هجليج تحت سيطرة الدعم السريع.. هل سيعود إنتاج النفط؟
10 ديسمبر 2025
في الثامن من كانون الأول/ديسمبر، تبدّل ميزان الحرب مرة أخرى بعد إعلان قوات الدعم السريع سيطرتها على منطقة هجليج النفطية بولاية غرب كردفان، أحد أهم المراكز الاستراتيجية في شبكة تدفّق نفط جنوب السودان عبر الأراضي السودانية إلى ميناء بورتسودان. هذا التطور فُهم فورًا كتحول يمس اقتصاد البلدين، لا مجرد تبدّل ميداني.
انسحب الجيش السوداني باتجاه الحدود الجنوبية، في خطوة فتحت الباب لأسئلة معقدة حول مستقبل الحقول وخطوط التصدير، والعلاقة بين الخرطوم وجوبا، والجهة التي تمتلك السلطة الفعلية على تشغيل هذا المرفق الحيوي.
محلل سياسي من جنوب السودان: جوبا لن تسمح لأي طرف سوداني بإدارة حقل هجليج في الوقت الراهن
غير أن السؤال الأكثر إلحاحًا الآن هو ما إذا كانت الحقول ستعود للعمل في المدى القريب. فهجليج ليست مجرد حقل نفطي، وإنما محطة معالجة مركزية لخام جنوب السودان قبل دخوله إلى منظومة الضخ والتصدير، ما يجعل أي محاولة لاستئناف التشغيل مرتبطة بسلسلة معقدة من الترتيبات الفنية والأمنية والسياسية بين الأطراف المتداخلة في المشهد.
اتفاق أكتوبر
وأعلنت الخرطوم وجوبا، تشرين الأول/أكتوبر الماضي توصلهما إلى اتفاق واسع يشمل ضبط الحركة الحدودية، وحماية حقول النفط ومحطات الضخ، وإنشاء لجنة اقتصادية مشتركة. وجاء الإعلان في ختام زيارة وزير خارجية جنوب السودان ماندي سيمايا إلى بورتسودان، حيث عقد سلسلة اجتماعات رفيعة مع رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان ونائبه مالك عقار ورئيس الوزراء كامل إدريس، إضافة إلى وزراء الداخلية والنفط ومدير المخابرات العامة.
وركّزت المباحثات — بحسب البيان المشترك آنذاك — على التحديات التي تواجه قطاع النفط، مع الاتفاق على تبادل الخبرات وزيادة الإنتاج وتعزيز حماية الحقول باعتبارها أولوية اقتصادية وأمنية مشتركة.
وبحسب تقارير صحفية، فقد أكملت قوات الجيش الشعبي بدولة جنوب السودان انتشارها في حقل هجليج عقب سيطرة الدعم السريع عليه، في أول تنفيذ فعلي لاتفاق التعاون النفطي والأمني الموقع بين البلدين في تشرين الأول/أكتوبر 2025.
في المقابل، أعلنت قوات الدعم السريع مقتل وإصابة العشرات من عناصرها ومن أفراد قوة الحماية التابعة لجيش جنوب السودان، في هجوم قالت إنه نُفّذ بطائرة مسيرة تابعة للجيش السوداني. ووصفت العملية بأنها استهداف مباشر لمواقعها ولمواقع القوة الأجنبية المكلفة بحماية المنشآت النفطية.
ووصف وزير الطاقة السوداني السابق جادين علي عبيد، سيطرة الدعم السريع على هجليج بأنها “كارثة” على السودان وضربة موجعة لجنوب السودان.
تطورات جنوبية
أكد المتحدث باسم القوات المسلحة لجنوب السودان، اللواء لول رواي، في تصريحات صحفية أن منشآت النفط داخل البلاد تعمل “بصورة طبيعية”، رغم سيطرة الدعم السريع على هجليج داخل السودان.
وأشار إلى أن الاشتباكات في جنوب كردفان “لم تتسلل إلى داخل أراضي جنوب السودان”، وأن الجيش يراقب الحدود ويواصل التنسيق مع السلطات السودانية لمنع أي تهديدات للقطاع.
وتأتي هذه الرسالة في سياق حساسية وضع هجليج باعتبارها نقطة معالجة رئيسية للخام القادم من الحقول الشمالية في جنوب السودان، ما يجعل أي اضطراب في محيطها مؤثرًا مباشرة في تدفقات التصدير.
وكشف نائب رئيس هيئة الأركان للتعبئة ونزع السلاح في جيش جنوب السودان، الجنرال جونسون أولوني، في تطور لافت، عن عبور مجموعة من جنود الجيش السوداني إلى داخل ولاية الوحدة عقب سقوط هجليج، حيث سلمت القوة عتادها كاملاً للجيش الجنوبي، بما في ذلك دبابات وناقلات جنود ومدافع مضادة للطيران وذخائر. وأوضح أولوني أن الجنود “آمنون وتحت حراسة الجيش” إلى حين توجيهات قيادتي البلدين.
