"كنغولية حميدتي".. بين جدل الهوية والابتزاز السياسي
25 فبراير 2026
في العام 2019 الذي سقط فيه الرئيس المخلوع عمر البشير بثورة شعبية أطاحت بنظام حكمه، الذي بلغ أكثر من ثلاثة عقود، جهزت مراسم القصر فيديو كليب أغنية "أنا افريقي أنا سوداني" ضمن الاحتفالات بذكرى الاستقلال، الأغنية رائعة رائد الغناء الحديث في السودان، إبراهيم الكاشف، وأداها كورال كلية الموسيقى والمسرح بقيادة شرحبيل أحمد ومشاركة عدد من الفنانين والفنانات الأفارقة أبرزهم الفنانة المغربية أسماء حمزاوي، والفنان الإثيوبي الكبير محمود أحمد، والفنانة الأوغندية شيفا موسيس، وفرقة أورباب بقيادة ستيفن أوفير أوشلا، التي صاحبت الأغنية برقصات مع ارتداء أزياء أظهرت الطابع الافريقي، كما ارتدى جميع أفراد الكورال اللبسة الكنغولية الأفريقية. كانت الرسالة آنذاك، أن السودان يتجه إلى إفريقيا عقب يأس نظام البشير من العلاقات الفاترة مع المنطقة العربية، ويبدو أن مكتب البشير أو جهاز مخابراته أو عقله المفكِّر؛ أوحى له بأن هذا الوقت المناسب للاتجاه إلى العلاقات الافريقية، ولم يلبث البشير كثيرًا في الحكم إذ وفي غضون الإعداد لتدشين تلك المرحلة هبت ثورة ديسمبر وأطاحت بحكمه في غضون بضعة أشهر.
"منذ الستينيات انتظمت أروقة المثقفين السودانيين حركة دؤوبة فيما يخص الهوية السودانية، وأديرت مناظرات حول هوية السودان هل هي عربية أم أفريقية، قاد هذا الحراك مجموعة من الرموز الأدبية والفكرية
قبل أيام ظهر قائد مليشيا الدعم السريع محمد حمدان دقلو "حميدتي" بعد اختفاء طويل، في أوغندا وهو مرتديًا اللبسة الكنغولية كاملة "بنطال وقميص" لدى هبوطه من الطائرة التي أقلته إلى كمبالا، ثم التقى بالرئيس موسفيني، ثم بعدها قدم خطابًا، وفي كافة ظهوراته تلك حرص على ارتداء ملابس أفريقية الطابع، اختلفت وتنوعت ألوانها، لتذهب الأنظار إلى الوجهة ذاتها التي حاول منسوبو البشير من قبل العمل عليها، وهي تقديم إطار بصري للخط السياسي المزمع انتهاجه عبر الزي أو الأغنية المصورة.
الرسالة السياسية التي حاول حميدتي توصيلها أكدها رئيس وزراء ما تسمى بحكومة تأسيس محمد حسن التعايشي في لقائه عبر إحدى القنوات، إذ قال: "قلت للسيد القائد بأن من هداك إلى ارتداء الكنغولية قدم لك أكثر فكرة عظيمة؛ لكنه قال لي إن هذه الفكرة هي فكرتي أنا"، يحاول التعايشي الذهاب إلى أن فكرة ارتداء الزي الأفريقي نفسها هي فكرة حميدتي ولم يدله شخص أو جهة إلى هذا الأمر.
منذ الستينيات انتظمت أروقة المثقفين السودانيين حركة دؤوبة فيما يخص الهوية السودانية، وأديرت مناظرات حول هوية السودان هل هي عربية أم أفريقية، قاد هذا الحراك مجموعة من الرموز الأدبية والفكرية، لمدارس أدبية ونقدية سُميت بالغابة والصحراء والسودانوية ومدرسة الخرطوم في الحقول الثقافية المختلفة عبر الشعر والقصة والتشكيل، لنحت مذهب فكري وثقافي لما هي عليه هوية السودان، أبرز هؤلاء هم الشعراء محمد عبد الحي وصلاح أحمد إبراهيم والنور عثمان أبكر والتشكيليين الراحلين أحمد الطيب زين العابدين وأحمد عبدالعال؛ لتبقى الهوية أحد أهم شواغل المثقف السوداني التي عمل عليها.
المفارقة تكمن في أن حميدتي المنسوب إلى المجموعات العربية في إقليم دارفور، وارتكبت قواته جرائم إبادة عرقية في حق المكوِّنات ذات الطابع الافريقي سابقًا عندما كان يقاتل لصالح البشير، ولا تزال مليشياته تعمل في الإقليم بذات الدوافع العنصرية، وارتكبت مجازر في حق مكونات بعينها مثل المساليت في الجنينة التي راح ضحيتها أكثر من 10 آلاف مواطن، يقوم بهذه المناورة التكتيكية البصرية معززًا الهيئة الأفريقية التي ظهر بها عند نزوله من الطائرة في أوغندا في خطابه الذي قدمه بأنه يرى بأن السلام يجب أن يكون أفريقيًا، وأن هيئة الايقاد هي المعنية بهذا الأمر، متطرقًا إلى منبر جدة وتحفظاته عليه، ويأتي هذا التحول مقروءًا مع التطورات الأخيرة في الإقليم.
