مؤتمر برلين.. هل سيكون نقطة تحول في الأزمة السودانية؟
16 أبريل 2026
اختتمت في العاصمة الألمانية برلين، اليوم الخميس 16 أبريل الجاري، أعمال مؤتمر برلين بشأن المساعدات الإنسانية في السودان، وسط آمال واسعة لدى السودانيين في أن يسهم في وقف الحرب التي دخلت عامها الرابع، مخلّفة آلاف القتلى وملايين النازحين، وتدهورًا كارثيًا في الأوضاع الإنسانية.
وعُقد المؤتمر بمشاركة شخصيات وقوى سياسية، بينها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة "صمود"، فيما قاطعته الحكومة السودانية وعدد من القوى المدنية. وتنظم المؤتمر الحكومة الألمانية بالتعاون مع بريطانيا وفرنسا والولايات المتحدة، إلى جانب الاتحادين الأوروبي والأفريقي.
ياسر عرمان: العملية السياسية لن تنجح دون التزام واضح من القوات المسلحة وقوات الدعم السريع وبهدنة إنسانية تخلق مناخًا ملائمًا
ويأتي مؤتمر برلين بعد مؤتمري باريس ولندن، اللذين لم ينجحا في التوصل إلى وقف إطلاق النار أو تحقيق استقرار في البلاد، ما يطرح السؤال: هل ينجح مؤتمر برلين فيما أخفق فيه سابقه؟
البيان الختامي
وتوافق المشاركون في البيان الختامي على الدعوة إلى إنهاء الأعمال العدائية فورًا، والامتثال الكامل للقانون الدولي الإنساني، وضمان وصول المساعدات الإنسانية بشكل آمن وغير معرقل إلى جميع أنحاء السودان.
وشدد البيان على حماية المدنيين واستمرار العمليات الإنسانية، مؤكدًا أن استدامة الوصول الإنساني لا ينبغي أن تُربط بهدنة أو اتفاق لوقف إطلاق النار. كما دعا إلى حوار سياسي سوداني- سوداني يمهّد لانتقال مدني شامل عقب وقف دائم لإطلاق النار، بما يضمن مستقبلاً ديمقراطياً للبلاد.
ياسر خضر: مخرجات المؤتمر ركزت على الجانب الإنساني بصورة انتقائية، مع الإشارة إلى رؤية طرف مدني بعينه، وهو ما قد يكرّس حالة الانقسام ولا يقود إلى توافق حقيقي ينهي النزاع ويضع البلاد على طريق الاستقرار
وطالب البيان أطراف النزاع برفع جميع العوائق التي تعرقل إيصال المساعدات المنقذة للحياة، وضمان وصول الإمدادات والعاملين الإنسانيين بسرعة وأمان. وأدان بشدة أعمال العنف المرتكبة ضد المدنيين، خاصة النساء والأطفال، بما في ذلك الهجمات ذات الدوافع الإثنية، والاعتداءات على العاملين في المجال الإنساني، وقصف البنى التحتية المدنية، والعنف الجنسي والقائم على النوع الاجتماعي.
وحث البيان على وقف كل أشكال الدعم الخارجي لأطراف الحرب، لما له من دور في إطالة أمد النزاع ومعاناة المدنيين. وأعلن دعم جهود المجموعة الخماسية لإيجاد حل للنزاع، ورحّب بتعيين بيكا هافيستو مبعوثًا شخصيًا للأمين العام للأمم المتحدة إلى السودان.
وتعهدت الدول المشاركة بتقديم نحو 1.5 مليار يورو للاستجابة للاحتياجات الإنسانية في السودان والدول المجاورة التي تستضيف أعدادًا كبيرة من اللاجئين، من بينها أكثر من 811 مليون يورو من الاتحاد الأوروبي ودوله الأعضاء.
محمد تورشين: المؤتمر كان حفل علاقات عامة اجتمع فيه بعض السياسيين، لكن على أرض الواقع لا أعتقد أن يكون هناك تغيير
رفض حكومي وتحفظات مدنية
وجددت الحكومة السودانية، عبر وزارة الخارجية، رفضها القاطع للمؤتمر. واعتبرت في بيان صدر الأربعاء أن استضافة ألمانيا له تمثل "تدخلًا مفاجئًا وغير مقبول" في الشؤون الداخلية للسودان. كما تحفظت قوى سياسية ومدنية على انعقاده دون تنسيق مع حكومة الخرطوم، محذرة من أن التعامل مع "الجماعات شبه العسكرية" يقوّض سيادة الدولة.
ووصف البيان الحكومي مؤتمر برلين بأنه يعكس "نهج وصاية استعماريًا لا تزال تمارسه بعض الدول الغربية، في محاولة لفرض أجندتها ورؤيتها على الدول والشعوب الحرة".
