مأساة ريفي شندي.. النيل الذي لا يكف عن ابتلاع الناس مع آمالهم
12 فبراير 2026
ربما لم يكن هناك خيار أو وسيلة أخرى سوى صعود "المركب البدائي" لقطع النيل من قرية "طيبة الخواض" إلى "ديم القراي" لحوالي 30 شخصًا أرادوا العودة من مناسبة اجتماعية مساء الأربعاء 11 فبراير الجاري، وفي بالهم إبحار آمن لا يحمل في طياته سوى سلامة الجميع.
حسب إفادات السائق، فقد المركب التوازن بسبب جلوس الأشخاص في الجزء الخلفي تاركين المقدمة، ووقعت الحادثة على بعد أمتار قليلة من ضفة النيل
في القرى الواقعة على ضفتي النيل بشمال السودان، يطلق المواطنون على المراكب البدائية اسم "الرفاس"، وهي تعمل بنظام "مزود ميكانيكي" صغير يعتمد على الوقود، ولا يتقيد السائقون الذين غالبًا ما يستثمرون في هذه الوسائل البدائية بحمولة المركب، لا سيما مع إصرار الركاب على الانتقال بين ضفتي النهر لكسب الوقت ضمن العرف الاجتماعي السائد في هذه المناطق.
مأساة "طيبة الخواض" تستدعي ذاكرة "كبنة"
أعادت حادثة قرية "طيبة الخواض" شمال مدينة شندي مأساة أطفال قرية "كبنة"، حيث ابتلع النيل في فجر يوم مبكر من أغسطس 2018، مع موسم الفيضانات 24 تلميذاً كانوا في طريقهم إلى المدرسة. واضطر الرئيس المعزول عمر البشير تحت ضغوط الرأي العام في تلك الفترة إلى زيارة القرية المنكوبة بفعل حادثة الغرق، ورغم مخاطبته للمواطنين، لم تكن ضمن زيارته تعهدات بإنشاء جسور للربط بين القرى الواقعة على ضفتي النيل، وظلت الأمور كما هي حتى باتت هذه الحوادث تتكرر بين الحين والآخر.
انعدام الجسور ومعايير السلامة
ويؤدي انعدام الجسور الرابطة بين ضفتي النيل في قرى ولاية نهر النيل إلى تزايد الطلب على المراكب التي يُصنع بعضها من الحديد في ورش هندسية محلية وبعضها من الخشب، وعلى ما يبدو أن الصدفة وحدها تحفظ أرواح المواطنين الذين يصلون سالمين إلى وجهاتهم في ظل انعدام معايير السلامة بالنسبة لهذه المواعين.
المأساة التي ضربت قريتي "طيبة الخواض" و"ديم القراي" شمال شندي بولاية نهر النيل، يعزوها الناشطون والمتطوعون في المنطقة إلى غياب الإرادة الحكومية لإنشاء تنمية ملموسة، من بينها الطرق والجسور لربط القرى الواقعة على ضفاف النيل حتى لا يلجأ الناس إلى مراكب بدائية تنهي حياتهم في ثوانٍ تحت مياه النيل. في مأساة ريفي شندي أبحرت عائلات بأكملها من قرية "طيبة" على متن "المركب الحديدي" ولم تعد إلى منازلها إلا وهي جثث هامدة، بينما تواصل فرق الإنقاذ البحث عن جثامين مفقودة مع تضاؤل الآمال بوجود ناجين.
مفارقة الثروة والخدمات
وتعتبر ولاية نهر النيل التي شهدت حوادث متكررة في غرق عبارات ومراكب خلال السنوات الماضية وحتى الوقت الراهن، من المناطق الغنية بإنتاج الذهب، وتركزت فيها مناجم المعدن الأصفر خلال الحرب باعتبارها من الولايات الآمنة التي لم تمتد إليها الحرب إلا في أطرافها المتاخمة للعاصمة الخرطوم.
وفي تسجيل صوتي تأكد مراسل "الترا سودان" من صحته، قال سائق المركب عبد العاطي الأمين بخيت، إن العدد الكلي للركاب 30 شخصًا، ووقعت حادثة الغرق على بعد أمتار قليلة من ضفة النيل.
وأضاف: "تم انتشال 17 جثة في اللحظات الأولى للحادثة بينما لا تزال ستة جثامين في عداد المفقودين تشمل ثلاثة رجال وطفلًا وامرأتين، بينما دُفن الموتى في مقابر ديم القراي وطيبة الخواض".
وحول الحادثة، أفاد بأن المركب فقد التوازن جراء جلوس الركاب في الجزء الخلفي على الرغم من طلبه بتوزيع الحمولة بين مقدمته والجزء الخلفي، وبعد التحرك بثوانٍ قليلة نزلت مقدمة المركب إلى المياه، وفي هذه اللحظات تسربت المياه وتم فقدان التوازن وحدث الغرق.
ويقول السائق في التسجيل: "الناس ديل ركبوا في راس المركب، ووراء فاضي، ما معاي أي زول، ناشدتهم تعالوا، وراء فاضي، والراس يطلع لي فوق، المركب اتجه نحو الشرق أثناء صراخ النساء".
