ما الذي يمكن أن نتعلمه من أفغانستان؟

ما الذي يمكن أن نتعلمه من أفغانستان؟

أظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت الطائرات الحربية الأمريكية تحلق من مطار كابول والمواطنون يتعلقون في أجنحتها للهرب من البلاد (مواقع التواصل)

حين تولى جو بايدن رئاسة الولايات المتحدة الأمريكية في كانون الثاني/يناير الماضي، كان السودانيون قلقون بعض الشيء من أن يؤثر التغيير في سدة القيادة الأمريكية على التقدم الذي أحرزته الحكومة الانتقالية في ملف العلاقات الخارجية، والذي كانت تقف أمامه حجر عثرة العقوبات الأمريكية التي أزالتها إدارة ترامب بعد ثمن سياسي ومادي كبير دفعته الحكومة الانتقالية والشعب السوداني في سبيل الفكاك من العزلة الدولية التي ضربتها الولايات المتحدة على السودان، بعد أن أدرجته في قائمة الدول الراعية للإرهاب في تسعينات القرن الماضي خلال فترة حكم النظام البائد.

استمرار بايدن على نهج سياسة ترامب في أفغانستان يجدر به إيقاظ حلفاء الولايات المتحدة والمرتهنين إلى الخارج لأهمية بناء الداخل والاعتماد على الشعوب في صناعة التغيير المستدام

وحاول جو بايدن طمأنة العالم في خطاب تنصيبه رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية قائلًا: "سنصلح تحالفاتنا ونتعامل مع العالم مرة أخرى"، مُعلنًا أن إدارته تنوي "تولي قيادة العالم مرة أخرى" بحسب مجلة تايم الأمريكية، وشدد بايدن في خطابه على أن: "لن نقود بمثال القوة فحسب بل بقوة المثال أيضًا. سنكون شريكًا قويًا وموثوقًا به من أجل السلام والتقدم والأمن". معلنًا بذلك نهاية أيام انعزالية ترامب التي أتت تحت شعار "أمريكا أولًا"، والتي شهدت رفض الولايات المتحدة تكتلًا تجاريًا متعدد الأطراف، والتخلي عن المعاهدات القديمة، وإهانة الحلفاء.

اقرأ/ي أيضًا: السودان وتسليم المطلوبين للجنائية.. ما الجديد؟

وسرعان ما جددت إدارة بايدن التزامها باستخدام القوة العسكرية للدفاع عن مصالحها ومصالح حلفائها، وذلك في محاولة منها لتأكيد انخراطها من جديد في تحالفاتها الدولية بحسب تايم الأمريكية. ولكن، وبينما كان بايدن يعمل على إعادة العلاقات الأمريكية وترميم الصداقات القديمة عقب الخراب الذي أصابها في عهد ترامب، ظل يؤكد في الوقت ذاته على انسحاب كامل للقوات الأمريكية من أفغانستان، واستمر في سياسة ترامب للخروج عن ما يسميه الأمريكيون الآن بـ"الحرب التي لا نهاية لها".

الخذلان الكبير لقوى التقدم في أفغانستان من قبل حليفها الولايات المتحدة يجدر به إيقاظ حلفاء الولايات المتحدة والمرتهنين إلى الخارج في السودان وفي سائر العالم لأهمية بناء الداخل والاعتماد على الشعوب المحلية في صناعة التغيير المستدام.

السودان.. غربًا باتجاه الشرق

كانت واحدة من أولى زيارات رئيس الوزراء عبدالله حمدوك الخارجية عقب التوقيع على الوثيقة الدستورية واستلام الحكومة الانتقالية لزمام الحكم في البلاد في العام 2019، هي زيارته للولايات المتحدة الأمريكية التي ختمها في كانون الأول/ديسمبر من العام نفسه، ضمن الجهود التي تقودها الحكومة الانتقالية في الملف الأبرز ضمن ملفاتها، ملف العلاقات الخارجية للسودان، والتي كانت في أسوأ حالاتها عقب سنوات الرعونة الإنقاذية.

وعبّر رئيس الوزراء حينها عن تفاؤله برفع اسم السودان من لائحة الدول الراعية للإرهاب. وكشف عن تفاوض مع الولايات المتحدة في قضايا الإرهاب المرفوعة على السودان بالمحاكم الأمريكية، حيث دفع السودان لاحقًا حوالي (335) لتسوية أحكام المحاكم الأمريكية لضحايا الهجمات الإرهابية.