مواقف القوى السياسية والخبراء
في المقابل، رأى رئيس الحركة الشعبية "التيار الثوري" ياسر عرمان أن المؤتمر "أضاء عتمة الحرب في السودان"، وجذب اهتمامًا إقليميًا ودوليًا في ظل ظروف معقدة. وقال في مقال نشره على صفحته في "فيسبوك" إن برلين هو المؤتمر الثالث، ومع ذلك تستمر الحرب وتتفاقم الكارثة الإنسانية، داعيًا إلى معالجة أوجه الضعف والمضي نحو توحيد قوى الثورة عبر أطروحات قادرة على جذب كتلة وازنة.
وأضاف عرمان أن انشغال أطراف الرباعية بحرب الخليج دفع رياح الوساطة نحو الخماسية بقيادة الاتحاد الأفريقي، ما مكّنها من تمرير أجندتها، مشيرًا إلى أن اتفاق القوى المدنية في أديس أبابا وبرلين أسقط إعلان الرباعية وإعلان نيروبي، وفتح الطريق أمام الخماسية والدعوة إلى مزيد من العمل في المسار السياسي، في ظل عجز عن تحريك المسار الإنساني.
وأكد أن العملية السياسية لن تنجح دون التزام واضح من القوات المسلحة وحلفائها، وقوات الدعم السريع وحلفائها، وبهدنة إنسانية توسّع الفضاء المدني وتخلق مناخًا ملائمًا لأصحاب المصلحة، وبجدول زمني ملزم لكل الأطراف.
من جهته، وصف الخبير الدبلوماسي السفير ياسر خضر المؤتمر بأنه حلقة في سلسلة ممتدة سبقته حلقتا لندن وباريس.
وقال ياسر خضر لـ"الترا سودان": "وتقف نفس الأطراف التي رتبت ونظمت سابقتيه -الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وألمانيا- إلى جانب الدور البارز لدولة الإمارات، وقد استصحبت معها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي والإيقاد، إلى جانب العديد من الدول لإعطاء المؤتمر زخمًا وشرعية تمهد لترسيخ سردية تمكن تدويل القضية السودانية".
وأضاف أن هذا التوجه واضح في مخرجات المؤتمر الذي فشل في تبني رؤية سياسية تتبنى اعتماد صمود كممثل مدني وحيد لأهل السودان، حيث كان للعديد من الدول المشاركة موقفًا صارمًا من الاعتراف بكيانات موازية للحكومة الشرعية في السودان واعتماد طرف واحد ممثل للسودانيين، في غياب أطياف واسعة من القوى السياسية في المشهد السوداني.
وقال إن المؤتمر، أصدر بيانًا تناول الجانب الإنساني وأشار إلى رؤية الطرف المدني الذي تمت دعوته للمؤتمر في انتقائية مخلة تكرس النزاع ولا تقود إلى وفاق يضع حدًا للحرب، وعودة الاستقرار وإنهاء المعاناة والوصول إلى نقاط التقاء تنهي النزاع السياسي المزمن.
وحذر خضر من خطورة ما ورد من إشارات ناعمة إلى ضرورة المضي نحو اتخاذ قرار بفعل عملي على الأرض ربما يمهد لاستصدار قرارات أممية بعد نقل القضية لمجلس الأمن، تضع البلاد تحت الوصاية الدولية وتمنح القوى المنظمة لسلسلة المؤتمرات وآخرها مؤتمر برلين؛ الحق في إدارة البلاد كما حدث في العراق، عبر تكريس سردية أن حكومة السودان غير قادرة على حماية مواطنيها في كل جغرافيا البلاد، وأن هناك تنازعًا في السيادة بينها وبين حكومة تأسيس التي تسيطر على مساحة معتبرة في دارفور وكردفان.
ولفت إلى أن الإشارة الناعمة للذهب والصمغ العربي في مقال للسيد إبراهيم مو، المعروف بموقفه المتبني لرؤية جماعة صمود ودولة الإمارات، بما يوحي بأن أمرًا يجري تدبيره لوضع ثروات البلاد تحت إدارة دولية حتى لا يتم استخدامها في تمويل الحرب من قبل الأطراف المتقاتلة.
وتابع أن كل ذلك يجعل من المهم جدًا أن تتعامل حكومة السودان والقوى المناصرة لها مع هذه المخاطر بحساسية عالية، ولا تهمل تقديم مبادرات إيجابية ترسل رسائل تنفي عنها عدم الاستجابة للجهود الدولية لوضع حد للقتال وإنهاء المأساة الإنسانية التي يعيشها المدنيون وتهدد الاستقرار في كل دول جوار السودان وتهدد الأمن والسلم الدوليين.
تعويل شعبي وتشكيك في النتائج
وبدوره، يرى الباحث السياسي محمد تورشين أن السودانيين عوّلوا على المؤتمر لمعالجة إخفاقات باريس ولندن، خاصة في الملف الإنساني، مع ارتفاع أعداد النازحين واللاجئين. وأشار إلى أن الأمم المتحدة قدّرت الاحتياجات بأكثر من 2.4 مليار دولار، بينما لم تتجاوز تعهدات المؤتمر 1.5 مليار، متسائلاً عن مدى التزام الدول بالسداد السريع في ظل تطورات إقليمية، أبرزها الحرب على إيران وتداعياتها الاقتصادية.
