كيف أثَّرت وسائل التواصل في تشكيل الصورة الذهنية لدى الشباب عن حرب السودان
28 نوفمبر 2025
لم تعد الحروب في هذا العصر تحدث في أرض الواقع فقط كما في السابق؛ بل باتت الشبكة العنكبوتية ساحة مهمة من ساحات الصراع لتشكيل الصور الذهنية للحرب، وفرض سرديات بعينها وتوجيه الرأي العام وتشكيله بما يخدم هذا الطرف أو ذاك؛ حيث يتم استغلال كل الأدوات من دعاية وتضليل إعلامي وبث معلومات خاطئة وغسيل دماغ؛ وحب نفسية، لتحقيق أهداف الحرب.
"أكبر حملة إعلامية في الحرب النفسية استخدمها الإعلام المساند للجيش هي شائعة مقتل حميدتي التي انتشرت انتشارًا كبيرًا حتى أصبحت بمثابة الحقيقة، وأدخلت اليأس والقنوط لدى مقاتلي الدعم السريع الذين فر منهم جزء كبير نتاج هذه الحملة"
وبقدر ما يبدو التساؤل معقدًا ولا سبيل إلى إجابته علميًا بشكل دقيق لغياب الإحصاءات الدقيقة وآليات المراقبة ومراكز الدراسات المتخصصة في ظل استمرار الحرب نفسها وظلالها التي تخيِّم على السودان والسودانيين؛ لكن بوسعنا النظر بشكل عام إلى تمظهرات تأثير وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الصورة الذهنية لدى الشباب عن الحرب في السودان؛ حيث توجد دلائل هنا وهناك على ذلك الأثر يمكن تتبعها واستقراء ما حدث.
بروباغندا وسرديات
منذ انطلاق الرصاصة الأولى للحرب في فجر 15 نيسان /أبريل 2023 انطلقت غرف إخبارية واستخباراتية ضخمة للترويج وبث الدعاية عن الحرب، منذ التساؤل الأول حول من أطلق الرصاصة الأولى؛ حيث قدمت القوات المسلحة روايتها حول الحرب عبر الناطق الرسمي الذي صرّح قبل يومين من انطلاق الحرب أن هنالك قوة من قوات الدعم السريع انفتحت عبر تشكيلات عسكرية ضخمة في محيط العاصمة الخرطوم، أيضًا وصلت قوة من الدعم السريع إلى قاعدة مروي العسكرية وسيطرت على المطار الحربي والقاعدة العسكرية، وأسرت القوة السودانية والمصرية من القوات الجوية المصرية التي كانت تجري مناورات مع القوات المسلحة السودانية، وبثت فيديو للأسرى المصريين من الجنود والضباط؛ بزعم تدخل دولة مصر في الشأن السوداني وأن هذه القوات موجودة للاشتراك في ضرب الدعم السريع.
في تلك الأجواء أصبحت المعلومات تمثل أهمية كبرى للمواطنين السودانيين داخل وخارج السودان؛ فهي تعني النجاة من الموت والانتهاكات أو العكس تمامًا في غيابها؛ وانتشرت الشائعات والمعلومات المضللة في وسائل التواصل الاجتماعي.
تقول سردية الدعم السريع إن الإسلاميين حاصروا معسكرهم بالمدينة الرياضية وأطلقوا عليهم الرصاص وهم خاضوا الحرب دفاعًا عن أنفسهم؛ بينما تذهب سردية الجيش إلى أن الدعم السريع أدخل معدات عسكرية ثقيلة وقوات كبيرة تم جلبها من إقليم دارفور وذلك للاستعداد للحرب، التي كان يجهِّز لها وأن الرصاصة الأولى أطلقت يوم 13 نيسان /أبريل في مروي وليس يوم 15 في المدينة الرياضية.
الحرب النفسية
متلازمة مع سير الأعمال العسكرية؛ انتظمت وسائل التواصل الاجتماعي حملة مكثفة مما يعرف بالحرب النفسية التي تتضمن استخدام الدعاية، والشائعات، والتضليل الإعلامي والتهديد والترويج للمعلومات المضللة لخلق حالة من اليأس والخوف والشك لدى العدو أو المجتمع المستهدف؛ وتهدف هذه العمليات إلى التأثير على معنويات الأفراد والسيطرة على أفكارهم وتوجيه سلوكياتهم بطرق غير مباشرة.
وقد شاهدنا استخدام هذه الأساليب في مواقع التواصل الاجتماعي من قبل إعلام طرفي الحرب، القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، التي كانت تأتي بثمارها لكل منهما؛ وكانت أكبر حملة إعلامية في الحرب النفسية استخدمها الإعلام المساند للقوات المسلحة هي شائعة مقتل حميدتي قائد قوات الدعم السريع؛ التي انتشرت انتشارًا كبيرًا حتى أصبحت بمثابة الحقيقة لدى قطاع كبير من السودانيين، وأدخلت هذه الشائعة اليأس والقنوط لدى مقاتلي الدعم السريع الذين فر منهم جزء كبير نتاج هذه الحملة.
