على خط النار: كادوقلي تواجه خطر التحول إلى ساحة حرب
15 ديسمبر 2025
لم تعد كادوقلي تلك المدينة التي ظل الناس من شرقها وغربها يقصدونها كلما اشتدت المعارك البرية؛ فمنذ حرب عام 2011، والتي تُعرف محليًا باسم "ستة ستة"، ظلت كادوقلي ملاذًا للمواطنين الهاربين من ويلات القتال. ومع اندلاع الحرب السودانية، التي وصلت إلى ولاية جنوب كردفان في منتصف حزيران/يونيو 2023، ثم تصاعدت وتيرتها في تموز/يوليو من العام نفسه، تدفقت إلى كادوقلي آلاف الأسر النازحة من القرى المحيطة بها.
اليوم، أصبح خيار البقاء في المدينة أو مغادرتها أمرين أحلاهما مرّ؛ فمع سيطرة قوات تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقة كيقا الخيل شمال المدينة، بات السكان يتوقعون دخول المعارك إلى كادوقلي في أي وقت، ما يضع عشرات الآلاف من المدنيين، ومعظمهم من النازحين من الريف، أمام سيناريو كارثي مفتوح على كل الاحتمالات.
مواطنة: أصبحنا قلقين سواء قررنا البقاء داخل المدينة أو محاولة الخروج منها
تقول أم الخير بورمة، وهي مواطنة تقيم بحي كلبا في كادوقلي: "أصبحنا قلقين سواء قررنا البقاء داخل المدينة أو محاولة الخروج منها، في ظل عدم ضمان أمان الطرق".
وأضافت أن المواطنين يملكون ثلاثة مسارات محتملة للخروج؛ طريقان يمران بمناطق خاضعة لسيطرة الحركة الشعبية، وهما الأقرب، أما الطريق الثالث فهو عبر الكرقل وحجر جواد وصولًا إلى مدينة الدلنج، حيث يستقر بعض النازحين، بينما يواصل آخرون رحلتهم نحو المناطق الشرقية، إلا أن انقطاع خدمات الاتصال وشبكات "ستارلنك" في تلك المناطق جعل كثيرين يتخوفون من سلوك هذه الطرق.
كادوقلي: مخيم كبير
لم تدخل كادوقلي هذه المرحلة بوصفها مدينة مستقرة؛ إذ ظلت لسنوات طويلة تستوعب موجات متتالية من النازحين الفارين من مناطق النزاع. ومع دخول الحرب في السودان عامها الثالث، والتي تعمقت آثارها المدمرة على مختلف أنحاء البلاد، ففي ولاية جنوب كردفان، التي تشهد نزاعًا مسلحًا منذ عام 2011، تصاعدت وتيرة العنف عقب اندلاع الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 نيسان/أبريل 2023، ما أدى إلى موجات نزوح واسعة باتجاه مدينتي كادوقلي والدلنج، إضافة إلى مدن القطاع الشرقي مثل أبو جبيهة، وتلودي، ورشاد، وتقلي.
وبحسب ناشط وفاعل في غرف الطوارئ، طلب حجب اسمه لدواعٍ أمنية، فإن المدينة تضم أربعة مراكز إيواء رئيسية، جميعها تقع في القطاع الشمالي من كادوقلي، وهي: مركز الميناء البري، ومركز الهجرة الدولية، ومركز مزرعة الدواجن، ومركز إيواء استاد مرتا. وأشار إلى عدم وجود إحصاءات دقيقة لعدد النازحين.
وأضاف أن التطورات العسكرية الأخيرة تشير إلى احتمال اندلاع عمليات عسكرية داخل المدينة، موضحًا أن المواطنين باتوا يتخوفون بشكل خاص من الجهة الشرقية، وهي نفس الجهة التي استخدمتها الحركة الشعبية في آب/أغسطس 2023.
سقوط كيقا الخيل: ناقوس الخطر
على بُعد نحو 60 كيلومترًا شمال كادوقلي، كانت منطقة كيقا الخيل تُعد إحدى نقاط الدفاع المتقدمة للفرقة 14 مشاة كادوقلي، حيث نُصبت حامية عسكرية هناك، غير أنه في يوم الجمعة 4 كانون الأول/ديسمبر الجاري، انسحبت تلك القوة وانضمت إلى حامية ميري، ما أتاح لقوات "تأسيس" السيطرة على كيقا الخيل.
هذا التطور دفع آلاف المواطنين في كادوقلي إلى محاولة مغادرة المدينة خوفًا من اندلاع مواجهات عسكرية وشيكة، وسط تقارير تفيد بمنع الاستخبارات البعض من الخروج، في ظل خطورة الطريق.
تعاني كادوقلي منذ اندلاع الحرب من أوضاع إنسانية بالغة التعقيد وأزمة اقتصادية خانقة، فضلًا عن عزلة شبه كاملة بعد إغلاق الطريق القومي بواسطة قوات الدعم السريع
وبعد سيطرة قوات "تأسيس" على كيقا الخيل، أصبحت تفصلها عن مدينة كادوقلي، مقر رئاسة الفرقة 14 مشاة، عدة مواقع عسكرية، أبرزها حامية ميري جنوبًا، مرورًا بالحجيرات وكحليات ثم المجمع، وصولًا إلى المدينة، وهي جميعها لا تتعدى 62 كيلومترًا.
وتعاني كادوقلي منذ اندلاع الحرب من أوضاع إنسانية بالغة التعقيد وأزمة اقتصادية خانقة، فضلًا عن عزلة شبه كاملة بعد إغلاق الطريق القومي بواسطة قوات الدعم السريع في منطقة الدبيبات، وتوقف خط النقل البديل عبر غرب كردفان.
