ultracheck
سياسة

عودة حرب المسيرات في السودان.. تفوق عسكري أم كارثة إنسانية؟

4 يناير 2026
مسيرات مطار نيالا
صورة أقمار صناعية التُقطت في 10 آب/أغسطس 2025، تُظهر مطار نيالا عاصمة ولاية جنوب دارفور (غيتي)
علاء الدين مضوي
علاء الدين مضويصحفي من السودان

في ظل تصاعد الصراع في السودان، يظهر الطيران المسير كسلاح جديد يغير قواعد اللعب، لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل السلام والأمان في البلاد. إذ يبدو أن طرفي الصراع قد وجدا في هذه التكنولوجيا المتقدمة وسيلة لتحقيق أهدافهما العسكرية، دون مراعاة للتداعيات الإنسانية الوخيمة التي قد تنجم عن استخدامها. فهل ستكون هذه المسيرات سببًا في إنهاء الصراع، أم ستزيد من تعقيداته وتفاقم معاناة المدنيين؟

وظلت قوات الدعم السريع، منذ أشهر، تستخدم الطيران المسير الانتحاري والاستراتيجي في استهداف مواقع عسكرية ومدنية في مناطق سيطرة الجيش، مما تسبب في أضرار بالبنية التحتية، كما أسفر عن مقتل وجرح المئات، دون التقيد بالقانون الدولي الإنساني.

وشنت قوات الدعم السريع فجر الأحد 4 كانون الثاني/يناير الحالي هجومًا جويًا واسعًا، مستخدمة الطائرات المسيرة، على مدن الأبيض بولاية شمال كردفان، وربك وكنانة في ولاية النيل الأبيض.

وقال مجلس التنسيق الإعلامي لشركة كهرباء السودان، في بيان، إن محطة الكهرباء في مدينة الأبيض تعرضت، الأحد 4 كانون الثاني/يناير 2026، لاستهداف بالطيران المسير، مما أسفر عن إصابات مباشرة وحريق بمبنى الماكينات، أدى إلى توقف الإمداد الكهربائي.

وأشار إلى أن قوات الدفاع المدني تبذل جهودًا كبيرة لإخماد الحريق، وستُجرى عملية التقييم الفني لآثار الاعتداء، ومن ثم اتخاذ المعالجات المطلوبة.

حرب المسيرات

وفي المقابل، كثف الجيش السوداني استخدام الطيران المسير، ويواصل قصف مواقع سيطرة الدعم السريع في إقليمي كردفان ودارفور منذ أيام، مما أدى إلى مقتل عدد من القادة الميدانيين. وكان آخرهم مقتل اثنين من عائلة دقلو، وهما موسى صالح دقلو، وعوض موسى صالح دقلو، في دمرة غريرة والزرق بولاية شمال كردفان، وسبق ذلك استهداف المستشار الأمني لقائد الدعم السريع، حامد علي أبوبكر، وعدد من مرافقيه، في غارة جوية نفذتها طائرة مسيرة أثناء عقد اجتماع في دامرة الفردوس القريبة من زالنجي بولاية وسط دارفور.

ويدعي الدعم السريع أن بعض الحواضن تتعاون مع الجيش وتزوده بإحداثيات يستهدف بها الطيران الحربي القادة الميدانيين، ونتيجة لذلك نفذت قوات الدعم السريع حملة اعتقالات واسعة ضد المدنيين، بتهمة الانتماء للجيش والتخابر.

اعتبرت مصادر عسكرية لـ"الترا سودان" أن استخدام المسيرات بكثافة يُعد تطورًا خطيرًا في مسار الحرب السودانية

ورغم الإجراءات التي اتخذتها قوات الدعم السريع، لم تتمكن من الحد من فعالية الطيران الحربي للجيش السوداني، الذي نجح مؤخرًا في تدمير مخازن السلاح والوقود ومنظومات التشويش الحديثة.

واعتبرت مصادر عسكرية لـ"الترا سودان" أن استخدام المسيرات بكثافة يُعد تطورًا خطيرًا في مسار الحرب السودانية، التي تقترب من إكمال عامها الثالث.

