في قرى الجزيرة.. الحرمان من الكهرباء يعيد الناس إلى عصر الراديو
24 أبريل 2025
في قرية صغيرة غرب ولاية الجزيرة، استعادها الجيش في كانون الثاني/يناير 2025، يحمل أحدهم جهاز راديو قديم، يضخ الحياة فيه من بين المُهملات القابعة في قبو المنزل. وربما لم يشأ النهابون، خلال مداهمات هذه القرى التي تعتمد على الزراعة، مجرد عناء النظر إلى الجهاز الإذاعي، كونه في نظرهم بلا قيمة.
لا شك أن الأخبار، في مثل هذه الأوقات الساخنة في السودان، تشكل أهمية قصوى، خاصة لأولئك الذين ينشدون عودة الأوضاع إلى طبيعتها، أو حتى وعودًا حكومية بالإعمار قد لا تحدث قريبًا. لذلك، فإن الاستماع إلى الإذاعة بات رفاهية في تلك القرى الصغيرة.
يولد الشخص في السودان وهو في حالة قلق، للبحث عن مصادر الطاقة، لأنها لا يمكن الاعتماد عليها في أغلب الفترات
يولد الشخص في السودان وهو في حالة قلق، للبحث عن مصادر الطاقة، لأنها لا يمكن الاعتماد عليها في أغلب الفترات. وإن فشل في العثور عليها في أشد الأوقات، يلجأ إلى إشعال الموقد المنزلي ليطهو الطعام، ويعد القهوة، ويستخدم ما تبقى في طي ملابسه بواسطة "المكواة" البدائية المصنوعة من الحديد الصلب. وإزاء هذا الإلحاح والرغبة في اقتناء مصادر الطاقة، عاد السودان خلال الحرب مقهورًا إلى عهد تحريك المواطن "ورقة سميكة" يُسميها "الهبابة" أمام وجهه، ليتخلص من حبات العرق التي تقطر من جبينه بسبب ارتفاع حرارة الطقس وانعدام مصادر الطاقة.
يعم الظلام أرجاء القرى الصغيرة وشوارعها الفسيحة ليلًا، وينتشر السكون نهارًا، يُقطع مع ارتفاع أصوات الأطفال وجلوس الرجال في الفناء أو تحت الأشجار الظليلة في ساعات الظهيرة، ووقت "الأصيل". ومع ذلك، فإن هذه الأحوال الغاية لم تكن متوفرة قبل أشهر، خلال مداهمات قوات حميدتي لقرى الجزيرة.
ودّع مواطنو ولاية الجزيرة، في اعتقادهم، قوات الدعم السريع إلى الأبد، بينما لا يمكن معرفة القادم، إزاء تمدد مساحات الفقر وتقلص التنمية. فالحكومة المحلية التي تتخذ من ودمدني عاصمة لها، لم تحرك ساكنًا - حسب آراء المواطنين - لزيارة القرى ومعرفة المطالب المُلحة والعاجلة.
يقول المواطنون إن الأموال لشراء الطاقة الشمسية تُجمع من خلال مجموعات تراسل فوري "واتساب"، من الشبان والرجال الذين يقيمون خارج البلاد، خاصة في الخليج وأوروبا. الكل منهمك تجاه قريته الصغيرة.
تُستخدم ألواح الطاقة الشمسية في عدة خدمات، أبرزها تشغيل آبار مياه الشرب، وانسياب الكهرباء إلى مقاهي الإنترنت "ستارلنك"، الخدمة الفضائية التي انتشرت بشكل كبير خلال الحرب، وتنافس شركات الاتصالات، أو شحن الهواتف، وتشغيل بعض الأجهزة المنزلية لساعات محدودة يوميًا.
في مثل هذا الوقت من العام 2024، لم يكن بمقدور قرشي، الذي يقطن قرية صغيرة في ريفي محلية الكاملين، أن يخرج بجهاز الراديو إلى الشارع
في مثل هذا الوقت من العام 2024، لم يكن بمقدور قرشي، الذي يقطن قرية صغيرة في ريفي محلية الكاملين، أن يخرج بجهاز الراديو إلى الشارع ليقضي بعض الوقت في السمر مع الجيران والاستماع إلى الإذاعة، لأن قوات حميدتي، طوال سيطرتها، لم تسمح بحرية الحركة. أضف إلى ذلك النزوح إلى الولايات الشرقية والشمالية، بحثًا عن الأمان، تاركين هذه البلدات والقرى تحت رحمة هذه القوات.
يستمع قرشي، الشاب الثلاثيني، إلى الإذاعة السودانية التي تبث على الموجات القصيرة، بينما غابت الإذاعات المحلية التي كانت تنطلق من داخل ولاية الجزيرة، لتعرضها إلى دمار هائل. أما الإذاعات العالمية، فيلتقطها خلال وقت متأخر من الليل أو الساعات الأولى من الصباح، يضيف قرشي.
"ماذا تريد أن تسمع؟" سألت قرشي.. لم يكن لديه أجوبة بعينها، لكنه يتجنب العزلة، سواء في المحيط الداخلي أو الخارجي، كما أن الوقت يُبدد من خلال فعل شيء ما خلال ساعات النهار، إما بالذهاب إلى الزراعة، وهي معطلة حاليًا لغياب الرؤية وتأخر التدخل الحكومي، أو بسبب البطالة التي تنتشر بين الشبان نتيجة تدهور وضع الأسواق، وتعرضها إلى النهب، وفقدان عشرات الآلاف من العاملين في التجارة رأس المال.