ويقول متطوعون في انتشال الجثامين إن عدد الركاب وصل إلى 37 شخصًا، مما يضع الشكوك حول الأرقام المذكورة لحظة وقوع الحادثة، باعتبار أن إحصاء العدد لم يكن متوفرًا قبل وقوع الحادث حيث يحصي المتطوعون في ريفي شندي 12 ناجيًا من حادثة الغرق، ووفاة 18 شخصًا، وفقدان سبعة أشخاص، الأمر الذي يرفع العدد الكلي إلى 37 شخصًا كانوا على متن المركب عندما أبحرت من ضفة النيل ولم تستغرق سوى دقائق للغوص تحت المياه.
استخدام مفرط
ويعزو الناشط السياسي والمهتم بقضايا منطقة نهر النيل، محمد الصافي، في إفادات لـ "الترا سودان"، حوادث غرق المراكب البدائية إلى كثافة الاستخدام وسط المواطنين الذين لديهم ضرورات للانتقال بين الضفة الغربية والشرقية بريفي محلية شندي.
ويوضح الصافي بأن "العبارات الحكومية" المعروفة شعبيًا بـ (البنطون) لا تحظى بإقبال المواطنين لأنها تستغرق وقتًا طويلًا يكاد يصل إلى نصف يوم في انتظار إكمال عدد الركاب وشحن السيارات. وتابع بالقول: "لا توجد سوى أربع جسور في ولاية نهر النيل، تم تشييد الأول إبان الاستعمار البريطاني في خمسينيات القرن الماضي، إضافة لجسر عطبرة وأم الطيور وجسر شندي التي شيدت خلال العقدين الماضيين".
ويرى الصافي أن قرى تقع على الضفة الغربية للنيل بمحاذاة محلية شندي لديها ارتباط بالناحية الشرقية، ويضطر المواطنون إلى استخدام مراكب بدائية مصنوعة من مادة "الفايبر" وأخرى من الحديد والتي تُعرف بـ "اللينشات" أو "الرفاس".
الانتقال بحثًا عن المدارس
ويعكس الناشط السياسي والمهتم بقضايا ولاية نهر النيل، محمد الصافي، بعدًا آخر من أزمة التنمية في المنطقة وهي عدم وجود مدارس للمرحلة الثانوية في الضفة الغربية للنيل لقرى ريفي محلية شندي، حيث يضطر الطلاب للإبحار عبر المراكب البدائية يوميًا نحو الضفة الشرقية وهم معرضون لخطر الغرق.
ويقول الصافي إن شركة واحدة تعمل في التعدين سلمت بنك السودان مئات الكيلوجرامات من الذهب قبل أشهر قليلة، وتحقق إيرادات لا تقل عن 50 مليون دولار، والمنطقة ترقد على "بحر من الذهب". كما يتحدث الصافي عن طبيعة النيل بالولاية و"تمرد الأمواج" وعدم وجود مراسي آمنة منذ قديم الزمان، لذلك لا حل سوى إنشاء الجسور، مع الوضع في الاعتبار أن المزارعين الذين يستصلحون الجزر الرملية في النيل أيضًا معرضون لخطر الغرق مع الصيادين بسبب المراكب البدائية.
وختم الصافي إفادته بالقول: "بينما تستعد وزارة المعادن لإنتاج الكوبالت والليثيوم من تخوم محلية شندي، يموت المواطنون غرقًا في مراكب بدائية بسبب انعدام الجسور على مسافات تصل إلى 500 كيلومترًا لا تضم سوى كباري قليلة لا تتناسب مع حاجة السكان لهذه البنية التحتية الضرورية".
الكلمات المفتاحية
صفوت الجيلي.. رحلة فنان من المسرح إلى زنازين الدعم السريع منذ 3 سنوات
منذ أواخر العام 2023، اقتادت قوة من الدعم السريع الفنان الشاب صفوت الجيلي من منزله بمحلية شرق النيل، وأودعته "معتقل الرياض" شرقي العاصمة السودانية.
بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية
بعيون قلقة، وقلب واجف، تنظر أسماء عبدالله إلى ابنتها لجين، وهي تستعد للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام المؤجل 2025، التي تنطلق الاثنين، 13 أبريل 2026، بعد أعوام من التأجيل.
أوجاع بلا نهاية.. عائلات طلاب بشرق أفريقيا تتحمل تكاليف باهظة لامتحانات الشهادة السودانية
حتى تتمكن من الوصول إلى مرحلة امتحانات الشهادة السودانية، واجهت عائلات الطلاب والطالبات سلسلة من التعقيدات التي تبدأ بالبحث عن مدارس سودانية
السودان.. أسعار الخبز تدفع النساء في بعض المدن إلى تجهيزه في المنزل
يدفع ارتفاع أسعار الخبز في بعض مدن الولاية الشمالية النساء إلى ابتكار خطط بديلة عبر إعداده منزليًا؛ حيث يُوضع "العجين" على نار هادئة مصدرها "أفران" شُيّدت من الطين في فناء المنزل، أو اللجوء إلى الأفران الكهربائية في حال توفر الإمداد واستقراره.
مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم
قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.
نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح
نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى
تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات
أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.
هيئة الأرصاد: ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء السودان ونشاط للرياح
أفاد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية بحدوث ارتفاع مستمر في درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، فضلًا عن نشاط للرياح في بعض المناطق.