الاستقطاب والتجنيد
نتيجة للحملات الإعلامية انخرط كثير من الشباب السوداني في معسكرات التدريب العسكري وانضموا إلى صفوف المقاومة الشعبية، بعد مشاهدتهم للأعمال الإجرامية التي يقوم بها مقاتلو الدعم السريع من قتل واغتصاب وانتهاكات وإخفاء قسري وتعذيب، الذي كان يتم بثه أيضًا من قبل الدعم السريع لتحقيق هدف آخر هو تحطيم الروح المعنوية وإخضاع السودانيين والقبول بسيطرة قوات الدعم السريع على المناطق التي بسطوا نفوذهم عليها وإلا نالهم الشيء ذاته الذي يتم الترويج له.
أيضًا استخدمت غرف إعلام الدعم السريع قادة الإدارة الأهلية في مناطق غرب السودان لتسجيل فيديوهات دعم ومناصرة للدعم السريع وطلب الفزع الأهلي ونتيجة لذلك انضم شباب كثر للدعم السريع.
"لم تعد الحروب في هذا العصر تحدث في أرض الواقع فقط كما في السابق بل باتت الشبكة العنكبوتية ساحة مهمة من ساحات الصراع لتشكيل الصور الذهنية للحرب"
صور ذهنية
انخرط كل طرف في بث معلومات وأخبار وسرديات، ونتيجة لذلك تكونت الصور الذهنية للشباب السوداني الذي كان يبحث عن المعلومات في وسائل التواصل الاجتماعي؛ ونتيجة لذلك يعثر الشاب على السردية المحددة التي تستهدفه؛ بزاوية النظر المحددة التي تعكف عليها الغرف الإعلامية؛ حيث ظلت الغرف الإعلامية للقوات المسلحة تعمل على فرضية أن الجيش هو الممثل الشرعي والمحتكر القانوني الوحيد للعنف؛ وأن المعركة معركة بقاء الدولة في مقابل مليشيا تمردت على القوات المسلحة، وعلى الدولة وأرادت تقويض حكم القانون والدستور، وفي طريقها ذلك قتلت ونهبت واستولت على ممتلكات المواطنين ومنازلهم ودمرت البنية التحتية.
بينما انخرطت غرف إعلام الدعم السريع في عدة سرديات بداية بقتالهم للإسلاميين الذين أرادوا حسب زعمهم العودة للحكم، بداية بإزالة العائق الوحيد الذي يقف في طريقهم لذلك وهو قوات الدعم السريع، وأن الاتفاق الإطاري الذي سيبعد الجيش عن السياسة هو ما دفع الإسلاميين الذين يسيطرون على الجيش للحرب؛ لم تلبث هذه السردية أن تغيرت إلى سردية جديدة عن المركز والهامش، وأنهم يقاتلون أبناء المركز الذي عمل على تهميش الأقاليم وخاصة إقليم غرب السودان؛ واستهدفوا في هذه السردية جميع أبناء الأقاليم التي يعدونها مهمشة، ومن الملاحظ أن هذه الفرضية تمت عقب تحالف الدعم السريع مع الحركة الشعبية لتحرير السودان شمال جناح عبدالعزيز الحلو، الذي يرفع هذه الشعارات، مع إضافة المطالبة بالعلمانية التي يصر عليها عبدالعزيز الحلو. هذه الحملات الإعلامية والدعاية كان هدفها توسيع دائرة الاستقطاب والتجنيد للدعم السريع، وضم أكبر مجموعة من الشباب للقتال بجانبهم أو دعم خطهم العسكري والسياسي.
المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

في الذكرى الـ"70" للاستقلال.. ماذا فعلنا بالبلاد؟
أطلت قبل أيام الذكرى السبعين للاستقلال المجيد؛ الذي جاء ثمرة كفاح طويل وسعي حثيث للتحرر الوطني من ربقة الاستعمار الإنجليزي، قُدِّمت في سبيله الأرواح

فَرَّار الجزار
قبل الحرب بأشهر قليلة، التقيت الجزار موسى الضي، وبعدها هجر زاويته المعهودة عند "استوب" شقلبان في شارع الثورة بالنص، مثله مثل كل الوجوه

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

الملح في حروب جبال النوبة
في حروب جبال النوبة لم تكتب كل الوقائع في الوثائق، ولم تقع جميعها ضمن حبر الباحثين والكتاب، فكثير من الأحداث الكبرى ظل محفوظًا في الذاكرة الشفاهية،

