارات، في 12 أيلول/سبتمبر الماضي، خارطة طريق لإنهاء النزاع في السودان، تنص على تأمين هدنة إنسانية يعقبها وقف إطلاق نار وعملية سياسية تفضي إلى حكم مدني.
وأكد دقلو في كلمته أنه سيلتزم "بمسار سياسي يشارك فيه الجميع ما عدا الحركة الإسلامية الإرهابية والإخوان المسلمين والمؤتمر الوطني، لأنهم يتحملون كل المأساة التي يعيشها شعبنا طيلة ثلاثة عقود"، على حد قوله.
مناورة سياسية
جاء رد الحكومة السودانية على لسان وزير الثقافة والإعلام والسياحة خالد الإعيسر، بقوله إن ما أعلنه قائد قوات الدعم السريع بشأن هدنة إنسانية لا يتجاوز كونه مناورة سياسية مكشوفة تتناقض بشكل صارخ مع الواقع المرير الذي ارتكبته قواته على الأرض، بحسب ما أفاد.
وأضاف في تصريح صحفي اليوم: "هذه الميليشيا التي تجردت من كل قيمة إنسانية حاصرت المدنيين العزّل، وجوعتهم، وقصفتهم بالطائرات المسيّرة في مدن عدة، وعلّقت بعضهم على الأشجار، ودفنت آخرين أحياء. وآخر تلك الجرائم المروعة ارتُكب في مدينتي الفاشر وبارا؛ لذا لا يمكن أخذ حديث قائدها عن هدنة لاعتبارات إنسانية على محمل الجد أو الصدق".
وأشار الإعيسر إلى أن تصريحات حميدتي ليست سوى محاولة جديدة لخداع المجتمع الدولي وتلميع صورة شوهتها الحقائق الدامغة بجرائم قواته وانتهاكاتها المستمرة.
وقال إنه على العالم ألا يسمح بأن يُستدرج إلى هذا "الخطاب المضلل"؛ فقد أثبتت التجارب السابقة - وفي مقدمتها هدن اتفاق جدة - أن الجيش السوداني التزم بما وقع عليه، بينما استغلت "الميليشيا" تلك الهدن لتمرير إمدادات مرتزقتها من السلاح والعتاد وتحقيق مكاسب عسكرية على حساب المدنيين، طبقًا لما ورد.
لم تمضِ سوى 24 ساعة على إعلان حميدتي الهدنة، حتى هاجمت قواته صباح اليوم الثلاثاء الفرقة 22 مشاة التابعة للجيش السوداني في مدينة بابنوسة بولاية غرب كردفان. ويرى مراقبون أن حميدتي يسعى لتحقيق مكاسب ضد البرهان وإحراجه أمام المجتمع الدولي، لكنه يفشل في الاختبار سريعًا بعدم سيطرته على قواته.
فك الحصار
من جهته، قال مصدر دبلوماسي لـ"الترا سودان" إن الحكومة السودانية لا تثق في تصريحات قائد الدعم السريع بشأن الهدنة، لأن هذه القوات سبق أن أخلّت بكل الهدن السابقة ولم تلتزم بكل المناشدات الدولية والقرارات التي أصدرتها الأمم المتحدة بشأن حصار الفاشر.
وأكد المصدر أن حميدتي، إذا أراد الدخول في مفاوضات، عليه سحب قواته من المناطق التي سيطر عليها وجمعها في معسكرات محددة للتفاوض.
وتساءل: "كيف يمكن أن تكون هناك هدنة إنسانية بينما الميليشيا تحاصر مدينتي كادوقلي والدلنج وتمنع وصول المساعدات الإنسانية وترتكب انتهاكات في إقليمي كردفان ودارفور؟"
وأكد المصدر أن الخارطة التي سلمها رئيس مجلس السيادة وقائد الجيش، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، للوساطة هي الحل الوحيد للأزمة السودانية.
وتابع: "السودان لن يتعامل مع الرباعية إذا لم يتم إبعاد الإمارات التي تدعم الدعم السريع وتقتل الشعب السوداني بالسلاح الذي تزوده به".
دعم الإمارات
وكان البرهان قال في كلمته الأحد، خلال اجتماع مع ضباط القوات المسلحة، إن "السودان يرى أن هذه الرباعية ليست مبرئة للذمة، خاصة أن كل العالم شهد بأن دولة الإمارات هي التي تدعم المتمردين ضد الدولة السودانية".
وتنفي دولة الإمارات الاتهامات الموجهة إليها بتسليح قوات الدعم السريع في السودان، التي تخوض حربًا ضد الجيش السوداني منذ منتصف نيسان/أبريل 2023.
محلل سياسي: لكي تنجح هذه الهدنة يجب أن يقوم الدعم السريع بفك الحصار عن مدن بابنوسة وكادقلي والدلنج، حتى تكون هناك مصداقية لهذه الخطوة
تعزيز الموقف التفاوضي
من جهته، يقول أستاذ العلاقات الدولية، عصمت عبد الرحمن، إن مبادرة الرباعية لحل الأزمة السودانية قد تكون فرصة لحميدتي لتعزيز موقفه التفاوضي، حيث يمكن أن يظهر نفسه كزعيم يبحث عن السلام والاستقرار.
وأشار إلى أن الرباعية الدولية تسعى لإعادة ضبط المشهد السوداني على نغمة هدنة مؤقتة تمتد بين ثلاثة وتسعة أشهر، تمهيدًا لمرحلة أوسع من الحوار.
وأوضح أن المبادرة واجهت تحديات، بما في ذلك رفض الجيش السوداني الانخراط في المفاوضات ورفضه للمبادرة، كما أبدت بعض القوى السياسية السودانية تحفظاتها عليها.
