ناجيات من الفاشر: كنا على تخوم الموت
20 نوفمبر 2025
عندما وطئت أقدامنا تخوم مخيم طويلة في شمال دارفور، شعرنا أن بنادق عناصر قوات الدعم السريع التي كانت تلاحقنا لن تجعلنا في حالة رعب بعد الآن، وأن الموت أصبح بعيدًا. وفور وصولنا إلى الملجأ، الذي يتكون من مواقع بدائية، بحثنا عن عيادة تديرها منظمات دولية، وأبلغنا الأطباء بأن هناك نازحين فارين، بينهم أطفال، بحاجة إلى التدخل الطبي بشكل أسرع.
يشرح بشار معاناة شقيقته التي فرت من الفاشر وهي تحمل طفلتها ذات الثلاث سنوات، مساء 27 تشرين الأول/أكتوبر 2025. وبعد أن هدأ صخب المعارك قليلًا وحل الظلام، قررت "نصرة" الخروج من الفاشر مع طفلتها، بمعية مجموعة من النازحين، أغلبهم من النساء والأطفال والمسنين.
هدوء صخب المعارك ومداهمات الدعم السريع للمنازل ليلًا ساعد الآلاف على النجاة من الموت المحقق
كان يتعين على هؤلاء النازحين التحرك سيرًا على الأقدام لمسافات طويلة تصل إلى 70 كيلومترًا بين الفاشر ومحلية طويلة الواقعة غرب شمال دارفور. لم يفكروا ولو للحظات في الاستعانة بشاحنة أو مركبة، فالهروب يجب أن يكون بسرية تامة وفي الظلام حتى مغادرة مواقع تنتشر فيها عناصر الدعم السريع.
قال بشار، الذي غادر الفاشر قبل توغل الدعم السريع بأشهر، لـ"الترا سودان"، إن النزوح لم يكن مجرد خيار، بل فرصة للنجاة من الموت. فإذا قررت النساء البقاء، فلن ينجون من الموت والعنف الجنسي والاعتداء وخطف الأطفال وطلب الفدية؛ "هكذا تفعل عناصر الدعم السريع"، يقول بشار.
لم تتزود النساء الفارات من الفاشر بأي وسيلة تساعدهن على تحمل مشقة السفر والسير على الأقدام، مثل المياه أو الطعام، بل إن أي شيء ثقل وزنه تخلصن منه؛ فالغاية هنا النجاة من بطش المسلحين.
تقول عاملة إنسانية من مخيم طويلة لـ"الترا سودان": "عندما نتحدث إلى بعض النساء والأطفال الذين نزحوا من الفاشر، لا يمكنهم الحديث بشكل مباشر. يصمتون طويلًا لأنهم تحت تأثير الصدمة. ما رأوه لم يكن سهلًا… أن ترى الجنود يطلقون النار أمام عينيك على زوجك أو ابنك، أو يخطفون طفلك أو شقيقتك".
في خطوة قد تجلب أنظار المجتمع الدولي إلى جرائم وانتهاكات مدينة الفاشر، وصف وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، توم فليتشر، معاناة وقصص الناجين بالمروعة، خلال زيارته إلى محلية طويلة التي تخضع لسيطرة حركة جيش تحرير السودان بقيادة عبد الواحد نور، منتصف تشرين الثاني/نوفمبر 2025، مشيرًا إلى أن العالم لم يبال بما يحدث في الفاشر.
يعتقد بشار، الذي عاصر سلسلة طويلة من الانتهاكات والجرائم بحق المدنيين في إقليم دارفور من قبل المليشيات والمجموعات المسلحة، بما في ذلك القوات النظامية، أن الإفلات من العدالة يعزز استمرار الانتهاكات والجرائم بحق المدنيين.
ويضيف قائلًا: "لا يمكن أن يكون من ارتكب جرائم وانتهاكات بحق المدنيين جزءًا من المستقبل. لا يجب أن يحظى بالمكانة السياسية في السلطة أو حتى في المجتمع؛ يجب أن يكون في السجن".
ويرى بشار أنه إذا كان المجتمع الدولي لديه القليل من الجدية لوقف الانتهاكات بحق المدنيين، فعليه أن يطالب قوات الدعم السريع بالسماح بمرور آمن للنازحين وتفريغ المعتقلات من المواطنين داخل الفاشر دون أي تأخير.
قالت منظمة الهجرة الدولية إن حوالي 100 ألف نازح فروا من مدينة الفاشر عقب سيطرة الدعم السريع على المدينة منذ 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025، كما نوهت شبكة أطباء السودان إلى أن 243 من النساء الحوامل وصلن إلى مخيمات طويلة في شمال دارفور ومنطقة العفاض بمحلية الدبة بالولاية الشمالية، وبعضهن تعرضن للإجهاض نتيجة السير لمسافات طويلة على الأقدام إلى جانب مخاطر الفرار.
ذكر مصدر مقرب من دوائر الأمم المتحدة، التي سلطت الضوء على الجرائم والانتهاكات في الفاشر من خلال زيارة وكيل الأمين العام للشؤون الإنسانية توم فليتشر إلى مخيم طويلة ومنطقة كورما بشمال دارفور منتصف الشهر الجاري، أن فليتشر وفريقه الذين التقوا الفارين من الفاشر شعروا بالصدمة إزاء الروايات التي سردتها النساء والمسنون.
وأوضح المصدر المقرب من دوائر الأمم المتحدة لـ"الترا سودان" أن توم فليتشر يعتقد أن الحماية يجب أن تكون أولوية جنبًا إلى جنب مع الإغاثة، ويجب أن تنفذ بشكل موحد. وقد تلقى تعهدات من الجيش والدعم السريع بتنفيذهما معًا والالتزام بهما.
مصدر دبلوماسي: الأمم المتحدة لا تريد تكرار جرائم بارا والفاشر في السودان
وقال المصدر: "حينما يندلع اشتباك مسلح في أي منطقة، تريد الأمم المتحدة بصورة جادة ضمان سلامة المدنيين. هي لا تريد تكرار ما حدث في الفاشر وبارا مرة أخرى. وبصورة غير مباشرة، حذروا قوات الدعم السريع من عدم تحمل مسؤولية سلامة المدنيين في مناطق سيطرتها".
وتقول تقارير نشرتها اللجنة التمهيدية لنقابة الأطباء، وشبكة أطباء السودان، وتنسيقية لجان المقاومة بالفاشر، إن قوات الدعم السريع ارتكبت مجازر في مدينة الفاشر منذ سيطرتها على المدينة في 26 تشرين الأول/أكتوبر 2025، بقتل أكثر من 2000 مدني. بينما تقول قوات الدعم السريع إنها شكلت لجنة تحقيق، وألقت القبض على عناصر ارتكبت "تجاوزات بحق المدنيين"، على حد تعبيرها.
واعتمد مجلس حقوق الإنسان في جنيف، الجمعة 14 تشرين الثاني/نوفمبر 2025، المشروع البريطاني الذي يقضي بإرسال بعثة أممية لتقصي الحقائق حول الجرائم والانتهاكات التي حدثت في مدينة الفاشر.
وتحفظ مندوب السودان في مجلس حقوق الإنسان في جنيف، السفير حسن حامد، خلال مداخلته في الاجتماع الطارئ للمجلس، على إرسال بعثة أممية إلى الفاشر برئاسة القاضي التنزاني محمد عثمان شاندي، رغم ترحيبه بالإدانات التي صدرت ضد قوات الدعم السريع.
عاملة إنسانية: على الحكومة أن تسمح بوصول البعثة الأممية إلى الناجين من الفاشر داخل المدينة وخارجها
وتقول العاملة الإنسانية من محلية طويلة إن العدالة تعني ألا تحدث الجرائم مرة أخرى بحق المدنيين، وطالما أن الحكومة السودانية تريد تحقيق العدالة للمواطنين الذين ارتكبت قوات الدعم السريع جرائم وانتهاكات بحقهم، فعلى الحكومة أن تسمح بالعدالة حتى ولو بالوسائل الدولية، وفق تعبيرها.
وتعلل هذه العاملة الإنسانية حديثها بعدم قدرة الحكومة السودانية على إرسال بعثة تقصي الحقائق من الأجهزة العدلية الوطنية إلى الفاشر، لأن المنطقة تقع خارج سيطرتها عسكريًا، مضيفة أن الجهة الوحيدة التي تستطيع ذلك هي بعثة تقصي الحقائق الأممية، باستخدام نفوذ المجتمع الدولي والأمم المتحدة وقوانينها.
الكلمات المفتاحية

