ماذا تبقى من ديسمبر في زمن الخراب الشامل؟
13 ديسمبر 2025
في الذكرى السابعة لثورة ديسمبر 2018، تحضر المناسبة هذه المرة في سياق حرب طاحنة دمّرت الدولة والمجتمع، ووضعت معنى الثورة نفسها أمام اختبار قاسٍ.
يفرض هذا السياق كتابة مختلفة، لا تستدعي ديسمبر بوصفها ذكرى عاطفية، أو لحظة محمّلة بالاحتفالات ولا بالأغاني وحدها، وإنما نقطة مثقلة بأسئلة موجعة فرضتها حرب أبريل، وبوصفها مشروعًا سياسيًا لم يكتمل، وصراعًا لم يُحسم بعد حول شكل الدولة ومن يملك السلطة والسلاح.
مثّلت ثورة ديسمبر لحظة وعي جمعي، عبّر فيها السودانيون عن رفضهم الصريح لحكم العسكر، وللمليشيات، ولنظام الامتيازات، وللاقتصاد القائم على النهب والحرب.
كان الهدف من ثورة ديسمبر هو التأسيس والإصلاح، فشعار "حرية وسلام وعدالة" كان يجسّد الحرية من الخوف والقهر والظلم الذي تعرّض له السودانيون
رفعت الثورة شعارات واضحة وبسيطة في لغتها، عميقة في معناها، وربطت بينها بوصفها شروطًا متلازمة لبناء دولة قابلة للحياة.
كان الهدف من ثورة ديسمبر هو التأسيس والإصلاح، فشعار "حرية وسلام وعدالة" كان يجسّد الحرية من الخوف والقهر والظلم الذي تعرّض له السودانيون كافة، مدنيون وعسكريون دون استثناء.
والسلام بمعناه الأشمل والحقيقي الذي يتجاوز مجرد اتفاقيات لاقتسام الثروة والسلطة. والعدالة التي تعالج تاريخ الانتهاكات والجرائم والمآسي، وتكسر حلقة الإفلات من العقاب.
وعندما نادت الثورة بشعارها: "الثورة ثورة شعب، والسلطة سلطة شعب، العسكر للثكنات والجنجويد ينحل"، كان ذلك هو الحد الأعلى لطموحها التأسيسي.
اليوم، بعد سبع سنوات، يبدو المشهد وكأنه نقيض كامل لتلك الشعارات.
فلا حرية في ظل حرب بالوكالة على موارد الشعب السوداني، ولا سلام في بلد تحوّل إلى ساحات قتال مفتوحة، ولا عدالة في واقع تُرتكب فيه قوات الدعم السريع جرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب على نطاق واسع بلا مساءلة. ومع ذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس لماذا فشلت الثورة، بل: من خانها، وكيف أُفرغت من مضمونها؟
وفي هذا السياق، تتحمّل قوى الحرية والتغيير مسؤولية سياسية مباشرة عن هذا المسار، لأن هذه القوى ضيّعت فرصة تاريخية، وكأنما الثورة شيء يحدث بسهولة أو كل عام، واختارت الدخول في شراكة هشة مع العسكر والدعم السريع، فقدّمت منطق الوصول إلى السلطة على منطق التأسيس، وراهنت على تسوية سريعة مع مراكز القوة، وفارقت طريق الثورة منذ وقت مبكر. لم تفشل الشراكة صدفة، بل فشلت لأنها أبقت السلاح في منتصف السياسة، وشرعنت وجود المليشيات، وأجّلت أسئلة العدالة الانتقالية.
وتشكّل الحرب الحالية ذروة هذا المسار؛ يخوض الجيش الحرب بوصفه فاعلًا سياسيًا، وتخوض الدعم السريع حربها بوصفها مشروعًا اقتصاديًا وعسكريًا عابرًا للحدود، ومدعومًا بشكل واضح من دولة الإمارات. فما نعيشه اليوم هو انفجار مؤجّل لصراع لم يُحسم منذ سقوط البشير، يتجلّى في سؤال: من يملك القوة، ومن يملك القرار؟
في هذا السياق، تصبح ذكرى ديسمبر مساحة للمراجعة لا للنوستالجيا. ديسمبر التي أُنهكت بالرصاص، وبالتشظّي، وبعجز قواها المدنية عن بناء مركز سياسي صلب، وبالرهان المتكرر على الخارج، أو الارتماء في أحضان العسكر، وبالانقسام حول الأولويات: هل نُقدّم السلام أم الديمقراطية؟ العدالة أم الاستقرار؟ وكأن هذه القيم متناقضة بطبيعتها، لا مترابطة عضويًا.