وأشار أولوني إلى أن جيش جنوب السودان "لن ينحاز لأي طرف" في الحرب السودانية، لكنه أكد جاهزية قواته للتدخل في هجليج إذا طُلب ذلك رسميًا بين الرئيسين.
وتُمثل الحادثة واحدة من أبرز الانعكاسات المباشرة للحرب على أمن الحدود، في منطقة لطالما ظلت هشة ومفتوحة على احتمالات التصعيد.
ووفقًا لوسائل إعلام جنوبية، تفقد رئيس هيئة أركان جيش دولة جنوب السودان، الفريق أول "باول نانق مجوك"، حقل هجليج النفطي بولاية غرب كردفان.
ضغوط النفط
من جانبه، يرى الصحفي والمحلل السياسي من جنوب السودان، أتيم سايمون، في حديثه لـ"الترا سودان"، أن جوبا لن تسمح لأي من الجيش والدعم السريع بإدارة حقل هجليج في الوقت الراهن. وقال: "من الصعب أن تسمح سلطات جنوب السودان لأي من الأطراف بإدارة حقل هجليج، فالتعامل مع طرف دون الآخر سيخلق تعقيدات جديدة".
ويقع حقل هجليج في منطقة حدودية شديدة الحساسية بين البلدين، وظل لسنوات محور نزاع مباشر بين جوبا والخرطوم، خصوصًا خلال مواجهات 2012 حين سيطرت عليها قوات جنوب السودان قبل أن يستعيدها الجيش السوداني، وتعتبر جوبا أي تغيير في وضع الحقل مسألة مرتبطة بأمنها القومي.
ويضيف سايمون: "الأفضل ترك الأمر للشركات الصينية والشركات الأخرى، فهناك كوادر من جنوب السودان يمكنها إدارة المنشأة بكفاءة، خاصة وأن هجليج منطقة نزاع بين جوبا والخرطوم".
وفي السياق، أعلنت شركة النفط الوطنية الصينية (CNPC)، في 7 كانون الأول/ديسمبر، إنهاء استثماراتها في السودان بعد ثلاثة عقود بسبب التدهور الأمني. وسبقت ذلك انسحابات متكررة للعاملين في هجليج منذ هجوم بطائرة مسيرة في منتصف تشرين الثاني/نوفمبر أدى إلى سقوط قتلى وجرحى وسط الطواقم الفنية.
وبحسب تقارير صحفية، تمت خطوة انتقالية مشتركة لضمان حماية منشآت حقل هجليج واستمرار الضخ، شملت انسحاب طاقم شركة (2B OPCO) السودانية وتسلم طاقم شركة (GPOC) الجنوب سودانية مهام التشغيل.
ويعتقد سايمون أن التطورات الأخيرة ستقود إلى مفاوضات جديدة، قائلاً: "نعم، أتوقع أن تبدأ حوارات جديدة بعد سيطرة الدعم السريع على الحقل، وأتوقع أن تستأنف عملية حوار جاد تلعب فيها جوبا دور الوسيط".
كما توقع سايمون أن تطرح الأطراف مطالب جديدة، متوقعًا أن "تقدم حكومة تأسيس التي تهيمن عليها قوات الدعم السريع مطالب جديدة حول تقسيم العائدات".
وفي نيسان/أبريل 2023، مع اندلاع الحرب بين قوات الدعم السريع والجيش السوداني، أظهرت بيانات (S&P Global Commodities at Sea) أنه تم شحن 130,400 برميل يوميًا من الخام من ميناء بشائر في بورتسودان إلى كل من الإمارات وماليزيا.
في الوقت نفسه، كان حقل هجليج ينتج نحو 40 ألف برميل يوميًا ويعالج حوالي 130 ألف برميل يوميًا من الخام الجنوبي، وفقًا لبيانات حكومية. ويعد المنشأة الرئيسية لمعالجة نفط جنوب السودان قبل التصدير.
وأشار سايمون إلى تأثير الحرب على اقتصاد بلاده، قائلاً: "توقف إنتاج النفط منذ بداية الحرب أدى إلى هزات اقتصادية كبيرة في جوبا". وفي وقت سابق من هذا العام، ذكر فريق خبراء الأمم المتحدة أن صادرات جنوب السودان النفطية تراجعت بنسبة 70%.
وبرأيه، فإن جوبا قد تتجه لخيارات استراتيجية مختلفة، قائلًا: "أتوقع أن تفكر جوبا في إنشاء خط أنابيب بديل، مع التخلي تدريجيًا عن الاعتماد على السودان الذي سيواصل ممارسة ضغوط سياسية وعسكرية".
