موسم التبضع إلى الجنوب: كيف غيرت الحرب في جنوب كردفان طرق التجارة ومصادر السلع؟
23 يناير 2026
في أسواق حجر جواد والكرقل وأم دولو وكادوقلي والدلنج، ومعظم مدن جنوب كردفان، لم تعد تلك اللواري والشاحنات القادمة من الأبيض والرهد وكوستي والخرطوم هي التي تملأ الأسواق بالبضائع كما كان الحال قبل الحرب، ويستقبلها الناس يوم السبت في الدلنج، والثلاثاء في كادوقلي، وتأتي أحيانًا بلا موعد.
الآن تأتي الشاحنات من اتجاه آخر، من دولة جنوب السودان، محملة بالسكر الجنوبي السوداني والزيت والدقيق والملابس، وحتى الأدوية. تقف هذه الشاحنات في مناطق حدودية، يأخذ التجار منها السلع ليدخلوها خفية على ظهر "التكاتك" والدواب؛ فإن جاؤوا نهارًا فهم تجار، وإن تسللوا ليلًا فهم تجار أيضًا، لكن (سمباكة).
تحول خط الإمداد، ومعه تغيرت ملامح التجارة في جنوب كردفان من الشمال إلى الجنوب
تحول خط الإمداد، ومعه تغيرت ملامح التجارة في جنوب كردفان من الشمال إلى الجنوب. فقبل اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، كانت مدن الولاية تعتمد في غذائها واحتياجاتها الأساسية على الأسواق الشمالية، خصوصًا مدينة الأبيض التي شكلت الرئة الاقتصادية لجنوب كردفان، إلى جانب الرهد. ويُستثنى من ذلك المدن الواقعة تحت سيطرة الحركة الشعبية، التي فتحت خط تجارة مبكرًا مع جنوب السودان منذ السنوات الأولى لحرب عام 2011، المعروفة محليًا باسم حرب "ستة ستة".
الحرب والتجارة
الحرب الحالية، حينما وصلت إلى جنوب كردفان، لم تغير موازين القوة والسلاح فحسب، ولا حتى تشكيل التحالفات، باعتبار أن الجيش الشعبي وقوات الدعم السريع يقاتلان معًا ضمن قوات "تأسيس"، بعكس السابق حينما كانت قوات الدعم السريع تقاتل الجيش الشعبي إلى جانب القوات المسلحة ضمن عمليات "صيف العبور" أو "إنهاء التمرد بجنوب كردفان". الآن، أعادت الحرب رسم خرائط الحياة اليومية، وفي مقدمتها طرق التجارة والتزود بالسلع. ومع انقطاع الطرق القومية وإغلاق الشرايين التي كانت تربط الولاية بشمال السودان، وجد السكان أنفسهم مضطرين للبحث عن بدائل للبقاء. وهكذا، وبصمت، تغير اتجاه السوق من الشمال إلى الجنوب، وتحولت دولة جنوب السودان من جار بعيد إلى مصدر أساسي للغذاء والدواء.
في البداية اعتمد الناس على سوق الخرسانة، إلا أن الطريق إليه أصبح معقدًا بسبب اشتداد المعارك في مايو الماضي بغرب كردفان
فبعد إغلاق الطرق وتقطع الإمدادات بفعل المعارك، وجدت المجتمعات المحلية نفسها تبحث عن بدائل للبقاء. في البداية اعتمد الناس على سوق الخرسانة، إلا أن الطريق إليه أصبح معقدًا بسبب اشتداد المعارك في مايو الماضي بغرب كردفان. بعدها بدأ الاعتماد على سلع تُهرب من محافظة القوز، حيث كانت كادوقلي والدلنج تستقبلان شهريًا أكثر من 60 عربة "تكتك"، لكن هؤلاء التجار توقفوا أيضًا بسبب خطورة الطرق.
ومنذ مارس 2025، برز تجار من القبائل المحلية يهربون البضائع عبر الدواب من غرب كردفان، إلا أنهم توقفوا بدورهم. ومع توقف أسواق أم عدارة، اتجه الناس إلى أم جمينا، وإلى مناطق سيطرة الحركة الشعبية، التي تعتمد بدورها على جنوب السودان كمصدر رئيسي للسلع.
سوق إيدا بجنوب السودان
تقع منطقة إيدا بجنوب السودان على الحدود مع مناطق سيطرة الحركة الشعبية، وتضم مخيمًا للاجئين السودانيين، إضافة إلى مطار يربطها بمدينة جوبا. ومع الحرب الثانية في جنوب كردفان عام 2011، وتشديد حكومة الولاية آنذاك سياساتها لمنع دخول البضائع إلى مناطق الحركة الشعبية، لجأ التجار في تلك المناطق إلى سوق إيدا لجلب السلع، وسرعان ما انتعش السوق وأصبح مركزًا تجاريًا مهمًا.
