قضايا

قضايا "المناصير".. مظالم تاريخية تغذيها أذرع النظام البائد

بداية اعتصام المناصير بالقرب من الطريق المؤدي إلى بورتسودان (الترا سودان)

على مدى أيامًا تشهد قرى المناصير بمنطقة المكابراب في ولاية نهر النيل شمالي السودان والمهجرين من أراضيهم بعد إنشاء سد مروي، توترًا انتهى إلى اعتصام مفتوح بدأ الجمعة الماضية على خلفية نزاع بين الأهالي المهجرين ومستثمر أجنبي منحته السلطات المحلية تسهيلات لري مشروعه الزراعي من قناة الري الرئيسية الخاصة بمشروع المهجرين. ما اعتبره المهجرون تغولًا على حصة مياه مشروعهم الزراعي الذي يواجه مشكلات عديدة أبرزها عدم توفر مياه الري طوال السنوات الماضية التي أعقبت هجرتهم للمنطقة الخلوية في العام 2007.

اليوم الثلاثاء، صعَد المهجرين من احتجاجهم السلمي، ونصبوا خيامًا قبالة الطريق القومي الرابط بين العاصمة السودانية وبورتسودان مهددين بغلق الطريق السريع

غلق الطريق السريع

واليوم الثلاثاء، صعَد المهجرون من احتجاجهم السلمي، ونصبوا خيامًا قبالة الطريق القومي الرابط بين العاصمة السودانية الخرطوم مرورًا بمدينة عطبرة إلى مدينة بورتسودان الساحلية التي تضم أكبر الموانئ السودانية. قبل أن يهددوا باغلاق الطريق حال لم تستجب السلطات المحلية ممثلة في حكومة الولاية لمطالبهم التي وصفوها بالمشروعة.

اقرأ/ي أيضًا: بائعات الشاي والمأكولات.. مطالب ممكنة وأحلام مشروعة

وأبرز المطالب التي دفعت المهجرين للاحتجاج يجملها، عضو لجنة المتأثرين ياسر محمد على في حديث لـ"الترا سودان" في الايقاف الفوري لري مشروع المستثمر الأجنبي المسمى "مشروع الركاض الزراعي" والذي تبلغ مساحته (2000) فدان ويقع في الناحية الجنوبية لمشروع توطين المناصير، من الترعة الرئيسية لمشروع التوطين.

ويشير محمد علي، إلى أنهم خلال السنوات الماضية واجهوا تجاهلًا متعمدًا من قبل الحكومات المحلية التي تعاقبت على إدارة ولاية نهر النيل، وأن ذلك التجاهل امتد لنحو 14 عامًا ولم تعترف خلالها السلطات المحلية رسيمًا بمساحة مشروع التوطين ولم تصدر له شهادة بحث توثق ملكيته للمهجرين منذ قيام سد مروي.

وأضاف عضو لجنة المتأثرين "كل تلك الحكومات كانت تصر على أن مشروع التوطين مشروع حكومي وهذا على عكس ما تم التوصل إليه في كل اتفاقيات التعويض التي جرى التوقيع عليها مع وحدة تنفيذ السدود في العهد البائد".

إهمال أمتد لسنوات

والسبت الماضي، دفع المحتجون بمطالبهم لوالي الولاية، وتمثلت في ضرورة تحديد المشروع بخريطته الصادرة بموجب القرار الرئاسي لسنة ٢٠٠٤ واستخراج شهادة بحث للمشروع، وحل مجلس إدارة المشروع التابع للنظام البائد وتكوين مجلس إدارة منتخب من المزارعين، واختيار مشغل للمشروع من طرف مجلس الإدارة الجديد وفقًا لشروط المجلس الإداري، إلا أنه ووفقًا لمحمد علي، وفور الانتهاء من الاجتماع وعودة ممثلي المهجرين إلى مقر الاعتصام تفاجأ الناس بآليات تتبع للمستثمر الأجنبي تعاود عملها بشق ترعة من قناة الري الرئيسية الأمر الذي اضطرهم لتوسيع اعتصامهم.

اقرأ/ي أيضًا: استعادة نقابات السودان.. تمرين ديمقراطي يلوح في الأفق

وتسرد المهندسة الزراعية بالمشروع، ندى خليفة، سوء الإدارة الذي لازم مشروع المهجرين بمنطقة المكابراب. وتقول خليفة، "لا يعقل أن تتخلى إدارة المشروع المشتركة بين إدارة تنفيذ السدود وشركات خاصة عن ري موسم زراعي مهم للسكان كالموسم الشتوي الذي يعتمدون عليه في تامين غذائهم السنوي". وتضيف ندى لـ"الترا سودان"، "أبلغت الإدارة المشتركة المزارعين المهجرين بعدم قدرتها على ري المشروع بل تفاجأ السكان بأن الحكومة صدقت لإدارة مشروع الركاض الذي يملكه مستثمر أجنبي بري المشروع من الترعة الرئيسية لمشروع المهجرين، وهذا يعني أن حديث الإدارة عن عدم قدرتها ري مشروع التوطين هو ظلم وغش الأمر الذي اضطرنا للاحتجاج والاعتصام إلى حين حل هذه المشكلات".