وأكدت المصادر أن هجوم قوات الدعم السريع المتكرر بالطيران المسير على البنية التحتية والمرافق الخدمية يأتي لتعويض ما فقدته من مكاسب على الأرض، عبر ضربات من الجو، بعد تراجعها المستمر في محاور القتال المختلفة، إثر اتساع رقعة سيطرة الجيش السوداني المفاجئة في إقليم كردفان.

سلاح حاسم

ويرى الخبير العسكري العميد إبراهيم عقيل مادبو أن المسيرات، أو "الدرونات"، أصبحت سلاحًا حاسمًا في الحروب الحديثة، إذ تغير ديناميكيات المعارك عبر الاستطلاع، والاستهداف الدقيق، وشن هجمات الاستنزاف، وتوجيه ضربات استراتيجية بتكلفة منخفضة.

وقال عقيل لـ"الترا سودان" إن المسيرات أجبرت الجيوش على تغيير نظرياتها العسكرية وتطوير أنظمة دفاع جوي متقدمة، كما يتضح في حروب السودان وأوكرانيا وأذربيجان وتجربة سوريا، حيث ساهمت بفعالية في استنزاف الخصم وتغيير موازين القوى.

وأضاف: "في أحدث تجربة لاستخدام المسيرات، شاهدنا عملية الإغارة الخاطفة في فنزويلا واختطاف رئيسها مادورو، حيث تم استخدام أحدث عمليات دمج الدرونات مع الذكاء الاصطناعي، إذ قادت أسراب الدرونات المجهزة بالذكاء الاصطناعي العملية على الأرض".

الخبير العسكري العميد إبراهيم عقيل مادبو لـ"الترا سودان": المسيرات لا تحسم المعركة أو الحروب لوحدها، لكنها تمنح بعدًا جديدًا لكسب الحرب مع بقية القوات المنخرطة فيها لذلك أصبحت عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة

وتابع أنها تجاوزت دورها القديم، من مجرد الاستطلاع والقصف والتدمير الانتحاري، لتصبح سلاحًا يحدد الأهداف بدقة مليمترية، ويقرر توقيت الاشتباك وفق تحليل فوري للبيانات، ويقلل الخسائر البشرية عبر تنفيذ المهام الخطرة بدلًا عن الجنود، على حد قوله.

وأشار إلى أن المسيرات لا تحسم المعركة أو الحروب لوحدها، لكنها تمنح بعدًا جديدًا لكسب الحرب مع بقية القوات المنخرطة فيها، لذلك أصبحت عنصرًا أساسيًا في الحروب الحديثة، وتؤثر في النتيجة الكلية لحسمها، لا سيما من ناحية الاستطلاع والاستخبارات، إذ توفر صورًا حية ومستمرة عن تحركات العدو.

وأوضح أن ذلك يقلل من عنصر المفاجأة، ويساعد في اتخاذ قرارات دقيقة، كما تُستخدم في توجيه ضربات دقيقة واستهداف مواقع أو عناصر محددة، مما يزيد من فعالية الهجوم ويقلل الخسائر البشرية للطرف المهاجم. وإلى جانب ذلك، لها تأثير نفسي على العسكريين والمدنيين، إذ تخلق حالة من الرعب وعدم الاستقرار، قد تؤدي إلى تراجع معنويات القوات أو حتى استسلامها، وإدخال اليأس وخفض الروح المعنوية لدى المدنيين.

وأكد الخبير العسكري أن المسيرات تعزز القدرة على جمع المعلومات، وتنفيذ ضربات دقيقة، وتقليل التكاليف البشرية، وهي عوامل تسهم بشكل كبير في حسم الحروب الحديثة.

