نوبل للسلام.. من يستحقها حقًا؟
12 أكتوبر 2025
لجنة نوبل للسلام قررت هذا العام أن تمارس لعبتها المفضلة، خلط السياسة بالأخلاق، والمصالح بالرموز. فالجائزة ذهبت إلى المعارضة الفنزويلية ماريا كورينا ماتشادو، وهي المرشحة الرئاسية السابقة ضد الرئيس نيكولاس مادورو في العام 2024 والمدعومة من واشنطن منذ سنوات، فهذا الاختيار ليس بريئًا، ولا إنسانيًا، ويمكن وصفه بانه رسالة سياسية موجهة إلى الداخل الأميركي أكثر مما هي للعالم، مفادها "لا تقلقوا، لم نعطِ الجائزة لترمب، لكننا أيضًا لم نغضبه".
هكذا، تكسب اللجنة رضا المؤسسات الأميركية، وتتجنب غضب رئيسٍ مهووس بالانتقام وبارد الأعصاب ونرجسي بشكل غير مسبوق مثل ترمب، ودون أن تقع في فضيحة منح الجائزة لرجل يفتعل الحروب ثم يدّعي أنه يطفئها، ويذكر انه أنهى 7 حروب بعضها غير موجود أساسًا في خطاب سياسي تضليلي على الرغم من جهوده في تهدئة بعض النزاعات.
"تختار لجنة نوبل أن تمنح جائزتها لامرأة مرتبطة بالمصالح الأميركية وتمنح الغطاء الأخلاقي لمشروع سياسي يخدم الإمبراطورية ذاتها التي تُشعل الحروب باسم الحرية وتتعامل مع بلدان الجنوب العالمي كالحديقة الخلفية لواشنطن"
وفي سياق منح جائزة نوبل للسلام لماريا فيحق لنا ان نتساءل، "ماذا فعلت ماريا كورينا ماتشادو فعلًا لتستحق جائزة "السلام"؟ الجواب: لا شيء يخص السلام، فماريا كورينا ماتشادو ليست رمز سلام، وإنما واجهة ناعمة لمشروع سياسي أميركي هدفه إسقاط نظام كاراكاس عبر الحصار والعقوبات. هي نفسها التي أيدت العقوبات الاقتصادية التي خنقت ملايين الفنزويليين وحرمتهم من الغذاء والدواء، ودعمت محاولات التدخل الخارجي لتغيير النظام بالقوة.
الى جانب ذلك، تطرح ماريا برنامجًا اقتصاديًا يقوم على خصخصة الموارد العامة، من النفط إلى الكهرباء، بما يفتح الباب أمام الشركات متعددة الجنسيات. وفي اللحظة التي ترسل فيها واشنطن قطعها البحرية الى البحر الكاريبي لتطويق فنزويلا، تختار لجنة نوبل أن تمنح جائزتها لامرأة مرتبطة بالمصالح الأميركية، وتمنح الغطاء الأخلاقي لمشروع سياسي يخدم الإمبراطورية ذاتها التي تُشعل الحروب باسم الحرية وتتعامل مع بلدان الجنوب العالمي كالحديقة الخلفية لواشنطن. أي مفارقة هذه؟
فهكذا تتحول الجائزة إلى أداة تبييض سياسي، تمنح شرعية لمعارضة مُختارة بعناية، وتعيد إنتاج الخطاب الغربي حول "الديكتاتوريات التي يجب إسقاطها"، متجاهلة أن الشعب نفسه هو أول ضحية للعقوبات وللحروب بالوكالة.
لكن التناقض الأكبر أن لجنة نوبل، وهي التي تزعم الدفاع عن "السلام العالمي"، لم تجد في العامين الماضيين سببًا واحدًا لتكريم أي من الأصوات التي كشفت أو قاومت الإبادة الجماعية في غزة. في وقت يمارس فيه الكيان المحتل مجازر موثقة ضد المدنيين، ويقصف المستشفيات والمدارس والمخيمات، تكتفي اللجنة بالصمت المريب، بل وتمنح جائزتها لماريا التي تقف ضمن محورٍ سياسي لا يخفي دعمه للاحتلال ومشاريعه في الشرق الأوسط. يا له من تناقض فاضح، ويا لها من "جائزة سلام" تتجاهل الدماء التي لم تجف بعد في غزة!
وإذا كانت لجنة نوبل تبحث حقًا عمن يستحق الجائزة، فكان الأولى أن تلتفت إلى السودان، حيث تقوم غرف الطوارئ السودانية بعمل هو أقرب إلى المعجزة. هذه المبادرة الشعبية وُلدت في ظروف بالغة التعقيد حين غابت الدولة وتلاشت مؤسساتها، فاجتمع شباب وشابات السودان، أطباء ومهندسون ومعلمون ومتطوعون ليبنوا نظام موازي للحياة، يحفظ كرامة السودانيين.
فغرف الطوارئ تعتمد أساسا في تمويلها على تبرعات السودانيين أنفسهم عبر التطبيقات البنكية، اضافة الى استقلاليتها التامة عن الجهات السياسية وبنيتها التطوعية، فهي حركة إنسانية حقيقية تنقذ الأرواح يوميًا رغم القصف والجوع وانقطاع الدواء.
ففي تشرين الأول/أكتوبر 2025، فازت بجائزة "رايت ليفليهود" المعروفة عالميًا باسم "نوبل البديلة"، تقديرًا لجهودها في "تنظيم المجتمعات المحلية وتقديم المساعدات الطبية والغذائية والتعليمية في مناطق النزاع، حيث انهارت مؤسسات الدولة وعجزت المنظمات الدولية عن الوصول". وفي الشهر نفسه، حصدت أيضًا جائزة "رافتو" لحقوق الإنسان لعام 2025، التي تمنحها مؤسسة "رافتو" النرويجية تقديرًا "لشجاعتها في حماية الحق في الحياة وسط حرب تدمّر البلاد".
ولم يتوقف التكريم عند ذلك؛ ففي يونيو 2025، منحت بعثة الاتحاد الأوروبي في السودان جائزة حقوق الإنسان السنوية لغرف الطوارئ، إشادةً بدورها الريادي في الدفاع عن الكرامة الإنسانية، وتوفير الخدمات الأساسية في ظل ظروف وصفتها البعثة بأنها "الأسوأ إنسانيًا في العالم". كما أدرج "معهد أبحاث السلام في أوسلو" اسم غرف الطوارئ ضمن قائمة الترشيحات المحتملة لجائزة نوبل للسلام لعامين متتاليين، في إشارة رمزية إلى "مكانتها كإحدى أبرز المبادرات المدنية التي أنقذت أرواح مئات الآلاف في ظل حرب طاحنة".
فلو كانت الجائزة ذهبت إلى غرف الطوارئ السودانية، لسلّطت الضوء على الحرب المنسية التي خلّفت “أكبر أزمة إنسانية في العالم” اليوم، أكثر من 11 مليون نازح، و130 ألف قتيل، و17 مليون طفل حُرموا من التعليم. كان العالم سيضطر للنظر نحو السودان، لا بوصفه خبرًا عابرًا، بل كجرحٍ مفتوح في ضمير الإنسانية. لكن لجنة نوبل اختارت أن تغمض عينيها، وتمنح جائزتها لامرأة لم تفعل سوى ترديد خطاب واشنطن.
وهكذا، تتحول جائزة نوبل للسلام مرة أخرى إلى أداة سياسية، تُستعمل لتبييض وجه "الإمبريالية الاستعمارية" بدلًا من تكريم من يصنعون السلام فعلاً. من غزة إلى السودان، ومن كراكاس إلى أوسلو، يتضح أن العالم لا يكافئ من ينقذ الأرواح. ويا للمفارقة أن الجائزة تُمنح باسم "السلام" بينما تُساق الشعوب إلى المذابح بصمتٍ دولي، وتُكافأ أدوات الحرب على أنها رموز للحرية!
فجائزة نوبل للسلام كانت يومًا حلمًا نبيلًا، لكنها اليوم أصبحت جائزة سياسية، تمنح الغطاء الأخلاقي للسياسات الإمبراطورية الغربية، وتجمّل وجه الحروب الأميركية. لكل ذلك، يصبح من حقنا أن نسأل، هل ما يزال للسلام معنى في قاموس هذا العالم؟ أم أن العالم لا يعترف إلا بمنطق القوة؟
فمنح جائزة نوبل لا يجب أن يُطفئ دور الصحافة والنقاش العامّ. صحيح أنه يمكن الاحتفاء بمقاومة الظلم، لكن النقد الواعي لبناء بديل ديمقراطي ومستدام هو الواجب، لتكون الحرية حقيقية يجب أن تُبنى على قواعد داخلية لتجنب فقدانها في تبعية لجهات خارجية أو على حساب الفئات الأضعف. إذا كانت الجائزة حمايةً لماتشادو اليوم، فتقع على عاتق المجتمع والفكر العام أن يسأل بصراحة عن الوسائل والبدائل وعن منافع الشعوب قبل مصالح الأجندات.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

