عنصرية الميدان..عزة بالإثم واعتذار أفظع من الذنب

عنصرية الميدان..عزة بالإثم واعتذار أفظع من الذنب

الزي التقليدي لأهالي شرق السودان (Facebook)

قبل عدة أيام، صُدم السودانيون بمقال عنصري بغيض صدر على أخيرة صحيفة "الميدان"، وهي الصفحة التي درجت الصحف السودانية على حجزها للمواضيع الشيقة والكُتَّاب المميزين. ودلق الناشطون والمهتمون الكثير من الحبر في تبيان فظاعة الحادثة ودلالاتها، خصوصًا أن المقال المذكور كان على صفحات الصحيفة العريقة، التي هي لسان حال الحزب الشيوعي السوداني وتعتبر هيئة من هيئاته المركزية وأحد أركانه وأعمدته التي تبث خطابه السياسي وخطه الدعائي وسط الجماهير.

تعمل الميدان على تفريق وتهميش وإقصاء حتى الشعوب السودانية، دعك من شعوب العالم تلك التي تطمح لتوحيدها

كاتب المقال العنصري وفي معرض حديثه عن أحد سدنة النظام البائد، تجاوز كل سقطاته وسوءاته -وما أكثرها وما أفظعها- ليقوم بضربة لازب بتجريده بناءً على عرقه من هويته السودانية وحقه في المواطنة في بلده ووطنه السودان، الأمر الذي ينسحب على مجموعته الإثنية والثقافية الأصيلة في شرق السودان، وهو ما أكده الكاتب بالتشديد على أن البلاد قد امتلأت بالأجانب، يقصد بذلك أهل الرجل؛ السودانيين، رغم أنف الميدان!


نشر هذا الاعتذار مباشرة تحت مادة جديدة لكاتب المقال العنصري دون أن تتعهد الصحيفة بأي محاسبة

اقرأ/ي أيضًا: عنصرية صحيفة الميدان..الحزب الشيوعي أمام تناقضاته

كان المقال امتدادًا وتمظهرًا جديدًا لخطابٍ عنصري بغيض تم استخدامه تاريخيًا في تجريد المواطنين السودانيين من القبائل المحلية في مختلف أطراف البلاد من حقها في المواطنة والهوية السودانية. الأمر الذي يسهِّل مهمة ملاحقتهم وحتى قتلهم وتعذيبهم وتشريدهم من أرضهم وأرض أجدادهم، أو على الأقل تهميشهم وتغييبهم بحجة أنهم غير سودانيين في منطق العنصرية الإقصائي المتخلف المعيب في أكثر من جانب وزاوية. وهي تلك الشعوب ذات التاريخ الراسخ الممتد لآلاف السنين في شرق البلاد وغربها والمناطق المتاخمة داخل وخارج الحدود من قبل حتى تشكل الدولة السودانية الحديثة.

ولو كان الخطاب قد ورد من أي جماعة شعبوية أو أي صحيفة صفراء من صحف أتباع النظام البائد؛ لما كان الأمر صادمًا أو مفاجئًا لهذه الدرجة. ولكنه ورد في صحيفة شعارها الأساسي الذي يطالعك في كل صفحة من صفحاتها، هو المقولة التاريخية للبيان الشيوعي والتي تدعو شعوب العالم للوحدة، وياللمفارقة، فأسفل نفس الشعار، تعمل الميدان على تفريق وتهميش وإقصاء حتى الشعوب السودانية، دعك من شعوب العالم تلك التي تطمح لتوحيدها بتنوعها واختلافاتها الأعقد من حال السودان.

وبعد ردة الفعل القوية والاستنكار الواسع من الناشطين والمهتمين، والذين كان من ضمنهم شيوعيين وسياسيين وحتى صحفين يعملون في نفس الصحيفة؛ توقع السودانيون أن تطالعنا الميدان في عددها اللاحق باعتذارٍ ضافٍ يجبر الكسر، ويخفف من سخط الناس على حزبٍ كانوا قد ظنوا يومًا أنه من قوى اليسار الأكثر حساسية لمسألة الهويات، وليس بوقًا لخطاب كراهية نازي يحدد للناس كيفما راق له من هو الأكثر أحقية بالهوية السودانية ومن لا يستحقها من أبناء البلاد.

أمس الأحد خرجت علينا الصحيفة في أخيرتها وتحت نفس العمود الذي واصلت إصداره بلا  أدنى اكتراث بمشاعر الشعوب التي قامت بوصمها وسلبها حقها في وطنها، ولا حتى بعضوية الحزب من تلك الشعوب والمتضامنين معهم -خرجت علينا الميدان باعتذار أقل ما يمكن أن يقال عنه أنه يؤكد بما لا يدع مجال للشك عنصرية الصحيفة بشخصيتها الاعتبارية وفريق تحريرها، وجميع من يبررون لموقفها الذي جانب الحق بصورة لا يمكن التراجع عنها بمزيد من الاعتذارات بعد الآن، وإنما بوقفة جادة ونقد حقيقي للموقف الشنيع والخطاب الإقصائي المتخلف.