اقرأ/ي أيضًا: السياسات الاقتصادية للحكومة وأسئلة معاش الناس

كانت تلك الزيارة بداية لاتجاه سائد وسط أطراف السلطة الانتقالية بالبلاد في التوجه نحو الخارج لحصد مكاسب في الداخل والترجيح لطرف ضد الآخر في معادلة موازنة الضعف التي تسيطر على مراكز القوى المتعددة والمتنافرة في الحكومة الانتقالية المكونة من شراكة بين شتى تحالفات وتنظيمات الطيف السياسي السوداني، والمكونات العسكرية في البلاد وعلى رأسها القوات المسلحة وقوات الدعم السريع. حيث التقى رئيس مجلس السيادة عبدالفتاح البرهان برئيس الوزراء الإسرائيلي حينها بنيامين نتنياهو سرًا في عنتيبي بعد شهرين فقط من زيارة حمدوك للولايات المتحدة الأمريكية، واتفق معه على التعاون وتطبيع العلاقات، الأمر الذي ربطته الولايات المتحدة لاحقًا برفع العقوبات للي يد الأطراف الرافضة للتطبيع في الحكومة الانتقالية، كما تسبب في أزمة كبيرة وسط مكونات السلطة الانتقالية، وجدل حول صلاحيات رئيس مجلس السيادة.

تكلل لقاء البرهان بنتنياهو بالتوقيع على الاتفاقيات الممهدة للتطبيع وتكلل خطاب حمدوك بإنشاء بعثة (يونيتامس)، لكن كلاهما بمعزل عن رأي الشعب السوداني

بعدها بأيام وفي خضم جدل العلاقات الخارجية والسياسة السودانية، أرسل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك خطابًا للأمم المتحدة بمعزل عن شركائه في السلطة، يطالب فيه بإنشاء بعثة سياسية خاصة تحت الفصل السادس للأمم المتحدة لدعم السلام في السودان، قائلًا في خطابه إن "السودان يطلب من الأمم المتحدة أن تسعى إلى الحصول على ولاية من مجلس الأمن لإنشاء عملية لدعم السلام بموجب الفصل السادس في أقرب وقت ممكن"، مشيرًا إلى "المخاطر التي تحيط بعملية الانتقال في السودان، إلى جانب حمل ذات العملية كافة عناصر النجاح، بما يستوجب على المجتمع الدولي بما في ذلك الأمم المتحدة التقدم الآن للمساعدة في القضايا المطروحة والمستعجلة في إرساء الأساس لمسيرة السودان على طريق السلام"، وهو الخطاب الذي أثار موجة من الجدل في البلاد حول السيادة الوطنية وتوجه الحكومة للخارج لحل المشاكل الداخلية.

تكلل لقاء البرهان بنتنياهو بالتوقيع على الاتفاقيات الممهدة للتطبيع الكامل مع دولة الاحتلال، وتكلل خطاب حمدوك بإنشاء بعثة الأمم المتحدة المتكاملة لدعم الانتقال في السودان (يونيتامس)، كلاهما بمعزل عن رأي الشعب السوداني، رغباته وتطلعاته، بعد ثورة حلم فيها بصناعة مصيره لوحده بسواعد أبنائه.

ترامب وبايدن.. قائدان لأمريكا واحدة

في العام الماضي، أبرم الرئيس الأمريكي دونالد ترامب اتفاق سلام مع حركة طالبان في العاصمة القطرية الدوحة. ولم يقتصر ترامب على استبعاد الحكومة الأفغانية من هذه الصفقة، بل طلبت الولايات المتحدة من كابول إطلاق سراح (5000) سجين من طالبان تلبية لشروط الحركة. وبحسب مجلة تايم الأمريكية، كان الأمر واضحًا جدًا: قررت أمريكا ترامب إلقاء الحكومة الأفغانية من السفينة وإقامة سلام مع نفس الأشخاص الذين خاضت الحرب ضدهم قبل (20) عامًا. ثم أتى خلَفه بايدن مواصلًا في نفس السياسة في أفغانستان، والتي تكللت بالانسحاب الأمريكي الخاطف من البلاد، مبددًا آمال النخب الأفغانية في تغير توجهات الإدارة الأمريكية مع الرئيس الجديد، النخبة التي رأيناها هي وحلفاؤها مذهولين على وسائط التواصل الاجتماعي ووكالات الأنباء من التقدم الطالباني الخاطف في المحافظات الأفغانية.

وبحلول الوقت الذي التقى فيه بايدن بالرئيس الأفغاني أشرف غني، بعد ستة أشهر من وعده بـ "الانخراط مع العالم مرة أخرى"، كانت خطط أمريكا للانسحاب من أفغانستان قد تم تثبيتها بغض النظر عن العواقب. لكن الولايات المتحدة لم تتخلى عن أفغانستان، كما أكد ذلك بايدن -تقول مجلة تايم- حيث أعلن أنه سيرسل ثلاثة ملايين جرعة من اللقاحات إلى البلاد لمساعدة شعبها في محاربة جائحة كورونا. للبقاء على قيد الحياة حتى تأتي طالبان.

اقرأ/ي أيضًا: مبادرة حمدوك وتحديات الانتقال

وكما هو واضح الآن، تجاهلت الولايات المتحدة التقارير العسكرية والمخابراتية وواقع الحال على الأرض، كل ما أرادته هو الخروج من تلك الرقعة الجغرافية التي أسماها بايدن في خطابه التنصلي بـ"مقبرة الغزاة"، كأنما عرفوا هذه الحقيقة فجأة الآن، بعد (20) عامًا من الحرب.