بعيدًا عن صخب السياسة.. كيف يقضي اللاجئون السودانيون أيام الانتخابات في أوغندا؟
تنطلق الانتخابات الرئاسية في أوغندا اعتبارًا من يوم الخميس 15 كانون الثاني/يناير 2026، وتستمر لمدة ثلاثة أيام على أن تُختتم عملية الاقتراع مساء السبت

بعد عام من استعادتها.. ولاية الجزيرة من جراح الحرب إلى أمل البناء
في مثل هذا اليوم قبل عام، وتحديدًا 11 كانون الثاني/ يناير 2025، وقف ضابط بالجيش السوداني على جسر حنتوب بمدينة ود مدني، رافعًا التمام للقيادة: "مدني حرة وخالية من الدعم السريع".

جدل التزوير والتحول الرقمي.. استقالة علي رباح تفتح أخطر ملف في تاريخ جامعة الخرطوم
أثارت استقالة أمين الشؤون العلمية بجامعة الخرطوم، وحديثه عن "جهة ثالثة"، مخاوف بشأن استقلالية الجامعة وسمعتها الأكاديمية. وواجهت الوزارة والجامعة ضغوطًا لتقديم توضيحات، وسط دعوات للتحقيق في الأسباب الحقيقية وراء الاستقالة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