وخلص إلى أن المسيرات في "حرب الكرامة"، وخاصة المعارك الدائرة حاليًا في كردفان، نجحت في ترجيح الكفة لصالح الجيش السوداني، حيث جرى تحييد أكثر من 1,000 من قادة المليشيا خلال أربعة أسابيع فقط، إضافة إلى تدمير المركبات ومخازن الذخيرة، مما فتح المجال لتقدم الجيش واستعادة أكثر من 15 موقعًا، وإيقاع خسائر كبيرة في صفوف المليشيا، أدت إلى انهيارها في بعض القطاعات وهروبها.

عمليات استنزاف

من جهته، اعتبر الخبير العسكري والاستراتيجي، المقدم عمر أرباب، أن استخدام المسيرات في العمليات العسكرية، لا سيما في الحرب الحالية، بمثابة عمليات استنزاف لتحقيق أهداف عسكرية ومدنية.

وقال أرباب، في تصريح لـ"الترا سودان"، إن المسيرات أصبحت سلاحًا فعالًا من خلال تحييد القادة، لما تتمتع به من مميزات تشغيلية واقتصادية، وإمكانية إلحاق أضرار بالعدو بسهولة، بالإضافة إلى سهولة التعليم والتدريب على استخدامها.

الخبير العسكري والاستراتيجي عمر أرباب لـ"الترا سودان": واحدة من المشكلات التاريخية في الحروب السودانية هي اعتقاد كل طرف أن المواطنين الموجودين في مناطق الطرف الآخر يُعدون أهدافًا مشروعة

وأشار إلى أن هذه العوامل جعلت المسيرات تتمتع بميزة الانتشار، مما يصعب عملية استهدافها عبر منظومات الدفاع الجوي، لصغر حجمها وإمكانية مناورتها. وأوضح أن المسيرات أصبحت واحدة من الأسلحة المؤثرة والفعالة في العمليات العسكرية، إضافة إلى أنها قد تلحق الضرر بالعدو دون أن يتكبد الطرف المستخدم لها خسائر بشرية، مما يحافظ على قواته.

وحول استهداف المسيرات للبنية التحتية في مناطق طرفي الصراع، قال عمر أرباب إن الحرب تفتقر إلى القيمة الأخلاقية، وإن استخدام البنية التحتية موجود لدى طرفي الحرب، مشيرًا إلى أن قوات الدعم السريع أكثر وضوحًا في ذلك، فيما يقوم الجيش باستهداف بعض المواقع، سواء بقصد أو غير قصد. وأضاف أن المحصلة النهائية هي سقوط مدنيين وتدمير مرافق مدنية.

وأشار إلى أن واحدة من المشكلات التاريخية في الحروب السودانية هي اعتقاد كل طرف أن المواطنين الموجودين في مناطق الطرف الآخر يُعدون أهدافًا مشروعة.

جرائم حرب

وفي المقابل، يرى الخبير القانوني معز حضرة أن اتفاقيات جنيف الأربع لعام 1949، وميثاق روما للمحكمة الجنائية الدولية، تحظران الاعتداء على المدنيين وقصفهم بالطيران.

وقال حضرة لـ"الترا سودان" إن هذه الاتفاقيات والمعاهدات لم تكن تتضمن المسيرات عند صياغتها، لكنها تُعد بمثابة الطيران، وبالتالي يحظر القانون الجنائي الدولي استخدامها، لأن المدنيين هم من يدفعون الثمن.

 الخبير القانوني معز حضرة: استهداف المناطق المأهولة بالسكان من قبل طرفي الصراع يُصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية

وأشار إلى أن "استهداف المناطق المأهولة بالسكان من قبل طرفي الصراع يُصنف ضمن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، ويعاقب عليه القانون الدولي الإنساني، وتناهضه اتفاقيات جنيف الأربع. وبالتالي، تندرج هذه الأفعال ضمن الجرائم التي تحظرها المحكمة الجنائية الدولية"، حد قوله.

تحدٍ جديد

ويظهر استخدام الطيران المسير في السودان كتحدٍ جديد يهدد بتمدد الحرب إلى مناطق لم تكن تصلها من قبل. وبينما يسعى طرفا الصراع لتحقيق أهدافهما العسكرية، يبقى المدنيون هم الأكثر تضررًا.

