مسعد بولس.. وسيط يسعى للحل أم للتعقيد؟
20 فبراير 2026
منذ بدايات تدخله في القضية السودانية ظل مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية والعربية مسعد بولس مثار جدل واسع في الأوساط السودانية، لجهة قيامه بتدخلات وتبنيه لتوجهات يعتبرها البعض لا تسعى لحل الأزمة بل تعمل على تعقيدها، فيما اتهمه آخرون بالتماهي مع السردية الإماراتية، من وسيط يدرك تعقيدات الوضع في البلاد التي مزقتها الحروب.
ويُعدّ بولس أحد الشخصيات البارزة التي تعمل ضمن الآلية الرباعية لإيقاف الحرب في السودان، حيث يلعب دورًا مهمًا كأحد أذرع الإدارة الأميركية. إلا أن توجهاته حيال الأزمة السودانية، تثير الجدل والمخاوف من تأثيرها على جهود السلام.
في الوقت الذي يعمل فيه الوسطاء الإقليميون والدوليون من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في نزاع تسبب في نزوح الملايين وخلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يُصر بولس على إقصاء الإسلاميين من المشهد السوداني
وفي الوقت الذي يعمل فيه الوسطاء الإقليميون والدوليون من أجل التوصل إلى وقف دائم لإطلاق النار في نزاع تسبب في نزوح الملايين وخلق واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، يُصر بولس على إقصاء الإسلاميين من المشهد السوداني. وكان آخرها تصريحات الخميس 19 فبراير 2026 أمام جلسة مجلس الأمن الدولي حيال السودان، حيث قال: "إنه يجب أن نسلم بالدور المزعزع للاستقرار من قبل الشبكات المرتبطة بالنظام السابق في السودان والحركات الإسلاموية، بما في ذلك شخصيات مرتبطة بالإخوان المسلمين".
وشدد بولس على أن هذه الشبكات غذت الاستقطاب، وأعاقت الإصلاح، ويسّرت الدعم الخارجي وتدفق السلاح، مما أدى إلى استمرار القتال.
خارطة طريق
ولم تكن تلك التصريحات الأولى لبولس منذ أن اختاره صهره الرئيس ترمب، في أواخر ديسمبر 2024، ليكون كبير مستشاريه للشؤون العربية والشرق الأوسط، إذ ظل يطالب بإبعاد الإسلاميين من المشهد في السودان، مما عده البعض بأنه يمكن أن ينسف خارطة الطريق التي وضعها لإنهاء الأزمة في السودان.
وأعلن مسعد بولس، في مطلع فبراير الحالي، عن "خطة سلام شاملة" للسودان ترتكز على خمسة محاور: هدنة إنسانية فورية، وضمان وصول المساعدات الإنسانية وحماية المدنيين بشكل مستدام، ووقف دائم لإطلاق النار، وانتقال سياسي إلى حكومة بقيادة مدنية، وإعادة الإعمار بعد الحرب.
يرى مراقبون أن طريقة مسعد بولس في التعامل مع الأزمة السودانية تثير تساؤلات حول حياده، حيث يسعى لإقصاء بعض الجهات السودانية من المشاركة في مستقبل البلاد
وتأتي هذه التصريحات في وقت يشهد فيه السودان حربًا مدمرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، أدت إلى مقتل الآلاف ونزوح الملايين.
وكانت القمة الإفريقية قد دعت، الأحد الماضي، إلى إقرار هدنة إنسانية عاجلة في السودان تقود إلى وقف شامل لإطلاق النار في جميع أنحاء البلاد، مع ضرورة إطلاق حوار سوداني شامل.
ويرى مراقبون أن طريقة مسعد بولس في التعامل مع الأزمة السودانية تثير تساؤلات حول حياده، حيث يسعى لإقصاء بعض الجهات السودانية من المشاركة في مستقبل البلاد، مما قد يؤثر على فرص التوصل إلى حل شامل، في حين يرى آخرون أن استقرار السودان يتطلب إبعاد الإسلاميين من المشهد السياسي بسبب اتهامهم بتأجيج الصراع لتحقيق مصالحهم.
موقف مفضوح
ويرى الخبير الدبلوماسي السفير ياسر خضر أن موقف مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، مفضوح ومتماهٍ مع دولة الإمارات، وهو موقف أيديولوجي تحركه توجهاته الذاتية، وليس فيه قراءة واقعية للمشهد السوداني.
وقال خضر، في تصريح لـ"الترا سودان": إن تحقيق السلام في السودان يقتضي الموضوعية والحياد من كل الأطراف التي تسعى لتحقيق السلام في السودان، مضيفًا أن أي مؤسسات دولية تسعى لتحقيق السلام في السودان لا يمكنها أن تتجاوز الأطراف الموجودة على الساحة والمشهد السوداني بقوة، وتدعم الجيش، وهو الفاعل الأساسي لتحقيق الأمن والسلام في السودان والإقليم والبحر الأحمر.
