ultracheck
مجتمع

مواقع التواصل.. هل تحولت إلى سلاح خفي في حرب السودان؟

16 يناير 2026
مواقع التواصل الاجتماعي في السودان
مواقع التواصل الاجتماعي في السودان
تسنيم خوجلي
تسنيم خوجليكاتبة وصحفية من السودان

تحولت مواقع التواصل الاجتماعي في السودان، خلال سنوات الحرب الأخيرة، إلى الساحة الأوسع لتداول الأخبار وصناعة الرأي العام، في ظل غياب شبه كامل للرقابة وضعف الأطر المهنية التي تضبط المحتوى المتداول. ومع اتساع رقعة الاستخدام، بات بإمكان أي شخص أن يشارك رأيه دون تحقق أو مساءلة، ما جعل هذه المنصات سلاحًا ذا حدين في واقع اجتماعي هش ومأزوم.

وخلال الحرب، شهدت هذه المنصات انتشارًا مقلقًا لخطاب الكراهية والتحريض، أسهم في تعميق الاستقطاب المجتمعي وتوجيه مزاج الشارع، لا سيما في ظل غياب الوعي الرقمي وضعف الثقافة الإعلامية لدى قطاعات واسعة من المستخدمين. وأصبحت “اللايفات” وسيلة مؤثرة في تشكيل الآراء، رغم افتقار كثير منها إلى المصداقية أو السياق المهني.

التراجع في المعايير  انعكس بصورة مباشرة على الذوق العام، إذ بات الجمهور يتعرض لمحتوى متفاوت الجودة والرسالة، وأصبح التمييز بين الإبداع الحقيقي والمحتوى العشوائي أكثر صعوب

وفي “التايم لاين” اليومي، تتزاحم قصص الاتهامات والملاحقات العلنية لأشخاص يُتهمون بعمليات نصب واحتيال، دون وضوح للحقائق أو وجود جهات موثوقة تفصل بين الجاني والضحية، ما يفتح الباب أمام التشهير وتصفية الحسابات الشخصية تحت غطاء “الفضح العام”.

ولا يقف الأمر عند هذا الحد، إذ برزت ظاهرة استغلال الأطفال كمحتوى على مواقع التواصل الاجتماعي، حيث تعرض بعض الأسر أبناءها أمام الكاميرات طلبًا للتعاطف أو الدعم أو الشهرة، في غياب أي حماية قانونية أو أخلاقية تضمن حقوق هؤلاء الأطفال أو سلامتهم النفسية.

وفي السابق، كان الفن والأدب في السودان يمران بمسارات دقيقة قبل وصولهما إلى الجمهور، حيث تخضع النصوص والموسيقى والمسرحيات لمراجعة لجان مختصة تضمن الجودة والمصداقية والرسالة الثقافية. أما اليوم، ومع انتشار منصات التواصل وغياب الرقابة، أصبح بإمكان أي شخص تقديم نفسه بوصفه فنانًا أو كاتبًا أو مبدعًا، دون  اعتماد رسمي.

هذا التراجع في المعايير  انعكس بصورة مباشرة على الذوق العام، إذ بات الجمهور يتعرض لمحتوى متفاوت الجودة والرسالة، وأصبح التمييز بين الإبداع الحقيقي والمحتوى العشوائي أكثر صعوبة. كما ساهمت هذه الحرية المطلقة في انتشار الأعمال القائمة على الإثارة أو التقليد والاستهلاك السريع، بدلًا من الإسهام في تطوير الثقافة والذوق الفني للمجتمع.

منصات التواصل خلال الحرب

يقول الكاتب الصحفي والروائي أمير بابكر، في حديث لـ"الترا سودان"، إن منصات التواصل الاجتماعي لعبت دورًا مؤثرًا في سد فراغ انسياب المعلومات بالطرق المعتادة والموثوقة، لا سيما في ظل انهيار منظومة المؤسسات الإعلامية، ضمن سلسلة انهيار طالت المؤسسات الخاصة والعامة بسبب الحرب.
ويضيف أن هذا التأثير دفع كثيرًا من المؤسسات الإعلامية إلى اللجوء لهذه المنصات، لما تتميز به من سرعة انتشار وتغطية واسعة تتجاوز قدرات المؤسسات التقليدية.

أشار إلى أن محتوى بعض المنصات كان له القدح المعلى في الحشد والتعبئة للحرب لصالح هذا الطرف أو ذاك، سواء عبر النصوص أو الصور

وأوضح بابكر أن تأثير منصات التواصل كان واضحًا خلال فترة الحرب، إذ حملت رسائل إيجابية وأخرى سلبية بحكم طبيعتها الوظيفية، مشيرًا إلى دورها الكبير في انتشار خطاب الكراهية وتغذية النعرات العنصرية. وذكر أنها مثلت في بعض الأحيان أداة ضغط على المتقاتلين على الأرض لاتخاذ قرارات كارثية ما كان لهم أن يتخذوها في ظروف أخرى.