أراد بايدن الوفاء بوعده للشعب الأمريكية غض النظر عن التبعات على الأرض، فكان التدافع الفوضوي الذي رأيناه على الشاشات

أراد بايدن الوفاء بوعده للشعب الأمريكية غض النظر عن التبعات على الأرض، فكان التدافع الفوضوي الذي رأيناه على الشاشات، من أجل خروج "الشريك الموثوق به من أجل السلام والتقدم والأمن"، والذي أسفر عن كارثة إنسانية وأمنية وجيوسياسية في المنطقة المنكوبة، تمثل استمرارًا لتدخل الولايات المتحدة والقوى العظمى في بلاد لم ولن تحصد منهم سوى الخراب.

السودان.. أفغانستان أخرى؟

يسود انطباع لدى السودانيين بارتهان الحكومة الانتقالية بشقيها للتدخلات الخارجية، الأمر ليس بالجديد، فمنذ أيام المجلس العسكري الانتقالي الذي حكم البلاد عقب الإطاحة بالبشير، فطنت القوى الشبابية لهذا الارتهان، حيث سارعت المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة حينها لمساعدة المجلس العسكري الانقلابي بتعهداتٍ بالدعم بقيمة ثلاثة مليارات دولار -تم دفع (500) مليون دولار منها في الحال- بالإضافة إلى دعوماتٍ عينيةٍ من أغذية ووقود وأدوية رخيصة الثمن. فاستنكر شباب الثورة السودانية هذا التدخل الأجنبي، وسيروا مظاهرات أمام سفارات هذه البلدان، وطالبوا بعدم التدخل في الشؤون الداخلية للسودان. وأشار مراقبون إلى أن السودانيون قد أعادوا توجيه المشاعر السودانية التقليدية المعادية للإمبريالية نحو هذه الدول، وهو ما نراه في ردة الفعل الشعبية مع كل زيارة من زيارات المسؤولين للخارج وبالأخص الإمارات العربية المتحدة، التي أصبحت قبلة لمكونات الحكومة بشقيها المدني والعسكري، فما أن تحط طائرة أحدهم في الخرطوم، إلا وحزم الآخر حقائبه في اتجاه أبوظبي، والتي صارت لها دور في جميع المسائل السياسية السودانية، وحتى السيادية منها، مثل التطبيع وقضية الفشقة والتي أرادت فيها قطعتها هي الأخرى جنبًا إلى جنب مع إثيوبيا، في ندية مثيرة للدهشة مع السودان صاحب الأرض.

اقرأ/ي أيضًا: هل يمضي قطار "الانتقال" في السودان؟

لقد فشلت تطلعات المجلس العسكري الانتقالي في الاحتفاظ بالسلطة على الرغم من دعم السعودية والإمارات بسبب الروح الثورية الحية للشباب السوداني، حيث خرجت المظاهرات العارمة في 30 حزيران/يونيو 2019، مانحة قبلة الحياة للأمل في سودان أفضل، الأمر الذي تمخض عن الاتفاق السياسي والوثيقة الدستورية التي تحكم البلاد الآن.

تظل أطراف الحكومة الانتقالية متعلقة بأستار الأجنبي رغم الأصوات المتعددة المطالبة بالالتفات للداخل

ولكن، تظل أطراف الحكومة الانتقالية متعلقة بأستار الأجنبي رغم الأصوات المتعددة المطالبة بالالتفات للداخل، وتظل الطائرات تحلق من مطار الخرطوم كل يوم حاملة على ظهرها أحد المسؤولين، ولكن كان أكبر الخاسرين نتيجة لهذا التوجه هو رئيس الوزراء عبدالله حمدوك، حيث فقد الشعبية الكبيرة والتفويض شبه المطلق الذي حظي به عقب التوقيع على الوثيقة الدستورية، وذلك نتيجة لغياب صوت الشارع عن قراراته، ابتعاده عن قوى الثورة والشباب السوداني النشط، واعتماده على القوى الأجنبية، الأمم المتحدة، الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، في اكتساب القوة في المعادلة السودانية المعقدة.

ولكن يعلمنا التاريخ في فيتنام وفي العراق وفي لبنان وفي مصر وحتى في السودان الدرس القديم المتجدد، أن هذه الدول والمنظمات لا يعنيها أكثر من مصالحها ومصالح سادتها وأجندة داعميها، وها هي الخسارة الكبيرة لقوى التقدم في أفغانستان، تقدم درسًا جديدًا في كيفية أن الاعتماد على قوى الخارج وتجاهل البناء في الداخل، لن يجلب لأصحابه سوى الحسرة، أو السحل تحت إطارات الطائرات الأمريكية القادمة خصيصًا لإنقاذ أبناء العم سام، أما الحلفاء، فربما يتم تخليد ذكراهم في مشهد جانبي في فيلم هوليوود القادم، الذي سيحكي عن بسالة القوات الأمريكية في "الانتصار" على الطالبان.

اقرأ/ي أيضًا

الحركة العمالية في السودان والحقوق المهدرة

حمى الذهب أم حمى الدولة؟