ultracheck
مجتمع

من تكية إلى شبكة تضامن مجتمعي.. قصة مبادرة في أمدرمان

11 مارس 2026
مبادرة مجتمعية في أمدرمان
مبادرة مجتمعية في أمدرمان
تسنيم خوجلي
تسنيم خوجلي كاتبة وصحفية من السودان

مع اندلاع الحرب في العاصمة الخرطوم منتصف أبريل من العام 2023، ظلت أحياء الثورة في أم درمان آمنة نسبيًا مقارنة بالمناطق الأخرى. في هذا الملاذ النسبي، بدأ "البيت الكبير" لعائلة في الحي باستقبال النازحين الفارين من الاشتباكات  في أم درمان القديمة والريف الجنوبي، بداية من الأهل والأقارب الذين لا يحملون سوى القليل من متاعهم.

 ومن هذا "البيت الكبير" انطلقت فكرة "التكية" — وهي كلمة عامية لوصف المطبخ الجماعي — حيث وُزعت أول وجبات الطعام على المحتاجين، لتتحول لاحقًا إلى حكاية إنسانية واسعة شاركت فيها عشرات الأيادي المتطوعة لدعم الفارين من الحرب.

تقول سلمى الشريف، المسؤولة عن المبادرة، إن فكرة “التكية” بدأت في سبتمبر 2023 مع تزايد أعداد النازحين القادمين من مناطق أم درمان القديمة وأمبدة والريف الجنوبي إلى منطقة الثورات التي اعتُبرت أكثر أمانًا في تلك الفترة

هذه القصة ليست حالة فردية، بل واحدة من مئات القصص التي ولّدت مبادرة مجتمعية انطلقت بشكل عفوي في حي الثورة، وتحولت لاحقًا إلى مساحة تضامن إنساني تجمع السكان والنازحين في مواجهة آثار الحرب.

تقول سلمى الشريف، المسؤولة عن المبادرة، في حديث لـ "الترا سودان"،  إن فكرة “التكية” بدأت في سبتمبر 2023 مع تزايد أعداد النازحين القادمين من مناطق أم درمان القديمة وأمبدة والريف الجنوبي إلى منطقة الثورات التي اعتُبرت أكثر أمانًا في تلك الفترة.

وتوضح الشريف أن البداية كانت بسيطة للغاية: "استقبلنا النازحين باعتبارهم ضيوفًا في بيتنا الكبير بالحارة الرابعة، وبدأنا مسيرة الإطعام بوجبة عدس لعدد 75 أسرة من الجيران والوافدين".

لكن مع تزايد أعداد المحتاجين، لم تعد المبادرة محدودة النطاق، إذ أخذت أعداد المستفيدين في الارتفاع يومًا بعد يوم، حتى وصلت إلى نحو 500 أسرة تضم قرابة 2500 شخص يتلقون الوجبات والدعم بشكل منتظم.

من وجبة إلى منظومة دعم متكاملة

لم يكن الطريق سهلًا أمام القائمين على التكية، خاصة في ظل الظروف الصعبة التي فرضتها الحرب، من انقطاع الخدمات وارتفاع الأسعار وضعف الاتصالات.

تقول الشريف إن الدعم في البداية جاء من أبناء الحي أنفسهم، من شباب الحارة والأصدقاء المقربين، الذين تكفلوا بتمويل وإعداد الوجبات وتوزيعها بطريقة عادلة بين الأسر المحتاجة.

توضح أن استمرار المبادرة اعتمد بشكل كبير على التبرعات العينية من المجتمع، مثل جوالات القمح أو المساهمات المالية البسيطة

وتضيف: "في البداية كانت الوجبة عدس، لكن عندما ارتفعت أسعاره انتقلنا إلى البليلة العدسية، ثم البليلة بالكبكبي (الحمص)، ومع ارتفاع أسعارها أيضًا اعتمدنا بليلة القمح بالسكر والسمن".

وتوضح أن استمرار المبادرة اعتمد بشكل كبير على التبرعات العينية من المجتمع، مثل جوالات القمح أو المساهمات المالية البسيطة، مؤكدة أن فلسفة العمل كانت تقوم على مبدأ “قليل دائم خير من كثير منقطع”.