وأشار إلى أن محتوى بعض المنصات كان له القدح المعلى في الحشد والتعبئة للحرب لصالح هذا الطرف أو ذاك، سواء عبر النصوص أو الصور. وفي المقابل، لعبت هذه المنصات دورًا مهمًا في كشف مخاطر وتداعيات الحرب والانتهاكات بحق المدنيين، والمعاناة الناتجة عن انعدام الغذاء والدواء، الأمر الذي دفع منظمات دولية إلى ابتكار وسائل دعم غير تقليدية لإيصال المساعدات، خاصة مع الدور البارز الذي لعبته غرف الطوارئ المحلية بدعم من وسائل التواصل الاجتماعي.

القوانين وحدها لا تكفي

تكمن خطورة منصات التواصل الاجتماعي، بحسب بابكر، في عدم القدرة على السيطرة عليها أو التحكم فيها، وتتضاعف هذه الخطورة إذا كانت تُدار من قبل جهات منظمة وليس مجرد أفراد، عبر غرف متخصصة تستهدف إرسال رسائل محددة. وأضاف أن هذه المنصات يمكن إدارتها من أي مكان في العالم، ما يصعّب إخضاعها لأي قوانين أو إجراءات تنظيمية.

وأكد أن القوانين وحدها لا تكفي للحد من الرسائل السالبة، نظرًا لسرعة انتشارها، إذ غالبًا ما يكون التعامل معها برد فعل متأخر بعد أن تكون قد حققت أهدافها.

وشدد على ضرورة مواجهة خطاب الكراهية والتحريض على العنف والعنصرية بجهود مجتمعية ورسمية منظمة، مشيرًا إلى أن ذات الوسائط يمكن أن تُستخدم في إيصال الرسائل الإيجابية، وهو نهج يتطلب وضوح الأهداف وتضافر الجهود والاستمرارية.
كما أشار إلى ظهور منصات متخصصة في كشف الأخبار المضللة، مؤكدًا حاجتها إلى التوسع والدعم، رغم دورها – وإن كان محدود الأثر – في فضح كثير من الأخبار والصور ومقاطع الفيديو المفبركة.

انتشار أفقي

من جانبه، يقول التربوي والكاتب الصحفي محمد موسى حرية إن مواقع التواصل الاجتماعي تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الرأي العام خلال الحرب، ويعزو ذلك إلى انتشارها الأفقي الذي يتجاوز الحدود.

وأشار إلى أن هذه المنصات تمتلك خطابًا شعبويًا ينفذ إلى عقل المتلقي دون فلترة، في مجتمع يفتقر إلى الحصانة العلمية وضعف غربلة المعلومات، فضلًا عن طبيعة نسيجه الاجتماعي المتأرجح بين القبلية والمناطقية، في ظل خطاب كراهية يسود “أمة لم تُحسم هويتها بعد”، وغياب عقد اجتماعي يلبي ضرورات العصر.

وأضاف أن ذلك أسهم في تشكيل رأي عام بات أحد أذرع الحرب، يقوده – على حد تعبيره – “اللايفاتية والأميين”، الذين أتاح لهم الفضاء الرقمي التحول إلى منظومة لا تقل خطورة عن حملة السلاح.

وأوضح أن من أبرز المخاطر غياب الرقابة، وهي رقابة غير ممكنة في الظرف الراهن، إضافة إلى عدم رغبة الأجهزة التنفيذية في الحد من التأثير السلبي لمحتوى مواقع التواصل، والتي قد تخدم وإلي حد كبير متطلبات الحرب في زعزعة النسيج الاجتماعي، وهو ما  يخدم أهداف الحرب وبشكل مباشر.

الأطفال في الفضاء الرقمي

وحول مشاركة الأطفال في منصات التواصل الاجتماعي، يؤكد أمير بابكر أنها تنتهك حقهم الأساسي في أن يكونوا أطفالًا غير مدركين لتأثير الرسائل التي يُزج بهم في تمريرها، سواء بوعي منهم أو عبر البالغين، على المجتمع.