 اعتذارالانتباهة: أوقفت الكاتب، استقال مدير تحريرها، وصفت العبارات بغير اللائقة، تعهدت بالمحاسبة. لم تفعل الميدان شيئًا من هذا.

اقرأ/ي أيضًا: الحركة الشعبية تشكو عنصرية "الانتباهة" في مفاوضات جوبا

ترسخت العنصرية في الميدان وأذهان أصحابها فكان الاعتذار الأقبح من الذنب. اعتذرت الميدان لسان الحزب الشيوعي للإثيوبيين ممن يمكن أن يكونوا قد تضرروا من الخطاب المعادي للأجانب- وهو أحد دلالات المقال الثانوية ولكن الكاشفة أيضًا- ولكن تجاهلت الشعوب السودانية التي جردتها من حقها في وطنها ودعمت باعتذارها الخطاب الذي يعمل على قتلها، بل وخصت بالاعتذار الجالية الاثيوبية فقط، كأنما تستمرئ وتكابر في عنصريتها البغيضة، بلا أي تقدير للسودانيين الذين جرحتهم ودعمت قتلهم في مقالها سيئ الذكر، وكأن الميدان كلها تفصح عن تضامنها مع العنصرية ضد السودانيين من شرق البلاد.

لا أبالغ عندما أقول أن هذا الخطاب هو الأكثر فظاعة على الإطلاق؛ فدماء الفتنة القبلية التي حدثت قبل شهور في الشرق وبسبب خطاب مشابه لم تجف بعد، وربما قد أُعفي المساكين من الجماهير المغيبة من جريرة ما ارتكبته أيديهم من فظاعات، فهم أيضا ضحايا لنفس الخطابات العنصرية التي يروج لها لسان حال الشيوعيين. ولن ننسى في هذه السانحة وصم عضو لجنتهم المركزية قبل فترة قصيرة لحركة مسلحة بأنها تتبع لقبيلة في غرب السودان، كأن على القبيلة أن تتحمل عبء الحركات المسلحة، على الرغم من أنك قد تجد من أبنائها في عضوية الحزب، ولم نجد شخصًا يصف الحزب بأنه يتبع لقبيلة، ولم نجد من يصم عضوية الشيوعي من شرق السودان بأنهم أجانب؛ وحدها العنصرية هي التي تسمح بمثل تلك التهويمات.

أُعفي القتلة على الأرض من دماء بعضهم البعض، ولكن أُحمّل سياسيي الخرطوم وزر تلك الفظاعات، بما يبثونه من سموم في أوساط مجتمعاتنا المسالمة البريئة. وقد أتت الثالثة الثابتة عبر بيان للناطق الرسمي بالحزب التقدمي الذي التقى "وفد إدارة أهلية"! ثم سمّى من فضح عنصرية صحيفتهم بالصيادين في المياه العكرة، كأن الناس مطالبون بالصمت أمام عنصريتهم القاتلة.

وما حرب الجنوب العنصرية ثم انفصاله، والإبادة  في دارفور وتبعاتها الثقيلة الحاضرة؛ غير تمظهر لهذا التوجه الإقصائي السائد وسط النخبة السودانية التي أدمنت الفشل

وربما تجدني بت أكثر ميلًا للتوجه الذي يرى أن الطبقة السياسية والنخبة السودانية بيسارها ويمينها ستستخدم كل الأسلحة التي في يدها لحرمان المهمشين من السودانيين من حقهم في بلادهم. يشغلون الناس بصراعات مفتعلة وخطابات مهيجة، بينما هم يستحوذون على ثروات البلاد، يختلفون في كل شيء ولكن يتفقون في العنصرية واختطاف السلطة بينما يرزح بقية السودانيين تحت أغلال التجهيل والتغييب والتهميش الممنهج. فها هم كلما ظهر لهم من لا يتفق معهم أو يرضخ لرؤاهم من الأقاليم المختلفة؛ أول ما يتوارد لأذهانهم تجريده من هويته السودانية، وذلك فقط في حال لم يتيسر لهم تجريده من الحياة نفسها. وما حرب الجنوب العنصرية ثم انفصاله، والإبادة الجماعية في دارفور وتبعاتها الثقيلة الحاضرة؛ إلا تمظهرًا من تمظهرات هذا التوجه السائد وسط النخبة السودانية التي أدمنت الفشل كما لم يدمنه أحدٌ من قبل.

اقرأ/ي أيضًا:

نظام التعليم بالسودان وترسيخ التفاوتات الاجتماعية

الدعم السريع.. حصاد دولة ما بعد الاستقلال