وتتحمّل لجان المقاومة بدورها مسؤولية ذاتية لا يمكن تجاهلها، فقد فوّتت هذه اللجان فرصة ثمينة للتنظيم والبناء القاعدي قبل اندلاع حرب 15 نيسان/أبريل. واكتفت قطاعات واسعة منها بالفعل الاحتجاجي وكتابة المواثيق، ولم تنجح في تحويل قوتها الاجتماعية إلى تنظيم سياسي حديث قادر على تغيير مركز الفعل السياسي وشروط اللعبة نفسها. كان يمكن لهذا البناء أن يغيّر المعادلة كليًا، وأن يتجاوز "سماسرة" السلطة في دولة ما بعد الاستعمار.
ومع اندلاع الحرب، وبرغم كل هذا السواد، لم تُمحَ ديسمبر.
ربما تراجعت من الشوارع، لكنها بقيت في الوعي. بقيت في لجان المقاومة التي حاولت، رغم القمع، ابتكار أشكال جديدة للتنظيم. وبقيت في غرف الطوارئ التي واجهت الحرب بالإغاثة، وبالمطابخ الجماعية، وبمحاولات حماية ما تبقّى من النسيج الاجتماعي. وبقيت، قبل ذلك وبعده، في الرفض السوداني العميق لحكم المليشيا ولعودة الاستبداد العسكري بصوره المختلفة.
وإن أخطر ما تفعله الحرب اليوم هو إعادة تعريف السياسة بوصفها شأنًا عسكريًا بحتًا، واستخدام المليشيات للوصول إلى السلطة. وهنا تحديدًا تستعيد ديسمبر معناها كفعل مقاومة ضد اختزال الدولة في البندقية، وضد تحويل الوطن إلى غنيمة، لأن ديسمبر تمثّل أفقًا مفتوحًا، ومعيارًا نحاكم به كل مشروع لا يضع تفكيك العنف وبناء العدالة في مركزه.
أخطر ما تفعله الحرب اليوم هو إعادة تعريف السياسة بوصفها شأنًا عسكريًا بحتًا، واستخدام المليشيات للوصول إلى السلطة
وتطرح الذكرى السابعة سؤالًا مباشرًا: ماذا يمكن فعله اليوم؟ فلا يفتح الواقع بابًا للحلول السهلة، ويفتح بابًا واحدًا فقط: المزيد من التنظيم، وبناء كتلة سياسية حديثة، مستقلة، وجذرية، تتجاوز نخب ما بعد الاستعمار، وتقطع مع الارتهان للخارج، وترفض عقلية التفكير السلطوي، سواء تلك التي تريد المجيء إلى السلطة على ظهر دبابة أو على متن «تاتشر» مليشيا.
لذلك، يوجب الخروج من الكارثة تفكيك الوجود العسكري والسياسي والاقتصادي للدعم السريع، وتفكيك كل المليشيات الأخرى دون استثناء، ووقف أي شرعنة سياسية للسلاح. ويفرض هذا المسار أيضًا إبعاد قادة الجيش عن أي دور سياسي مستقبلي. فلا يمكن بناء دولة مدنية ديمقراطية مع جنرالات يحتكرون العنف ويتدخلون في الحكم.
وتحتل العدالة الانتقالية موقعًا مركزيًا في هذا الصراع، فلا تستقيم أي عملية سياسية من دون مساءلة مرتكبي الجرائم، ومن دون كشف الحقيقة، ومن دون إنصاف الضحايا. وغالبًا ما تؤدي محاولات تجاوز العدالة باسم الاستقرار إلى إعادة إنتاج العنف، وتمنح القتلة فرصة العودة بأسماء جديدة.
واليوم لا يبدو التمسّك بديسمبر ترفًا ولا حنينًا، وإنما ضرورة سياسية وأخلاقية. هذا التمسك يرفض الهزيمة الذهنية، أو القبول بأن السودان محكوم بالعنف إلى الأبد. وتذكّرنا ديسمبر، بكل ما حملته من أمل وخيبات، بأن هذا البلد يستحق طريقًا آخر كان ممكنًا، ولا يزال ممكنًا، مهما طال الزمن وكثرت الخسائر.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

فَرَّار الجزار
قبل الحرب بأشهر قليلة، التقيت الجزار موسى الضي، وبعدها هجر زاويته المعهودة عند "استوب" شقلبان في شارع الثورة بالنص، مثله مثل كل الوجوه

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء
أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