الخبير الدبلوماسي السفير ياسر خضر لـ"الترا سودان": مسعد بولس يتبنى الموقف الإماراتي بطريقة فيها تهافت غير لائق بوسيط
وأكد خضر أن مسعد بولس "يتبنى الموقف الإماراتي بطريقة فيها تهافت غير لائق بوسيط"، و"يتعمد تجاهل الدور الذي تقوم به الإمارات في دعم التمرد في السودان، وما تقوم به قوات الدعم السريع من عمليات عسكرية"، بحسب تعبيره.
وأضاف خضر أن "حديث بولس عن سعي الإسلاميين لاختراق الخدمة المدنية أو بعض المؤسسات في الدولة حديث مردود وغير مقبول، وإذا كان للإسلاميين دور في توفير السلاح للجيش فذلك موقف وطني يستحق الإشادة"، حد قوله.
واعتبر خضر أن "السبيل الوحيد لتحقيق السلام في السودان هو الموضوعية والحياد، وأن أي مبادرة تحاول أن تقفز فوق واقع السياسة وموازين القوى السياسية في السودان لن تؤدي إلى نتيجة".
تفكيك السودان
من جهته، يقول السياسي والخبير الاستراتيجي أحمد موسى عمر إن "مشروع تفكيك السودان هو مشروع قديم متجدد، يستند إلى فرضية مستقبل السودان السياسي والاقتصادي، والذي سيصبح أكبر دول مواجهة الكيان الصهيوني وأكبر سند لجمهورية مصر العربية في حربها ضد الكيان، التي يتوقع أن تندلع في أي وقت".
وأضاف موسى، لـ"الترا سودان"، أن "الكيان الصهيوني وصل إلى حده الأعلى في القوة، وأصبح يعمل على إضعاف القوى المهددة له، ومنها السودان، وأن أحدث مشروعات إضعاف السودان بدأت بالاتفاق الإطاري، ومن قبله الإعلان السياسي المفضي للوثيقة الدستورية".
الخبير الاستراتيجي أحمد موسى عمر لـ"الترا سودان": الشعب السوداني بكل مكوناته هب للدفاع عن البلاد، وبرز عدد كبير من الإسلاميين الذين أحدثوا فرقًا في العمليات
وأشار إلى أن "المشروع يقوم على تفكيك البنية العسكرية من خلال مزاعم إصلاح الجيش، وتفكيك البنية الاقتصادية والخدمة المدنية عبر لجنة تفكيك نظام الثلاثين من يونيو، وهو في حقيقة الأمر مشروع تفكيك الاقتصاد السوداني بعشوائية الفكرة والتطبيق، حتى وصل السودان إلى مرحلة الحرب في 15 أبريل 2023".
وقال أحمد عمر إن "الشعب السوداني بكل مكوناته هب للدفاع عن البلاد، وبرز عدد كبير من الإسلاميين الذين أحدثوا فرقًا في العمليات، وأصبحوا حجر عثرة في تحقيق الأهداف العسكرية، فلم يعد من خيار سوى إبعادهم عن المشهد السياسي والعسكري، ووضعهم في مواجهة مع قيادة الدولة والجيش، بما يؤدي إلى تفتيت الجبهة الداخلية والدخول في مواجهات بينهم والقوات النظامية الأخرى"، وفقًا لإفادته.
وأوضح أن هذه الخطوة "تهدف إلى إثارة حرب جديدة أكثر شراسة تُبنى على إضعاف تماسك الجبهة الداخلية، وهي إحدى الخطط البديلة مع خدعة تقوم على موافقة الجيش بإبعاد الإسلاميين لتأكيد تلك المزاعم التي تقول بسيطرة الإسلاميين على الجيش".
تداعيات كارثية
وفي المقابل، يرى الباحث والمختص في الشؤون الإفريقية، الدكتور محمد تورشين، أن التصريحات المتكررة لمسعد بولس بشأن إبعاد الإسلاميين من أي دور في مستقبل السودان مسألة غير موفقة.
وأضاف تورشين أن كلمة "الإسلاميين" كلمة فضفاضة تحمل أوجهًا كثيرة، وتساءل: من هم الإسلاميون الذين يريد بولس إقصاءهم؟ هل هم المؤتمر الوطني، الحزب الحاكم حتى اندلاع الثورة التي أطاحت به؟ أم هل يريد إقصاء المؤتمر الشعبي المنقسم على ذاته، أو التيارات الأخرى الصغيرة التي انقسمت عن الحركة الإسلامية الأم منذ أوقات مبكرة من تجربتها في الحكم في السودان؟
الباحث والمختص في الشؤون الإفريقية، الدكتور محمد تورشين لـ"الترا سودان": إقصاء أي طرف من المشهد السوداني مسألة غير موفقة، لأن الإسلاميين وغير الإسلاميين هم مجموعات سودانية لا يمكن إقصاؤهم وإبعادهم
وأشار تورشين إلى أن مصطلح الإسلاميين في السودان يحتاج إلى ضبط وإعادة تعريف حتى نكون أكثر موضوعية وواقعية.
وأوضح أن إقصاء أي طرف من المشهد السوداني مسألة غير موفقة، لأن الإسلاميين وغير الإسلاميين هم مجموعات سودانية لا يمكن إقصاؤهم وإبعادهم، ومن حقهم المشاركة في الانتخابات.