الكلمات المفتاحية

قطار النيل وطائرة سودانير

بين هبوط الطائرات وتعثر القطارات.. ما هي دلالات عودة خدمات النقل للخرطوم؟

بعد سنوات من التوقف والعزلة بسبب الحرب الدائرة بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، شهدت العاصمة الخرطوم مؤخرًا حدثين بدلالات مهمة على مستوى النقل العام؛ وهما عودة العمل في المطار بعد توقف طويل، وإعلان رحلة القطار الأولى من عطبرة إلى الخرطوم، والتي ألغيت بعد انطلاقها بسبب ظروف فنية طارئة.


هجوم المسيرات

الدعم السريع هل تتدارك خسائرها في جنوب كردفان بإشعال أجواء شمال الإقليم؟

يعزو مراقبون أمنيون تزايد نشاط الطائرات المسيرة في شمال كردفان إلى سعي قوات الدعم السريع لقطع الطريق الرابط بين مدينتي "أم روابة" و"الرهد"،


قوات الدعم السريع

كيف تحاول قوات الدعم السريع تعويض خسائرها في جنوب كردفان؟

عادت قوات الدعم السريع، خلال الأيام الماضية، إلى استهداف ولاية شمال كردفان باستخدام الطائرات المسيّرة، مركزة هجماتها على الطريق القومي كوستي–الأبيض


محمد حمدان دقلو

هل اقتربت قوات الدعم السريع من خسارة دول مؤثرة في الإقليم؟

يمكن تسمية يوم السبت 7 فبراير الجاري بـ"حرب تبادل التصريحات النارية" بين بعض دول الإقليم، وأبرزها السعودية ومصر وقطر، وتحالف "تأسيس" الموالي لقوات الدعم السريع، على خلفية إصدار هذه الدول بيانات أدانت سلسلة من الهجمات التي نفذتها قوات حميدتي في ولايتي شمال وجنوب كردفان.

الطقس.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: أجواء حارة في معظم أنحاء البلاد

أشارت النشرة اليومية للهيئة العامة للأرصاد الجوية إلى سيادة أجواء حارة نسبيًا في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مع توقعات بهطول أمطار على ساحل البحر الأحمر.

الطقس 2.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: ارتفاع طفيف في درجات الحرارة بمعظم أنحاء البلاد

أصدرت الهيئة العامة للأرصاد الجوية نشرتها لتوقعات الطقس في السودان خلال الأيام الثلاثة المقبلة، مشيرة إلى أن الأجواء ستكون معتدلة إلى حارة في معظم أنحاء البلاد.


Nile.jpg
أخبار

فاجعة في نهر النيل.. غرق قارب يقل أكثر من 30 شخصًا شمالي السودان

في فاجعة إنسانية مؤلمة، غرق قارب حديدي من نوع "رفاس" في نهر النيل شمالي السودان، مساء الأربعاء 11 فبراير 2026، وعلى متنه نحو 30 راكبًا من النساء والرجال والأطفال.

الحريق في مخيم بطويلة
أخبار

مجلس طوارئ شمال دارفور يحذّر من تكرار الحرائق في معسكرات النازحين بمنطقة طويلة

حذّر مجلس غرف طوارئ ولاية شمال دارفور من خطر تكرار حوادث الحرائق في تجمعات النازحين بمنطقة طويلة

الأكثر قراءة

1
أخبار

مقاومة الفاشر: استهداف بمسيرة للدعم السريع يسفر عن سقوط ضحايا مدنيين في الطينة


2
أخبار

وفاة طفل سوداني داخل قسم شرطة بالقاهرة وحقوقيون يحملون السلطات المسؤولية


3
أخبار

الدعم السريع تتهم الجيش بمقتل 13 شخصًا في قصف جوي على زالنجي


4
سياسة

بين هبوط الطائرات وتعثر القطارات.. ما هي دلالات عودة خدمات النقل للخرطوم؟


5
أخبار

تعليق إضراب أطباء مستشفى عطبرة مؤقتًا حتى الأربعاء المقبل