لم يتردد مواطنو قرى ولاية الجزيرة، الذين نزحوا داخليًا، من العودة إلى منازلهم فور استرداد الجيش لهذه المناطق في كانون الثاني/يناير 2025، محطمين سلسلة طويلة من الانتهاكات والنهب بواسطة قوات الدعم السريع.
أمران مهمان يستغرقان تفكير سكان ولاية الجزيرة الذين تضرروا من الحرب وهجمات الدعم السريع: الأول، كيف يمكن استعادة الأنشطة الزراعية والاقتصادية مع غياب الحكومة عن تقديم أي خطط؟ والثاني، كيفية الحصول على العدالة جراء الجرائم التي طالت آلاف المواطنين، سواء العنف الجنسي أو القتل أو التعذيب أو الإخفاء القسري.
تأخر استعادة النشاط الزراعي والاقتصادي، في منطقة يقطنها نحو خمسة ملايين شخص، قد يؤدي إلى اضطرابات جديدة
بينما هناك متسع من الوقت - في نظرهم - لتحقيق العدالة، فإن تأخر استعادة النشاط الزراعي والاقتصادي، في منطقة يقطنها نحو خمسة ملايين شخص، قد يؤدي إلى اضطرابات جديدة، مع احتمالات وقوع أعمال نهب وسرقة جراء تمدد الفقر.
في العام 2017، وصل القطار من الخرطوم إلى ودمدني، عاصمة ولاية الجزيرة، عبر السكك الحديدية التي أُنشئت قبل أكثر من 50 عامًا. كانت هذه المشاريع مجرد "فقاعات" سرعان ما انتهت إلى التوقف. ومع تدهور الوضع الاقتصادي بشدة في السنوات الأخيرة لنظام البشير، وصولًا إلى مرحلة الحكومة الانتقالية، لم يكن بالإمكان تقديم أجوبة شافية لمواطني هذه الولاية، التي تتوسط أكبر مشروع زراعي على مستوى البلاد، سوى الوعود الحكومية التي تُبث عبر جهاز الراديو والتلفاز وحتى شبكات التواصل الاجتماعي، وأنهت حرب منتصف نيسان/أبريل 2023 حتى الأمنيات.
السؤال الشاغل والمُلح: هل يمكن استعادة مشروع الجزيرة لصالح الإنتاج، وتحسين وضع نحو خمسة ملايين مواطن، ونمو احتياطيات الخزانة العامة؟
الكلمات المفتاحية
شمال السودان.. الخوف من "القاتل الصامت" يحرم الأطفال من اللعب ليلاً
تلعب الاحترازات وسط سكان قرى المناصير بولاية نهر النيل دورًا كبيرًا في تحجيم قدرتهم على الحركة ليلاً، لا سيما الأطفال؛
العائدون إلى الخرطوم.. كيف يتدبرون المعيشة؟
بعد عودتهم إلى الخرطوم، يكتشف آلاف السودانيين أن استئناف الحياة ليس بالأمر السهل.. تفاصيل صادمة خلفتها الحرب عن تكاليف المعيشة، وتغير الأسواق، وطرق تدبر الأسر لأيامها في العاصمة.
توطين لاجئين سودانيين في كندا.. البحث عن الحياة مرة ثانية
يبدو أن السفر إلى كندا والولايات المتحدة ودول الاتحاد الأوروبي بات يمثل حلم اللاجئين السودانيين الذين توزعوا بين دول الجوار، في ظل شح فرص العمل وارتفاع تكلفة التعليم بمختلف مراحله. ومع ذلك، تصطدم هذه الآمال بالعقبات البيروقراطية، وصعود التيارات اليمينية المعادية لسياسات استقبال المهاجرين في بعض البلدان.
وصول شاحنات غذاء ودواء إلى الدلنج بعد فتح الجيش للطريق الشرقي
تواصلت، لليوم الثاني على التوالي، عملية وصول شاحنات مدنية محمّلة بمواد غذائية ودوائية إلى مدينة الدلنج بولاية جنوب كردفان، بعد تمكن الجيش السوداني من فتح الطريق الشرقي للمدينة وإنهاء الحصار المفروض عليها.
طقس السودان.. درجات حرارة مرتفعة جدًا في شمال وأواسط البلاد
تشهد البلاد يوم الثلاثاء 19 مايو 2026 أجواءً شديدة الحرارة في شمال ووسط السودان، خاصة في ولايات نهر النيل والشمالية وغرب ولاية البحر الأحمر، مع نشاط للرياح المثيرة للغبار والأتربة في جنوب ووسط وغرب البحر الأحمر.
قوات الدعم السريع تنفي الإفراج عن "أبو لولو" وتؤكد استمرار احتجازه منذ أكتوبر 2025
نفت قوات الدعم السريع الإفراج عن القائد الميداني الفاتح عبد الله إدريس، المعروف بلقب "أبو لولو"، وذلك ردًا على تقرير لوكالة رويترز للأنباء تحدث عن ظهوره في جبهات القتال بإقليم كردفان.
الأمم المتحدة: 3 مليارات دولار خسائر قطاع الكهرباء في السودان
قال برنامج الأمم المتحدة الإنمائي إن الحرب في السودان أدت إلى خسائر تُقدّر بنحو 3 مليارات دولار في قطاع الكهرباء، ووجدت العائلات التي كانت تعتمد على الشبكة العامة نفسها في ظلام دامس حاليًا.