وأكد أن إقصاء الحركة الإسلامية والمؤتمر الوطني من الحوار لن يقود إلى حل المشكلة في السودان، خاصة وأنهم فاعلون في الحرب الحالية. ورأى أن الحل يكمن في مصالحة اجتماعية شاملة تمهد لحوار سوداني-سوداني شامل لا يستثني أحدًا.
والأسبوع الماضي، أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أثناء لقائه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان في واشنطن عزمه على إنهاء "الفظائع" الدائرة في السودان بناءً على طلب من ولي العهد السعودي.
ورحّبت قوات الدعم السريع والإمارات بإعلان الرئيس الأميركي، كما أكد البرهان استعداده للتعاون مع واشنطن والرياض لإنهاء الحرب.
تحسين الصورة
بدوره يقول الباحث والمختص في الشؤون الأفريقية دكتور محمد تورشين إن الهدنة التي أطلقها قائد الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" تهدف إلى محاولة تحسين صورته من الجرائم التي ارتكبتها قواته.
وأضاف أن حميدتي يسعى لإرسال رسالة إلى المجتمع الدولي بأنه قابل للتعامل والاستجابة لما تم الاتفاق عليه دوليًا أو رباعيًا، بحثًا عن شرعية مفقودة، سواء من خلال الاعتراف به عبر سياسة الأمر الواقع.
باحث في الشؤون الأفريقية: على أرض الواقع، لن تحقق هذه الهدنة استقرارًا ولن تستمر لأي مرحلة من المراحل، لأن حميدتي لا يسيطر على قواته بشكل كامل
وتابع: "لكن على أرض الواقع، لن تحقق هذه الهدنة استقرارًا ولن تستمر لأي مرحلة من المراحل، لأن حميدتي لا يسيطر على قواته بشكل كامل. وإذا نظرنا إلى الهدن والمواثيق السابقة، نجد أنها خُرقت، مما يثير الشكوك حول جدوى هذه الخطوة".
وفي المقابل، يرى الصحفي والمحلل السياسي طاهر المعتصم أن إعلان قائد الدعم السريع الهدنة لثلاثة أشهر يعكس استجابة للنداءات الدولية، خاصة من الرباعية: "الولايات المتحدة الأميركية، والمملكة العربية السعودية، والإمارات العربية المتحدة، والمملكة المتحدة".
وقال المعتصم لـ"الترا سودان": "لكي تنجح هذه الهدنة، يجب أن يقوم الدعم السريع بفك الحصار عن مدن بابنوسة وكادقلي والدلنج، حتى تكون هناك مصداقية لهذه الخطوة".
وتابع: "كان بإمكانهم أن يعلنوا عن فك الحصار على المدن المحاصرة، لأن المدنيين في تلك المناطق هم المتضرر الأكبر".
واستدرك قائلًا: "هذه الخطوة تستحق الدراسة، وقد تكون محاولة من الدعم السريع لإيجاد موطئ قدم بعد الإدانات المتواصلة التي تلقاها عقب سقوط الفاشر في 26 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، والانتهاكات والفظائع التي رافقت ذلك".
وأدّت الحرب المستمرة في السودان منذ أكثر من عامين إلى مقتل عشرات الآلاف ونزوح نحو 12 مليون شخص، وتسببت في أزمة جوع حادّة تهدد ملايين المدنيين.
الكلمات المفتاحية
خطاب حميدتي.. مخرج سياسي أم تعميق للأزمة؟
ظهر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" في خطاب مصور جديد بثته منصات قواته خلال الأسبوع الأول من مايو 2026، وسط تصاعد الهجمات بالمسيّرات على الخرطوم وولايات أخرى
"العدوان المباشر".. تحول خطير في اتهامات السودان لأديس أبابا وأبوظبي
صعد السودان لهجته ضد كل من الإمارات وإثيوبيا هذا الأسبوع، متهمًا الدولتين بـ"العدوان المباشر" عبر هجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي وولايات كردفان والنيل الأزرق. الاتهامات الجديدة ليست معزولة، بل تمثل ذروة توتر متنام منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
الطائرات المسيرة.. هل تعيد أجواء الحرب مجددًا إلى وسط السودان؟
عاود النشاط المكثف للطيران المسير إلى وسط البلاد مرة أخرى خلال مطلع مايو الحالي، متطورًا إلى مرحلة اغتيال قادة ميدانيين على تحالف مع الجيش السوداني.
مسؤولة بالشمالية: الولاية استقبلت نحو 4 ملايين شخص ما بين عابر ونازح
أكدت رئيسة لجنة الطوارئ الإنسانية وأمينة الشؤون الاجتماعية بالولاية الشمالية، منال مكاوي، أن الولاية استقبلت نحو 4 ملايين شخص ما بين نازح وعابر ومستضاف، وذلك منذ نشوب الحرب في منتصف أبريل 2023 وحتى تاريخ اليوم.
162 سودانيًا يعودون من ليبيا ضمن برنامج العودة الطوعية
وصل 162 مواطنًا سودانيًا إلى مدينة بورتسودان، اليوم السبت، ضمن الفوج الثالث للعائدين من دولة ليبيا، في إطار برنامج العودة الطوعية للسودانيين.
الأرصاد السودانية: ارتفاع درجات الحرارة وأمطار متوقعة بعدة ولايات حتى الإثنين
أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية توقعاتها لحالة الطقس خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى استمرار الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة
السودان وجنوب السودان يؤكدان التزامهما بنزع السلاح في أبيي وإحياء الآليات الثنائية
أكدت حكومتا السودان وجنوب السودان التزامهما بتنفيذ خطوات لنزع السلاح في منطقة أبيي المتنازع عليها، إلى جانب إحياء الآليات الثنائية المشتركة بين البلدين.