وأشار إلى أن كثيرًا من البالغين يستغلون الأطفال لتحقيق مكاسب، دون مراعاة الأثر العميق لذلك على تنشئتهم ومستقبلهم، وهو ما يعد انتهاكًا خطيرًا.
وفي السياق ذاته، يقول محمد موسى حريكة إن الأطفال هم الفئة الأكثر تضررًا من النشر المكثف لمحتوى الحرب، في ظل سهولة الوصول إلى ما يُنشر بعيدًا عن أي دور تربوي للأسرة أو المدرسة، اللتين غابتا في مناخ الحرب. 

وأضاف أن الطفولة حالة هشة يسهل اختراقها بخطابات الكراهية والانحراف، محذرًا من أن أطفال السودان يعيشون واحدة من أسوأ مراحل حياتهم، وسيكون لذلك أثر بالغ على مستقبلهم النفسي والاجتماعي.

المحتوى الفني

وفي ما يتعلق بالمحتوى الفني، يرى أمير بابكر أن منصات التواصل الاجتماعي أتاحت لأي شخص تقديم نفسه بوصفه فنانًا، والسعي إلى الانتشار وكسب المتابعين بأي نوع من المحتوى، بما في ذلك المحتوى غير اللائق.

وأشار إلى أن بعض هذا المحتوى يحمل رسائل "سالبة وتافهة" مثل ما يحدث الآن وسط من يطلق عليهن "فنانات"، الأمر الذي أسهم في سياسة الإغراق وإشغال الجمهور بقضايا هامشية، دون تقديم إضافة نوعية، في مقابل ضعف انتشار المحتوى الجاد والمفيد، وهو ما يعزوه إلى خلل في منهج إدارة هذا الفضاء.

قال إن خطورة المشهد تتضاعف مع تحوّل الدولة بشكلها الرسمي إلى راعٍ لبعض هذا الإنتاج وظهور حواضن غنائية وشعرية تروج لخطاب الحرب والكراهية

من جانبه، حذر الصحفي والتربوي محمد موسى حريكة من غياب أي آليات تحمي المجتمع من “التلوث السمعي” في مجال الغناء، في ظل اختفاء مراكز إجازة الأصوات والألحان والمصنفات الفنية، وغياب ما يشبه “حماية المستهلك” الثقافية. 

وأضاف أن خطورة المشهد تتضاعف مع تحوّل الدولة، بشكلها الرسمي، إلى راعٍ لبعض هذا الإنتاج، وظهور حواضن غنائية وشعرية تروج لخطاب الحرب والكراهية، في مجتمع لا يحتمل مزيدًا من التمزق.

سلاح ذو حدّين

تقول لميس الدوش، المعالجة والمرشدة النفسية، في حديث لـ"الترا سودان"، إن الأشخاص باتوا يعتمدون بشكل متزايد على مواقع التواصل الاجتماعي لمعرفة ما يدور في العالم، حيث أصبحت هذه المنصات تؤدي دورًا محوريًا.

ورغم إسهام هذه الوسائط في إيصال أصوات الأفراد والتعبير عن آرائهم، فإنها — بحسب الدوش — تُعد سلاحًا ذا حدّين؛ إذ مثلما تنقل معلومات صحيحة ومفيدة، تُعد في الوقت ذاته فضاءً واسعًا لانتشار الأنباء المضللة وغير الصحيحة. فبينما تحمل في طياتها رسائل للسلام، تبث أيضًا رسائل أخرى للعنف والكراهية.

تشير الدوش إلى أهمية وجود اهتمام ورقابة على المحتوى المتداول عبر هذه الوسائط، لا سيما الرسائل التي تتضمن العنف وخطاب الكراهية


وتشير الدوش إلى أهمية وجود اهتمام ورقابة على المحتوى المتداول عبر هذه الوسائط، لا سيما الرسائل التي تتضمن العنف وخطاب الكراهية، والتي برزت بشكل لافت مع اندلاع الحرب في السودان. وترى أن أدوات الرقابة يمكن أن تسهم في تحويل هذه المنصات إلى بيئة خصبة للاستفادة منها في مختلف الجوانب.

وناشدت الدوش الأسر بضرورة فرض رقابة ذاتية على تصفح الأطفال للمنصات الرقمية، مؤكدة وجود تأثير قوي ومباشر لهذا المحتوى على حياتهم. كما طالبت الجهات المختصة بوضع سياسات محددة لحماية هذه الفئة من المحتوى المتداول على الوسائط الرقمية بمختلف أشكاله.

وعلى صعيد آخر، تقول لميس الدوش لـ"الترا سودان" إن نظرة المجتمع للفن تغيّرت بشكل كبير، لا سيما بعد أن أصبح بإمكان أي شخص طرح نفسه بوصفه فنانًا أو مختصًا، وهو ما تعدّه من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي. وشددت على أنه لا يمكن لأي شخص أن يقدّم نفسه بهذه الصفة، معتبرة أن هذا الواقع أسهم في ترسيخ فكرة الاختلاف بوصفه فنًا، وهو أمر غير دقيق في ظل غياب المعايير.