المفارقة الثانية تكمن في أن قائد المليشيا حميدتي يحاول أن يبدأ من حيث انتهى الرئيس المخلوع عمر البشير، عرابه الحقيقي الذي أوجده وأنشأ له مليشيا وجهَّزه بالعدة والعتاد، رغم أنه يحاول عبثًا القول إن حربه هي على الحركة الإسلامية ومنسوبيها في جهاز الدولة، لكنه يعمل ويفكر ويفكر له منسوبو الحركة الإسلامية ذاتها أمثال حسبو محمد عبدالرحمن نائب الأمين العام للحركة الإسلامية السابق، ونائب الرئيس المخلوع عمر البشير، ويقاتل إلى جانبه عدد من فلول النظام السابق الذين يرتبطون بأواصر قبلية وعرقية معه.
الغرفة الاستخباراتية التي تعمل خلف مليشيا الدعم السريع التي تختار مواقيت ظهور قائد المليشيا وطبيعة الخطاب الذي يقدمه، والشخصيات التي يلتقيها، حاولت أن تبث رسائلها من وراء هذا الظهور بدقة، بدءًا من الزي الذي ظهر به في كافة ظهوراته في تلك الرحلة، وانتهاءً بالخطاب المباشر عن ضرورة أن يأتي السلام من ماما أفريكا، لا من أية مدينة عربية، في إشارة إلى منبر جدة الذي وضع إعلان المبادئ الشهير للاتفاق بين مليشيا الدعم السريع والحكومة السودانية، وهذه الغرفة الاستخباراتية ليست بعيدة عن راعي المليشيا الإقليمي الذي يحاول الاستفادة من المليشيا وتوظيفها في الصراع الإقليمي الكبير الذي يقوده ضد الدول العربية.
الغرفة الاستخباراتية التي تعمل خلف مليشيا الدعم السريع التي تختار مواقيت ظهور قائدها وطبيعة الخطاب الذي يقدمه، والشخصيات التي يلتقيها، حاولت أن تبث رسائلها من وراء هذا الظهور بدقة
لم تعد ألاعيب تغيير الوجهة الهوياتية للسودان تعمل، فقد تكرر استخدامها كثيرًا في ابتزاز الداخل والخارج؛ لكنها تكون رسائل تمهيدية للانقلاب على الاتفاق الأساسي الذي يمكن أن يتم البناء عليه، والذي حدث في منبر جدة، وتطرق إليه قائد المليشيا بما يشي بعدم رضاه عن مخرجات تلك اللقاءات التي سبقت إعلان المبادئ، وهذا ما تحاول تلك الجهة تحديدًا الذهاب إليه وتأكيده، لعجزها عن الإفصاح بلسان صريح باسمها، لذلك تحاول استنطاق ألسنة مختلفة حتى لو أدى ذلك الى التضحية ببعض القطع في رقعة الشطرنج التي أوشكت على الانتهاء، فالجيش السوداني الذي يتقدم في محاور القتال لا يزال قائده يؤكد عدم الاستجابة الى الضغوط المتزايدة بخصوص الاتفاق مع المليشيا على تقاسم السلطة من جديد، ولا سبيل إلا تفكيكها وإنهاء مغامرتها المسنودة من قبل الخارج.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟
ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟
امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة
لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين
يمين أوروبا وهواجس "الأخونة": قراءة في أبعاد قرار البرلمان الهولندي
شهدت الأروقة السياسية في هولندا خلال الأسبوع الماضي إقرار البرلمان الهولندي مقترحًا يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية". هذا القرار، الذي استقبله "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" (صمود) بحالة من الاحتفاء والارتياح، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز في عمقها مجرد التضييق على تنظيم سياسي، لتلمس مآلات الوجود المهاجر في "القارة العجوز".
مسعد بولس والإمارات.. التلويح بفزاعة الإسلاميين للهيمنة على السودان
في حديثه عن الإسلاميين، يتماهى مسعد بولس مع السردية الإماراتية التي تسمح بها لنفسها بالتدخل في الشأن السوداني وإذكاء نار الحرب ضد الدولة السودانية. تنكر الإمارات العربية المتحدة أي دور لها في السودان، لكنها لا تفوت أي مناسبة لتأكيد روايتها حيال الحرب القائمة في البلاد، مشددة على أنها من فعل "المتطرفين" و"الإسلاميين"
السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟
بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.
شعبة مصدري الذهب تطالب الحكومة بالتدخل لملاحقة الفساد في القطاع
قالت شعبة مصدري الذهب إن المعدن الأصفر قد يساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية، إذا تمكنت الحكومة من سد منافذ التهريب ومكافحة الفساد والتجاوزات، متوقعة ارتفاع عائدات الذهب إلى 6 مليارات دولار سنويًا من المعدن النفيس، حال تطبيق إصلاحات جذرية في هذا القطاع
جريمة مروعة تهز كاب الجداد.. مقتل تاجر داخل منزله
شهدت منطقة كاب الجداد بولاية الجزيرة جريمة قتل بشعة هزت سكان المنطقة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على قتل تاجر ملابس داخل منزله في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، في حادثة أثارت حالة من الخوف وسط الأهالي.
حريق يدمر 17 منزلًا في مدينة الطويشة بولاية شمال دارفور
أعلنت غرفة طوارئ محلية "الطويشة"، الواقعة جنوب شرق مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، عن اندلاع حريق هائل مساء السبت، أسفر عن تدمير 17 منزلًا بالكامل، دون تسجيل خسائر في الأرواح.