ومع مرور الوقت، تحولت التكية إلى أكثر من مجرد مطبخ خيري، إذ أصبحت – بحسب الشريف – "وجهة لكل من لا وجهة له"، سواء للحصول على الطعام أو الدواء أو حتى الماء.

مبادرات صغيرة تحافظ على الحياة

لم تقتصر جهود التكية على الإطعام فقط، بل توسعت أنشطتها لتشمل جوانب إنسانية وصحية واجتماعية متعددة. ففي بداية عملها، ساهمت المبادرة في إيجاد مأوى للنازحين عبر إسكان بعض الأسر في منازل خالية بعد الاستئذان من أصحابها الذين غادروا الخرطوم، كما عمل المتطوعون على توفير الأدوية لأصحاب الأمراض المزمنة.

كما شارك القائمون على المبادرة في توفير المياه عبر تناكر مدفوعة القيمة، في ظل شح الإمدادات المائية في بعض الأحياء.

وعانت مدينة أمدرمان قبل سيطرة الجيش على الخرطوم من مشكلات في توفير المياه في ظل استهداف الدعم السريع للمحطات والبنية التحتية، وساهمت المبادرات المجتمعية بشكل كبير في توفير المياه للمتضررين.

وفي المجال الصحي، نظمت المبادرة حملات توعية بمرض الكوليرا بين النازحين، إلى جانب توزيع الصابون والمشاركة في حملات التطعيم التي استهدفت المترددين على التكية ومراكز الإيواء.

ولم تغفل المبادرة الجانب الغذائي المستدام، حيث تم توزيع بذور الخضروات على النازحين في مراكز الإيواء بهدف زراعتها في أفنية المدارس والمراكز لتوفير مصدر إضافي للغذاء.

كما حرص المتطوعون على تنظيم أيام ترفيهية للأطفال النازحين، شملت ألعاب كرة القدم ونط الحبل والرسم وتشكيل المجسمات، إضافة إلى تقديم وجبات خاصة للأطفال.

التدريب والأسر المنتجة

وتشير الشريف إلى أن المبادرة دعمت أيضًا بعض الأسر المنتجة، لا سيما شريحة الأرامل والمطلقات، عبر تمويل مشاريع صغيرة تساعدهن على توفير دخل مستقر.

وفي جانب التدريب، تم تنظيم دورات في الإسعافات الأولية وأساسيات التمريض بالتعاون مع الهلال الأحمر السوداني، وبلغ عدد المتدربين في كل دفعة 42 شابًا من سكان الحي والنازحين، وخرجت المبادرة دفعتين حتى الآن.

كما شملت المبادرة تقديم فيتامين “A” لعلاج العشى الليلي، وحمض الفوليك لمرضى فقر الدم، مع متابعة الحالات الصحية حتى تحسنها.

قدمت التكية وجبات لطلاب امتحانات الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، شملت أكواب البليلة والعصائر في عدد من مراكز الامتحانات بمنطقة الثورة

مشاريع للأطفال

لم تغفل المبادرة عن النظر لعمل برامج للأطفال خلال الحرب، إذ شارك المتطوعون في ختان الأطفال داخل مراكز الإيواء، والمساهمة في كسوة العيد للأطفال عبر توزيع ملابس وأحذية وبسكويت.

كما قدمت التكية وجبات لطلاب امتحانات الشهادات الابتدائية والمتوسطة والثانوية خلال الأعوام 2023 و2024 و2025، شملت أكواب البليلة والعصائر في عدد من مراكز الامتحانات بمنطقة الثورة.

وفي إطار دعم العملية التعليمية، ساهمت المبادرة في صيانة بعض المدارس وتحسين بيئتها عبر توفير الإجلاس وصيانة مبردات المياه وإعادة تشغيلها.

ورغم بساطة الإمكانات، تعكس هذه المبادرة نموذجًا للمبادرات المجتمعية التي برزت في الخرطوم خلال الحرب، حيث لعبت الأحياء والسكان دورًا محوريًا في سد الفجوات التي خلفتها الأزمة، والحفاظ على الحد الأدنى من الحياة اليومية.