وتدرس جوبا منذ سنوات مقترحات لمدّ خط أنابيب بديل عبر كينيا أو إثيوبيا نحو المحيط الهندي، لكن التكلفة العالية والظروف الأمنية الإقليمية عطّلت المشروع. ومع توسع الحرب في السودان، يبدو هذا الخيار أكثر حضورًا في النقاش السياسي داخل جنوب السودان. ويخلص سايمون إلى أن جوبا لا تزال متمسكة بالحياد رغم الضغوط المتزايدة من أطراف داخلية وخارجية.
أثر سياسي
من جهته، يرى الباحث السياسي مصعب عيسى في إفادة لـ"الترا سودان" أن سيطرة قوات الدعم السريع على حقل هجليج تمثل تحوّلًا قد "يعيد تشكيل خارطة النفوذ الداخلية للطرفين"، مع تأثيرات تمتد إلى علاقات الخرطوم بجوبا بسبب الترابط النفطي بين البلدين.
ويضيف أن حكومة جنوب السودان تواجه وضعًا معقدًا: “جوبا في وضع حرج، فلا تستطيع دعم أي جهة تتبع للدعم السريع، وفي نفس الوقت عليها فعل شيء تجاه حكومة بورتسودان لضمان استمرار الحقل.”
ويؤكد أن أي تعطّل في تدفق النفط قد يفاقم التوترات داخل النظام السياسي الهش في جوبا، والمثقل بصراعات داخلية وصرف أمني كثيف يعتمد على العائدات النفطية.
باحث سياسي: الحقل قد يتحول إلى أداة ضغط مزدوجة على حكومة بورتسودان لإعادة التفاوض حول ترتيبات سياسية وعسكرية، وعلى جوبا للتفاوض حول رسوم العبور والحصص والضمانات
وبحسب تقارير إعلامية، تضم منطقة هجليج مرافق تخزين ضخمة بسعة تفوق 400 ألف برميل، بالإضافة إلى خطوط أنابيب تربط السودان بجنوب السودان وموانئ التصدير في بورتسودان.
بالنسبة للدعم السريع، تعتبر السيطرة على هجليج "فرصة لاستخدامها كورقة تفاوضية"، بحسب عيسى، إذ قد تعرض قوات حميدتي إعادة تشغيل الحقل مقابل مكاسب سياسية أو أمنية، في ظل تعثر المفاوضات مع الجيش السوداني.
ويضيف الباحث: “الحقل قد يتحول إلى أداة ضغط مزدوجة: على حكومة بورتسودان لإعادة التفاوض حول ترتيبات سياسية وعسكرية، وعلى جوبا للتفاوض حول رسوم العبور والحصص والضمانات، وربما للحصول على دعم إقليمي أو دولي.”
وتعد رسوم عبور النفط من المصادر المهمة للعملة الصعبة في السودان، بينما يعتمد اقتصاد جنوب السودان على عائدات النفط بنسبة تفوق 80%، ما يجعل أي توقف للإنتاج أزمة مزدوجة الأثر على كلا الطرفين.
لكن عيسى يحذر من هشاشة الوضع: “فسيطرة جهة مسلحة في بلد يعيش حربًا تجعل الإمداد النفطي هشًا، والدعم السريع قد يوقف الإنتاج كلما رغب كوسيلة ضغط، مما يجعل جنوب السودان رهينة لقرار غير مسؤول.”
وفي المحصلة، تجعل سيطرة الدعم السريع مستقبل إنتاج هجليج النفطي هشًا، وتضع الخرطوم وجوبا أمام تحديات معقدة لضمان استمرار تدفقات النفط واستقرار الاقتصادين، ما قد يدفع جميع الأطراف المعنية إلى مفاوضات سياسية وأمنية عاجلة لتجنب أزمة ممتدة.
الكلمات المفتاحية

كر وفر في دارفور وكردفان.. أسبوع دامٍ في حرب السودان وحركة نزوح
إلى جانب العمليات البرية، شهد الأسبوع الماضي تصاعدًا ملحوظًا في نشاط الطائرات المسيرة، التي باتت تمثل أداة فاعلة لتنفيذ ضربات خاطفة بأقل كلفة بشرية

حرب السودان.. المسيرات تنقل النزاع العسكري من جبهات القتال إلى الفضاء
ألقت حادثة الطائرة المسيّرة، التي أودت بحياة عشرات المدنيين والعسكريين إثر هجوم استهدف مقر الفرقة 17 مشاة بمدينة سنجة، بظلال كثيفة على المشهد الأمني في السودان.

عودة حرب المسيرات في السودان.. تفوق عسكري أم كارثة إنسانية؟
في ظل تصاعد الصراع في السودان، يظهر الطيران المسير كسلاح جديد يغير قواعد اللعب، لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل السلام والأمان في البلاد. إذ يبدو أن طرفي الصراع قد وجدا في هذه التكنولوجيا المتقدمة وسيلة لتحقيق أهدافهما العسكرية

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء
أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