وأشارت ندى خليفة- وهي أيضًا عضو لجنة المقاومة بقرى التهجير- إلى جانب المشاكل الموجودة منذ العهد البائد في المشروع الزراعي، إلى أن هناك مشاكل عديدة في الخدمات داخل هذه القرى التي هُجر إليها المناصير المتاثرين بقيام سد مروي منذ العام 2007.

وقالت "من بين (16) طلمبة تسحب المياه من النيل والتي تأسس عليها المشروع تعمل الآن طلمبتان فقط لري نحو (35) ألف فدان.. هذا فشل ذريع في للإدارات الحكومية والخاصة المتعاقبة على المشروع". وأضافت "سنبقى في أرض الاعتصام إلى حين حل هذه المشكلات جميعها.. دفعنا ثمنًا باهظًا وهجرنا لصالح مشروع قومي لكن ما واجهناه من مشاكل وإهمال حكومي كان مخيبًا وسنعمل على تعديل اعوجاجه".

اقرأ/ي أيضًا: نساء جبال النوبة.. عزلة تمتد من مناطق الحرب حتى حواضر المدن!

وعد حكومي جزئي

وعقب التصعيد بنقل الاعتصام إلى الطريق السريع القومي، الخرطوم- عطبرة- بورتسودان-توقف والي الولاية المعين بواسطة المجلس العسكري السابق صباح اليوم الثلاثاء، وكان مارًا بالطريق القومي، وخاطب المحتجين واعدًا بحل إدارة المشروع وإيقاف ري مشروع المستثمر الأجنبي من ترعة مشروع التوطين-لكن وبحسب معتصمين تحدث إليهم "الترا سودان" لم يتحدث الوالي في بقية المطالب التي هو على علم بها.

وقال عمر محمد أحمد، وهو أحد المنظمين للاعتصام لـ"الترا سودان"، "سنبقى في الميدان وننتظر تحقيق مطالبنا كاملة".

وهجرت حكومة الرئيس المخلوع عمر البشير الآلاف من أبناء المناصير بعد بناء سد مروي لتوليد الكهرباء في أراضيهم وافتتاحه في آذار/مارس 2009. وتوزعت قرى تعويض المهجرين من منطقة المناصير إلى ثلاث مناطق بولاية نهر النيل هي مناطق الفداء، والخيار المحلي حول بحيرة السد، ومنطقة المكابراب. 

وقاد المناصير أشهر وأطول اعتصام في أرياف السودان أمتد لقرابة الأربع أشهر في مدينة الدامر بولاية نهر النيل في تشرين الثاني/نوفمبر ٢٠١١ احتجاجًا على تجاهل حكومة المعزول تنفيذ مشروعات إعادة توطينهم في منطقة الخيار المحلي، وتقول اللجنة التنفيذية للمتأثرين أن اعتصامهم "كان نموذجًا ناجحًا أعاد الثقة في النضال المدني السلمي لانتزاع الحقوق ضد النظام البائد، علاوة على تقديمهم تضحيات عظام من أجل أن ينعم الشعب السوداني بالكهرباء وزيادة الرقعة الزراعية".

طالب البيان، الحكومة الانتقالية ممثلة في مجلس السيادة والسيد رئيس الوزراء بتحمل مسؤولياتهم التاريخية وسرعة التدخل من أجل إنقاذ الموقف

 وأضافت اللجنة في بيان على خلفية أحداث منطقة المكابراب "استبشر نحن المتأثرون خيرًا بأن تسوى ظلاماتنا في ظل  الدولة المدنية وحكومة الثورة، لكن يبدو أن الحاكم المكلف لولاية نهر النيل يمثل امتدادًا طبيعيًا لنهج النظام البائد في التسويف إذ ظل يماطل في إنصاف أهلنا في قرى المناصير الجديدة بالمكابراب مفضلًا الوقوف مع المستثمر الأجنبي ضد مواطني ولايته". وطالب البيان الذي أطلع عليه "الترا سودان"، الحكومة الانتقالية ممثلة في مجلس السيادة والسيد رئيس الوزراء بتحمل مسؤولياتهم التاريخية وسرعة التدخل من أجل إنقاذ الموقف حتى لا يتطور إلى ما لا تحمد عقباه ويكون له بالغ الأثر على الأمن والسلم الاجتماعي بالبلاد.

ودعت اللجنة التنفيذية المتأثرين بالسدود كافة والمقيمين بالخيار المحلي والفداء والخرطوم للحراك لدعم الثوار بقرى المناصير الجديدة بالدامر في قضيتهم العادلة.

 

اقرأ/ي أيضًا

الظروف الاقتصادية الصعبة تجبر أطفال النازحين في دارفور على هجر التعليم

تلفزيون السودان.. هل ينجح في اختبار ثقة الجماهير؟