وأفاد محمد عبد الكريم، وهو تاجر سوداني بسوق إيدا، بأن السوق يشهد حاليًا تراجعًا في الأسعار بعد انتهاء فصل الخريف، وانخفاض تكلفة ترحيل البضائع إلى غرب وجنوب كردفان. وأوضح أن الأسعار ترتفع خلال الخريف، ثم تبدأ في الهبوط مع بداية الصيف.
تاجر سوداني بسوق إيدا: سعر جوال الدقيق (50 كجم) استقر عند 340 ألف جنيه سوداني، بينما بلغ سعر جوال السكر (50 كجم) 410 آلاف جنيه، وسعر جركانة الزيت 170 ألف جنيه
وأشار إلى أن سعر جوال الدقيق (50 كجم) استقر عند 340 ألف جنيه سوداني، بينما بلغ سعر جوال السكر (50 كجم) 410 آلاف جنيه، وسعر جركانة الزيت 170 ألف جنيه. أما تكلفة ترحيل الطن فتبلغ نحو 400 ألف جنيه سوداني.
وبخصوص السجائر، وهي السلعة الأغلى في السوق، قال إن سعر الكرتونة يصل إلى مليون و700 ألف جنيه جنوب سوداني، موضحًا أنه يشتريها مباشرة من المصنع في جوبا، حيث تصل تكلفة الكرتونة عند وصولها إلى إيدا إلى نحو 230 دولارًا.
وأضاف أنه رغم انخفاض الأسعار في إيدا بانتهاء الخريف، إلا أن طول الطريق ووعورته، إلى جانب رسوم العبور التي يدفعها التجار القادمون من معسكر إيدا، تؤدي إلى ارتفاع أسعار السلع عند وصولها إلى كادوقلي والدلنج، وقبلهما سوق أم جمينا.
سوق أم جمينا
يقع سوق أم جمينا في منطقة كاشا التابعة للحركة الشعبية بجنوب كردفان، وقد تعرض لضربة بطائرات مسيرة مطلع يناير الماضي، حيث اتهمت الحركة الشعبية، في بيان لها، القوات المسلحة بتنفيذ الهجوم، دون أن تنفي الأخيرة الحادثة.
ويُعد سوق أم جمينا نقطة رئيسية لتوزيع السلع التي تصل إلى المدن الواقعة تحت الحصار، وبديلًا لسوق النعام، إذ يُغني التجار عن قطع مسافات طويلة للوصول إلى الخرسانة بمنطقة أبيي.
تاجر بسوق أم جمينا: الدعم السريع يسعى إلى منع دخول المواد الغذائية والتموينية، بينما يسمح بدخول سلع غير غذائية مثل الملابس والأحذية
وأفاد حازم قيدوم، وهو تاجر بسوق أم جمينا، بأن الحركة التجارية في السوق تراجعت قليلًا بسبب الرقابة المفروضة على البضائع القادمة من المدن الشمالية من قبل قوات الدعم السريع على الطريق، ما أدى إلى تقليل كميات السلع المتدفقة القادمة من الشمال.
وأوضح أن الدعم السريع يسعى إلى منع دخول المواد الغذائية والتموينية، بينما يسمح بدخول سلع غير غذائية مثل الملابس والأحذية.
وأضاف أن جميع المواد الغذائية والتموينية أصبحت الآن تأتي من مناطق سيطرة الحركة الشعبية، ومن الأسواق الحدودية مع جنوب السودان، وعلى رأسها سوق إيدا. وأشار إلى أن تحول التجارة نحو الجنوب له تداعياته، أبرزها ارتفاع أسعار السلع نتيجة طول الطريق وتكلفته، حيث بلغ سعر ترحيل الطن نحو 500 ألف جنيه، بسبب سوء ووعورة الطرق التي يسلكها التجار.
تحول في العلامات التجارية
أدى هذا التغير في الاتجاه التجاري إلى اختفاء البضائع القادمة من مصانع الرهد والأبيض. وفي أسواق كادوقلي والدلنج وحجر جواد والكرقل يمكن ملاحظة أثر هذا التحول بوضوح؛ فقد حل دقيق "رايس" محل "سيقا"، وسجائر "سوبرماتش" بدلًا من "البرنجي"، إلى جانب منتجات أخرى مثل معجون كولجيت، وصابون "باور ستار"، وبسكويت "ناتيل". ولم تعد هذه العلامات التجارية غريبة كما في السابق، بل أصبحت مألوفة، يتعامل معها الباعة والمستهلكون على حد سواء كجزء من دورة حياة جديدة فرضتها الظروف.