وفي واقع تتفكك فيه المؤسسات وتغيب فيه المرجعيات، لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد وسائط ناقلة للأحداث في السودان، بل تحولت إلى سلطة موازية تصنع السرديات وتحدد من يُسمَع ومن يُقصى. وبين “لايف” وآخر، تُختزل القضايا المعقدة في شعارات، ويُدفع المجتمع نحو الاستقطاب، بينما تُمرَّر الكراهية والتضليل تحت غطاء الحرية.

وما لم تُطرح أسئلة حقيقية حول المسؤولية، والمعايير، وحدود التأثير، سيظل الرأي العام يُدار من غرف بث عشوائية، ويظل المجتمع يدفع ثمن حرب لا تُخاض بالسلاح وحده، بل بالكلمات والصور والرسائل التي تُبث بلا حسيب أو رقيب.

الكلمات المفتاحية

جهود انقاذ

مأساة ريفي شندي.. النيل الذي لا يكف عن ابتلاع الناس مع آمالهم

ربما لم يكن هناك خيار أو وسيلة أخرى سوى صعود "المركب البدائي" لقطع النيل من قرية "طيبة الخواض" إلى "ديم القراي" لحوالي 30 شخصًا


سوداني في القاهرة

تصاعد اختفاء السودانيين في مصر.. عائلات مفقودة ومخاوف من الاحتجاز بأقسام الشرطة

تُثير الحملات الأمنية التي تُنفذ في مصر بحق اللاجئين والمقيمين السودانيين شكوك العائلات حول وجود المفقودين داخل أقسام الشرطة


سوق النعام في أبيي

سوق النعام في أبيي.. شريان اقتصادي للمدن في دارفور وكردفان

على بُعد 10 كيلومترات شمال مدينة أبيي يقع سوق النعام، وتتكون أبيي من أربع مقاطعات، ويقع السوق في مقاطعة مين أبونق.
ويُعد سوق النعام سوقًا حدوديًا مهمًا لمدن دارفور وكردفان في الوقت الحالي، إذ يوفر السلع والبضائع.


سودانيون يشاهدون التلفاز أمام قطية

الثلاث العجاف.. كيف اقتاتت كادوقلي في ظل الحصار

شهدت كادوقلي معارك في غربها وجنوبها وشمالها في وقت مبكر، بدأت في 8 يونيو 2023 في حامية الدلوكة، التي سيطرت عليها الحركة الشعبية بعد هجومها عليها، واستمرت حتى وصلت إلى كلولو وأم شعروان.

الطقس.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: أجواء حارة في معظم أنحاء البلاد

أشارت النشرة اليومية للهيئة العامة للأرصاد الجوية إلى سيادة أجواء حارة نسبيًا في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مع توقعات بهطول أمطار على ساحل البحر الأحمر.

الطقس 2.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة بمعظم أنحاء البلاد

أصدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية نشرتها لتوقعات الطقس في السودان خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى أن الأجواء ستكون معتدلة إلى حارة في معظم أنحاء البلاد.


Nile.jpg
أخبار

فاجعة في نهر النيل.. غرق قارب يقل أكثر من 30 شخصًا شمالي السودان

في فاجعة إنسانية مؤلمة، غرق قارب حديدي من نوع "رفاس" في نهر النيل شمالي السودان، مساء الأربعاء 11 فبراير 2026، وعلى متنه نحو 30 راكبًا من النساء والرجال والأطفال.

الحريق في مخيم بطويلة
أخبار

مجلس طوارئ شمال دارفور يحذّر من تكرار الحرائق في معسكرات النازحين بمنطقة طويلة

حذّر مجلس غرف طوارئ ولاية شمال دارفور من خطر تكرار حوادث الحرائق في تجمعات النازحين بمنطقة طويلة

الأكثر قراءة

1
أخبار

الدعم السريع تتهم الجيش بمقتل 13 شخصًا في قصف جوي على زالنجي


2
سياسة

بين هبوط الطائرات وتعثر القطارات.. ما هي دلالات عودة خدمات النقل للخرطوم؟


3
أخبار

تعليق إضراب أطباء مستشفى عطبرة مؤقتًا حتى الأربعاء المقبل


4
ثقافة وفنون

"هنا أم درمان".. في اليوم العالمي للإذاعة يتجدد الحنين إلى الصوت الغائب


5
أخبار

الدعم السريع تشن هجومًا بالطيران المسير على مدينة الأبيض بشمال كردفان