وقال تورشين إن الإصرار على إبعاد الإسلاميين من المشهد في السودان ستكون له تداعيات كارثية، وربما يطيل من أمد الحرب ويدفعهم إلى سيناريوهات متشددة، وهذا ما لا نرغبه في السودان.
واعتبر تورشين أن حديث مسعد بولس يأتي في إطار المناورة السياسية للوصول إلى هدنة إنسانية، لأن الأحداث في السودان ليست بمعزل عن الأحداث في العالم، وأن هذه الحملة تستهدف كل المجموعات التي تتبنى الإسلام السياسي من أجل الوصول إلى السلطة.
وقال إن الولايات المتحدة تسعى بشكل جاد إلى إضعاف هذه المجموعات لأنها بمثابة المهدد الأساسي لأمن إسرائيل ومصالح الكثير من القوى، ولكن هذا لن يكون من مصلحة السودان، وسيعقد الأوضاع الداخلية، وسيسهم في إطالة أمد الحرب.
اتهام الجيش
ويقول الصحفي مجاهد باسان إن كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الإفريقية، مسعد بولس، ظل خلال متابعته لملف السودان يقدّم إحاطات أمام مجلس الأمن تضع الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في خانة واحدة كطرفين في النزاع، مع تركيز على اتهام الجيش بعرقلة وصول المساعدات الإنسانية.
وبحسب إفادته لـ"الترا سودان"، فإن هذا الطرح لم يسلّط الضوء بالقدر الكافي على ما يقول إنها مسارات فتحتها القوات المسلحة لعبور الإغاثة، كما لم يتناول بصورة واضحة الحصار الذي فرضته قوات الدعم السريع على مدن مثل الفاشر ومناطق في جنوب كردفان لفترات طويلة، وما ترتب عليه من أوضاع إنسانية صعبة للمدنيين.
الصحفي مجاهد باسان لـ"الترا سودان": الاستجابة للقتال جاءت من مجموعات وتيارات مختلفة من السودانيين بعد دعوة القائد العام للجيش، في ظل الحرب الدائرة
ويضيف باسان أن بولس كرر في أكثر من مناسبة الحديث عن مشاركة إسلاميين في القتال إلى جانب الجيش، معتبرًا أن ذلك الطرح يتجاهل - بحسب رأيه - أن الاستجابة للقتال جاءت من مجموعات وتيارات مختلفة من السودانيين بعد دعوة القائد العام للجيش، في ظل الحرب الدائرة وما نتج عنها من نزوح واسع وانتهاكات أثرت على ملايين المدنيين داخل السودان وخارجه.
سؤال متجدد
ويؤكد المراقبون أن نجاح أي مسار سياسي لحل الأزمة القائمة في السودان يبقى مرهونًا بقدرته على استيعاب تعقيدات الواقع وتشابكاته الاجتماعية والسياسية، بعيدًا عن مقاربات الإقصاء أو فرض التصورات الخارجية التي قد تفاقم من حدة الاستقطاب.
ويبقى السؤال قائمًا: هل ستسهم تصريحات مسعد بولس بإقصاء الإسلاميين من المشهد في تعقيد الأزمة السودانية أم تمهد الطريق لحل شامل؟ الأيام القادمة ستجيب عن السؤال، ولكن المؤكد أن الحرب في السودان تحتاج إلى رؤية وطنية تنبثق من حوار "سوداني - سوداني" مدعوم بجهود دولية محايدة وعادلة لتحقيق الاستقرار المنشود.
الكلمات المفتاحية
السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟
بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.
ذكرى السادس من أبريل.. قصة ثورة لم تمضِ كما بدأت
صادف السبت، السادس من أبريل 2019، نهاية عطلة الأسبوع بالعاصمة الخرطوم. والملاحظ أن الشوارع خلت من حركة المارة في الفترة الصباحية، وكأن هناك حالة من التحفز لحدثٍ جسيم سيقع لاحقًا.
تغييرات هيئة الأركان.. قائد الجيش يعيد ترتيب الأوراق ويمسك "بكرة النرد"
لم تكن التغييرات التي طرأت على هيئة أركان الجيش السوداني، اليوم الخميس 2 أبريل الجاري، مفاجئة للمراقبين؛ فوفقًا للبيان الصادر عن القيادة العامة،
من المسيرات إلى المواجهات البرية.. النيل الأزرق على صفيح ساخن ونزوح بالآلاف
منذ مطلع العام الجاري، لم تهدأ جبهة النيل الأزرق تمامًا، وظلت تتحرك على إيقاع تصعيد متقطع بدأ منذ مطلع يناير الماضي، بهجمات الدعم السريع والجيش الشعبي ضمن تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، قبل أن يستعيد الجيش السوداني السيطرة عليهما في 26 يناير 2026، مع استمرار تناوب السيطرة.
مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم
قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.
نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح
نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى
تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات
أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.
هيئة الأرصاد: ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء السودان ونشاط للرياح
أفاد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية بحدوث ارتفاع مستمر في درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، فضلًا عن نشاط للرياح في بعض المناطق.