لكن هذا التبدل الاقتصادي لا يخلو من تحديات؛ فمعظم البضائع القادمة من الجنوب تصل عبر طرق وعرة وممرات غير رسمية، ما يجعل الأسعار مرتفعة والمخاطر كبيرة. كما تعاني بعض المناطق من شح الوقود وصعوبة النقل، الأمر الذي يحد من حجم الحركة التجارية.
لم تغير الحرب فقط جغرافيا السيطرة العسكرية والتحالفات السياسية، بل أعادت تشكيل الجغرافيا الاقتصادية
وتأتي هذه التطورات في ظل مرحلة معقدة من الحرب في جنوب كردفان، حيث انقطعت الطرق التجارية الرئيسية، وعلى رأسها الطريق الرابط مع شمال كردفان، الذي كانت تعتمد عليه الولاية لجلب البضائع من مصانع الرهد والأبيض. وقد تفاقم الوضع بعد سيطرة قوات الدعم السريع على منطقة الدبيبات الواقعة على الطريق القومي بين الدلنج والأبيض.
بهذا التحول، لم تغير الحرب فقط جغرافيا السيطرة العسكرية والتحالفات السياسية، بل أعادت تشكيل الجغرافيا الاقتصادية. فبينما كانت السياسة، لسنوات طويلة، تصور الجنوب كمسافة بعيدة وخيار مستحيل، جاءت لغة الاقتصاد لتقربه، وتجعل منه باب الحياة المفتوح أمام السكان. ومع استمرار الحرب وانسداد الأفق، يبدو أن "موسم التبضع إلى الجنوب" ليس حالة مؤقتة.
الكلمات المفتاحية
تراجع مخيف في خدمات توزيع غاز الطهي وتدمير البنى التحتية يفاقم الأزمة
تراجعت خدمات توزيع غاز الطهي لدى غالبية الشركات العاملة في هذا القطاع في بعض المدن، التي تشمل عطبرة والعاصمة الخرطوم، وفقًا لإفادات مواطنين ووكلاء تحدثوا لـ"الترا سودان".
انتعاش طفيف للجنيه السوداني وتكاليف المعيشة تواصل الارتفاع
تراجع سعر صرف الدولار الأمريكي مقابل الجنيه السوداني في تعاملات السوق الموازية، الخميس 12 مارس 2026، إلى أقل من 3450 جنيهًا مقارنة بـ3555 جنيهًا يوم أمس، مدفوعًا بحلول عطلة نهاية الأسبوع وإحجام المستوردين عن تقديم طلبات جديدة للحصول على العملة الصعبة.
جراء أزمة الشرق الأوسط.. اقتصاديون يتوقعون تقلبات جديدة في أسعار الوقود والأسمدة بالسودان
يرجح مراقبون اقتصاديون تأثر تكاليف الوقود الواردة إلى السودان بارتفاع أسعار النفط عالميًا، وصولًا إلى أكثر من 100 دولار، وفقًا للتعاملات التي جرت خلال الساعات الماضية.
الجمارك تعلن إحباط تهريب شحنة من "الآيس" والنحاس بشرق البلاد
أعلنت قوات الجمارك السودانية نجاحها في ضبط 238 كيلوجرامًا من مخدر "الآيس"، وشحنة من الأسلحة، و700 كيلوجرام من النحاس بشرق البلاد، في وقت أكدت فيه شرطة ولاية الخرطوم إزالة "ارتكاز وهمي" كانت تديره عصابة إجرامية بقرية "المنارة الحسانية" غربي مدينة أم درمان.
إطلاق منصة إلكترونية لتسجيل طلبات العودة الطوعية للسودانيين في مصر
أعلنت لجنة الأمل للعودة الطوعية، اليوم الأحد 15 مارس 2026، إطلاق منصة إلكترونية مخصصة لتسجيل طلبات المواطنين السودانيين المقيمين في مصر والراغبين في العودة الطوعية إلى السودان.
الفرقة 19 مشاة تُعلن إنشاء لواء جديد لتأمين مروي ومحيطها
وقال قائد الفرقة 19 مشاة مروي، اللواء الركن طارق سعود، إن إنشاء اللواء (74) مشاة يأتي ليكون مسؤولًا عن تأمين مدينة مروي ومحيطها، وذلك على غرار الألوية الأخرى في الولاية.
قوات الأمن تحتوي توترات في نهر النيل إثر نهب عصابة سيارة أحد أعيان المنطقة
احتوت الخلية الأمنية توتراتٍ نشبت بين مجموعة من سكان قرية "المكابراب" في الساعات الأولى من صباح السبت، وذلك إثر قيام عصابة بنهب سيارة أحد الأعيان أثناء مروره بمنطقة "المقرن" بولاية نهر النيل.