ومع هذا التطور العسكري، يعيش سكان المدينة حالة من الخوف الشديد، كما أن هذا الواقع يضع المدنيين أمام معضلة قاسية: لا طرق آمنة للخروج، ولا قدرة على الاحتماء. وفي خضم ذلك، تعالت أصوات من أوساط مدنية تطالب بتدارك الموقف بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة، وعدم زج المدينة في معارك ستكون كلفتها الإنسانية باهظة على الجميع.
الحركة الشعبية
في هذا السياق، أصدر تحالف قوى جبال النوبة المدنية بيانًا صحفيًا، يوم الأربعاء 10 كانون الأول/ديسمبر 2025، أعلن فيه عن إجرائه مشاورات واسعة مع قيادات سياسية ومجتمعية وعسكرية من أبناء المنطقة داخل السودان وخارجه، بهدف احتواء الوضع ومنع اندلاع المواجهات داخل المدن.
وأشار البيان إلى إرسال مذكرات رسمية إلى كل من قائد الجيش السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقائد الجيش الشعبي المتحالف مع الدعم السريع، عبد العزيز الحلو، إضافة إلى قوى عسكرية وسياسية أخرى، داعيًا الجميع إلى دعم المبادرة ومنحها الزخم اللازم.
عضو المكتب التنفيذي لتحالف قوى جبال النوبة المدنية لـ"الترا سودان": نسعى لوساطة ستفضي إلى تشكيل فريق مشترك من المدنيين، وبمشاركة أطراف مختلفة بحسب مناطق العبور، لمساعدة المواطنين في عمليات الإجلاء
وفي إفادة خاصة لـ"الترا سودان"، قالت عضو المكتب التنفيذي لتحالف قوى جبال النوبة المدنية، والمهتمة بقضايا فض النزاعات وبناء السلام، سوسن جمعة، إنهم يسعون للتدخل عبر عمليات وساطة وتنسيق، موضحة أن هذه الوساطة ستفضي إلى تشكيل فريق مشترك من المدنيين، وبمشاركة أطراف مختلفة بحسب مناطق العبور، لمساعدة المواطنين في عمليات الإجلاء وتأمين مساراتهم حتى وصولهم إلى النقاط الآمنة المحددة.
في المقابل، أصدرت الحركة الشعبية – شمال بيانًا عبر رئيس هيئة أركان الجيش الشعبي، عزت كوكو أنجلو، نُشر على موقعها الرسمي، أكدت فيه أن سيطرتها على كادوقلي والدلنج حتمية، وهي "مسألة وقت فقط".
ودعت الحركة، حقنًا لدماء المواطنين الأبرياء وحفاظًا على مدينتي كادوقلي والدلنج من الدمار، من وصفتهم بـ"الشرفاء والعقلاء" من منسوبي القوات المسلحة السودانية إلى الانسحاب العاجل والتسليم دون خسائر، كما ناشدت بفتح ممرات آمنة لخروج المواطنين وعدم منعهم من حماية أرواحهم.
نزوح متصاعد
وفي تطور خطير، استهدفت طائرة مسيّرة مقر بعثة تابعة للأمم المتحدة "يونيسفا" في المدينة بتاريخ 13 كانون الأول/ديسمبر 2025، وتكرر الهجوم منذ الصباح بقصف مدفعي لمقر الفرقة الواقع بالقطاع الجنوبي، جنوب كادوقلي، بحي السرف. وأفاد مصدر محلي تحدث لـ"الترا سودان" أنه توفي اثنان من العساكر، وهناك أيضًا إصابات، إلا أنه لم يتسنَّ للمواطنين معرفة عددهم.
أفادت منظمة الهجرة الدولية في بيان لها بأن فرقها الميدانية قدّرت نزوح مئات الأشخاص من مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان
وأضاف المصدر أن التدوين المدفعي قادم من الاتجاه الجنوبي الشرقي، باتجاه منطقة الرصيرص، والأفين، ودلدكو، مضيفًا أنه نفس الاتجاه الذي يتخوف المواطنون من أن تستخدمه قوات "تأسيس" لدخول المدينة.
وأفادت منظمة الهجرة الدولية في بيان لها بأن فرقها الميدانية قدّرت نزوح مئات الأشخاص من مدينة كادوقلي بولاية جنوب كردفان، نتيجة لتفاقم انعدام الأمن، مشيرة إلى أن هؤلاء نزحوا إلى مواقع متفرقة في محليتي الرهد وشيكان بولاية شمال كردفان، مؤكدة أن الوضع لا يزال متوترًا ومتقلبًا للغاية.
الكلمات المفتاحية

كر وفر في دارفور وكردفان.. أسبوع دامٍ في حرب السودان وحركة نزوح
إلى جانب العمليات البرية، شهد الأسبوع الماضي تصاعدًا ملحوظًا في نشاط الطائرات المسيرة، التي باتت تمثل أداة فاعلة لتنفيذ ضربات خاطفة بأقل كلفة بشرية

حرب السودان.. المسيرات تنقل النزاع العسكري من جبهات القتال إلى الفضاء
ألقت حادثة الطائرة المسيّرة، التي أودت بحياة عشرات المدنيين والعسكريين إثر هجوم استهدف مقر الفرقة 17 مشاة بمدينة سنجة، بظلال كثيفة على المشهد الأمني في السودان.

عودة حرب المسيرات في السودان.. تفوق عسكري أم كارثة إنسانية؟
في ظل تصاعد الصراع في السودان، يظهر الطيران المسير كسلاح جديد يغير قواعد اللعب، لكنه يثير تساؤلات حول مستقبل السلام والأمان في البلاد. إذ يبدو أن طرفي الصراع قد وجدا في هذه التكنولوجيا المتقدمة وسيلة لتحقيق أهدافهما العسكرية

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء
أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