وأضاف تورشين لـ"الترا سودان" أن المؤتمر لم يأت بجديد سياسيًا، لغياب الأطراف الفاعلة، الحكومة وقوات الدعم السريع، معتبرًا أن آمال السودانيين تبددت عندما لم يخرج المؤتمر بما يوقف الحرب، وقال: "كان حفل علاقات عامة اجتمع فيه بعض السياسيين، لكن على أرض الواقع لا أعتقد سيكون هناك تغيير".
في المقابل، يرى الصحفي والمحلل السياسي طاهر المعتصم أن المؤتمر يعكس "إجماعًا دوليًا وإرادة صادقة"، تجلّت في البيان المشترك بحضور وزراء خارجية وخماسية الوساطة، ما يدل على أن المجتمع الدولي "ضاق ذرعًا بأن تكون حرب السودان منسية".
طاهر المعتصم: المؤتمر يعكس إجماعًا دوليًا وإرادة صادقة، وخطوة مهمة في طريق السلام
وقال المعتصم لـ"الترا سودان" إن المؤتمر خطوة مهمة في طريق السلام، وتوصياته أوضحت أن المدنيين السودانيين يستمعون لصوت العقل عندما تتعقد الأزمة. واعتبره "خطوة قبل الأخيرة قبل مواجهة السودان للفصل السابع"، مشيدًا بتطرقه لقضايا المختفين قسريًا والمعتقلين، وبالتعهدات الدولية التي وصلت إلى 1.5 مليار يورو.
فرصة مهمة
يبقى مؤتمر برلين فرصة مهمة لحشد الدعم الدولي للسودان، لكن نجاحه مرهون بتحوله إلى مظلة سياسية تُلزم الأطراف بوقف القتال، وتوحيد الموقف الدولي، ودعم جبهة مدنية رافضة للحرب. فدون إرادة سياسية حقيقية من الأطراف المتحاربة، تظل التعهدات المالية والبيانات الختامية غير كافية لإنهاء معاناة الملايين.
الكلمات المفتاحية
خطاب حميدتي.. مخرج سياسي أم تعميق للأزمة؟
ظهر قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" في خطاب مصور جديد بثته منصات قواته خلال الأسبوع الأول من مايو 2026، وسط تصاعد الهجمات بالمسيّرات على الخرطوم وولايات أخرى
"العدوان المباشر".. تحول خطير في اتهامات السودان لأديس أبابا وأبوظبي
صعد السودان لهجته ضد كل من الإمارات وإثيوبيا هذا الأسبوع، متهمًا الدولتين بـ"العدوان المباشر" عبر هجمات بالطائرات المسيرة استهدفت مطار الخرطوم الدولي وولايات كردفان والنيل الأزرق. الاتهامات الجديدة ليست معزولة، بل تمثل ذروة توتر متنام منذ اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023.
الطائرات المسيرة.. هل تعيد أجواء الحرب مجددًا إلى وسط السودان؟
عاود النشاط المكثف للطيران المسير إلى وسط البلاد مرة أخرى خلال مطلع مايو الحالي، متطورًا إلى مرحلة اغتيال قادة ميدانيين على تحالف مع الجيش السوداني.
مسؤولة بالشمالية: الولاية استقبلت نحو 4 ملايين شخص ما بين عابر ونازح
أكدت رئيسة لجنة الطوارئ الإنسانية وأمينة الشؤون الاجتماعية بالولاية الشمالية، منال مكاوي، أن الولاية استقبلت نحو 4 ملايين شخص ما بين نازح وعابر ومستضاف، وذلك منذ نشوب الحرب في منتصف أبريل 2023 وحتى تاريخ اليوم.
162 سودانيًا يعودون من ليبيا ضمن برنامج العودة الطوعية
وصل 162 مواطنًا سودانيًا إلى مدينة بورتسودان، اليوم السبت، ضمن الفوج الثالث للعائدين من دولة ليبيا، في إطار برنامج العودة الطوعية للسودانيين.
الأرصاد السودانية: ارتفاع درجات الحرارة وأمطار متوقعة بعدة ولايات حتى الإثنين
أعلنت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية توقعاتها لحالة الطقس خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى استمرار الارتفاع التدريجي في درجات الحرارة
السودان وجنوب السودان يؤكدان التزامهما بنزع السلاح في أبيي وإحياء الآليات الثنائية
أكدت حكومتا السودان وجنوب السودان التزامهما بتنفيذ خطوات لنزع السلاح في منطقة أبيي المتنازع عليها، إلى جانب إحياء الآليات الثنائية المشتركة بين البلدين.