فَرَّار الجزار
قبل الحرب بأشهر قليلة، التقيت الجزار موسى الضي، وبعدها هجر زاويته المعهودة عند "استوب" شقلبان في شارع الثورة بالنص، مثله مثل كل الوجوه

صور أقمار صناعية تكشف تصاعد النزوح والنشاطات الدفاعية حول الأبيض
كشفت صور أقمار صناعية عن زيادة كبيرة في أعداد المساكن المؤقتة التي يستخدمها النازحون في مدينة الأبيض خلال أقل من أسبوعين، إلى جانب رصد نشاطات دفاعية حول المدينة

كامل إدريس يدعو وكالات الأمم المتحدة للعودة إلى الخرطوم ويعلن استقرار العاصمة
دعا رئيس الوزراء، كامل إدريس، المنظمات والهيئات الدولية والبعثات الدبلوماسية ووكالات الأمم المتحدة والمنظمات غير الحكومية إلى العودة إلى العاصمة الخرطوم لمزاولة أنشطتها، مؤكدًا أن المدينة أصبحت آمنة بفضل جهود القوات المسلحة.

كادوقلي والدلنج.. نزوح وجوع وقصف عشوائي
تشهد مناطق كادوقلي والدلنج بولاية جنوب كردفان حالة من عدم الاستقرار منذ أشهر طويلة، جراء محاولات قوات الدعم السريع والحركة الشعبية لتحرير السودان - شمال، المنضويتين تحت تحالف السودان التأسيسي "تأسيس"، التقدم في إقليم كردفان على وجه العموم، وجنوب وشمال كردفان على وجه الخصوص.

تحالف "تأسيس" يتهم الجيش والحركات المتحالفة معه بارتكاب انتهاكات في قرى بكردفان
اتهم تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" الجيش والحركات المسلحة المتحالفة معه، بارتكاب انتهاكات واسعة بحق مدنيين في عدد من قرى إقليم كردفان خلال الأيام الماضية.