وبالنسبة لسلمى الشريف، فإن التجربة تؤكد أن التضامن المجتمعي يمكن أن يصنع فارقًا حقيقيًا في أوقات الأزمات، قائلة: "كل ما فعلناه هو أن نعامل النازحين كضيوف في بيتنا الكبير.. ومن هنا بدأت الحكاية".

الكلمات المفتاحية

طلاب ممتحنون

بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية

بعيون قلقة، وقلب واجف، تنظر أسماء عبدالله إلى ابنتها لجين، وهي تستعد للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام المؤجل 2025، التي تنطلق الاثنين، 13 أبريل 2026، بعد أعوام من التأجيل.


طلاب

أوجاع بلا نهاية.. عائلات طلاب بشرق أفريقيا تتحمل تكاليف باهظة لامتحانات الشهادة السودانية

حتى تتمكن من الوصول إلى مرحلة امتحانات الشهادة السودانية، واجهت عائلات الطلاب والطالبات سلسلة من التعقيدات التي تبدأ بالبحث عن مدارس سودانية


الخبز السوداني

السودان.. أسعار الخبز تدفع النساء في بعض المدن إلى تجهيزه في المنزل

يدفع ارتفاع أسعار الخبز في بعض مدن الولاية الشمالية النساء إلى ابتكار خطط بديلة عبر إعداده منزليًا؛ حيث يُوضع "العجين" على نار هادئة مصدرها "أفران" شُيّدت من الطين في فناء المنزل، أو اللجوء إلى الأفران الكهربائية في حال توفر الإمداد واستقراره.


شهد مصطفى وزوجها

شهد المصطفى تروي لـ"الترا سودان" رحلتها من وصمة المايقوما إلى الثقة والزواج

قالت الشابة المؤثرة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، شهد المصطفى، إنها نشأت في دار المايقوما حتى بلغت السادسة من عمرها، مشيرة إلى أن تجربتها مع الوصمة الاجتماعية كانت "صعبة جدًا"، إذ كانت تشعر بأن الناس يحكمون عليها دون معرفة ما مرت به.

عمود دخان في سماء الخرطوم.jpg
سياسة

السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟

بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.

الذهب - قطاع التعدين.jpg
أخبار

شعبة مصدري الذهب تطالب الحكومة بالتدخل لملاحقة الفساد في القطاع

قالت شعبة مصدري الذهب إن المعدن الأصفر قد يساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية، إذا تمكنت الحكومة من سد منافذ التهريب ومكافحة الفساد والتجاوزات، متوقعة ارتفاع عائدات الذهب إلى 6 مليارات دولار سنويًا من المعدن النفيس، حال تطبيق إصلاحات جذرية في هذا القطاع


جريمة.jpeg
أخبار

جريمة مروعة تهز كاب الجداد.. مقتل تاجر داخل منزله

شهدت منطقة كاب الجداد بولاية الجزيرة جريمة قتل بشعة هزت سكان المنطقة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على قتل تاجر ملابس داخل منزله في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، في حادثة أثارت حالة من الخوف وسط الأهالي.

حريق الطويشة
أخبار

حريق يدمر 17 منزلًا في مدينة الطويشة بولاية شمال دارفور

أعلنت غرفة طوارئ محلية "الطويشة"، الواقعة جنوب شرق مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، عن اندلاع حريق هائل مساء السبت، أسفر عن تدمير 17 منزلًا بالكامل، دون تسجيل خسائر في الأرواح.

الأكثر قراءة

1
مجتمع

بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية


2
رأي

مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟


3
أخبار

شبكة أطباء السودان: مقتل 4 مدنيين وإصابة آخرين في قصف على سوق مدينة الدلنج


4
أخبار

"الترا سودان" ينفرد بأول تصريح عقب إعفائه.. خالد بخيت: أدب الهلال علّمنا ألا نسأل لماذا


5
أخبار

وفاة الشيخ الطيب الجد عن 96 عامًا: السودان يفقد أحد أبرز رموز التصوف والدعوة