عامان من العزلة.. كيف عاشتها مدينة الدلنج؟
28 يناير 2026
في رائعته مئة عام من العزلة، نسج غابرييل غارسيا ماركيز مدينة ماكوندو بعناية، وأحاطها بحزام من النسيان والعزلة، لا يخترقه إلا الغجر، يأتونها كل عقد محمّلين بالعجائب. ومع أن الدلنج ليست ماكوندو، إلا أن حرب 15 أبريل 2023 جعلتها، بطريقة ما، تشبهها؛ فبعد مرور شهرين فقط من اندلاع الحرب، دخلت الدلنج عزلتها.
على إثر حرب 15 أبريل، تجددت الاشتباكات بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة بجنوب كردفان، والتي بدأت منذ معارك دلامي، والأزرق، والكرقل، وهبيلا في أواخر مايو. أما الدلنج، ففي صباح يوم الثلاثاء 21 يونيو 2023، عند الساعة الرابعة صباحًا، استيقظت المدينة على أصوات المدافع والانفجارات، إثر هجوم شنّه الجيش الشعبي على اللواء 54. وتكررت الاشتباكات مرة أخرى حينما شنّت قيادة اللواء 54 الدلنج هجومًا في صباح 30 يوليو 2024 على نقاط ارتكازات الجيش الشعبي في منطقتي كركراية وحجر جواد.
منذ أواخر 2023 وحتى منتصف مايو 2024، ساءت الأوضاع وارتفعت أسعار السلع الغذائية إلى ما يقارب أربعة أضعاف، بما في ذلك الذرة، وهي المكوّن الرئيسي لوجبات السكان
أما قوات الدعم السريع، فبعد أن تحرك القائد الميداني المقدم عبد المنعم شيريا من الدبيبات بعدد 11 عربة إلى منطقة النيلة، التي كان يتواجد بها ماكن الصادق (مساند للدعم السريع) بقواته البالغ عددها 13 عربة، انطلقوا بعدها إلى منطقة هبيلا بعدد 24 عربة قتالية. وفي صباح 5 ديسمبر 2023، دخلت هذه القوات منطقة التكمة بمحلية الدلنج، الواقعة على بُعد 7 كيلومترات شرق الدلنج، واشتبكت مع قوات الجيش الشعبي المرتكزة بالمنطقة، التي تصدت للهجوم.
وفي صباح الأربعاء 10 يناير 2024، شنّت قوة من الدعم السريع هجومًا على الدلنج بعدد 60 عربة، وتمكن اللواء 54 الدلنج، والجيش الشعبي، والمقاومة الشعبية من صد الهجوم. استمرت المعركة حتى الواحدة ظهرًا، ثم عادت قوات الدعم السريع المهاجمة إلى مدينة الدبيبات.
ومنذ ذلك الوقت، وقبله منذ يونيو 2023، ظلت المعارك مستمرة في الدلنج والمناطق المحيطة بها بين الجيش الشعبي والقوات المسلحة (اللواء 54 مشاة) من جهة، وبين الدعم السريع والقوات المسلحة من جهة أخرى، إلى أن وقع تحالف "تأسيس" في فبراير 2025، والذي أدى إلى تحالف الجيش الشعبي والدعم السريع.
وامتدت المعارك لتصل إلى قرى شرق وشمال وغرب الدلنج، ما أدى إلى تهجير سكان مناطق مثل الكرقل، وكركراية، وهبيلا، والتكمة، وحجر جواد.
هؤلاء جميعًا فرّوا إلى داخل مدينة الدلنج، فحتى يوليو 2024 بلغ عدد النازحين بالمدينة نحو 41,132 شخصًا، ولاحقًا وصل العدد إلى 49,752. كان النازحون يقيمون في ثماني مدارس، يعيشون أوضاعًا مأساوية بلا غذاء، ولا تتوفر لهم دور إيواء كافية، في ظل انتشار كثيف للبعوض في فصل الخريف، بينما تشرد العديد منهم وصاروا تائهين في الأسواق والأحياء السكنية بحثًا عن الطعام.
وبحسب الناشط منتصر كوكو، الفاعل بغرف طوارئ الدلنج، فإن عدد النازحين حتى يوليو 2025 وصل إلى 23 ألف أسرة، تضم 234,310 أفراد، بينما بلغ عدد مراكز الإيواء 12 مركزًا.
أحوال الناس في الدلنج
منذ أواخر 2023 وحتى منتصف مايو 2024، ساءت الأوضاع وارتفعت أسعار السلع الغذائية إلى ما يقارب أربعة أضعاف، بما في ذلك الذرة، وهي المكوّن الرئيسي لوجبات السكان في المنطقة؛ إذ قفز سعر جوال الذرة إلى مليون جنيه (بنكك) و700 ألف جنيه (كاش)، وذلك بسبب فشل الموسم الزراعي.
وفي مطلع أكتوبر 2024، حينما بلغت الأوضاع المعيشية أسوأ مراحلها، وبوساطة جهود دولية، تم الاتفاق على دخول المساعدات الإنسانية، وعلى كل الأطراف (القوات المسلحة، والحركة الشعبية، والدعم السريع) السماح بدخول المساعدات الإنسانية إلى كافة المناطق دون عوائق، وعلى أي طرف أن يساعد في تمرير المساعدات دون أي عرقلة. وبالفعل، وصلت المساعدات إلى ست مناطق بجنوب كردفان: منطقتين تحت سيطرة الدعم السريع هما (الحمادي، الدبيبات)، ومنطقتين تحت سيطرة الجيش هما (الدلنج، كادوقلي)، ثم منطقتين تحت سيطرة الحركة الشعبية هما (حجر الجواد، الكرقل).
ولم تدخل المدينة مساعدات مرة أخرى إلا في 19 أغسطس 2025، حيث وصلت ثلاث عربات "جرارات"؛ إحداها للدلنج، بينما كانت الاثنتان الأخريان من نصيب كادوقلي.
منذ مارس 2025 استُهدفت الدلنج بأكثر من 28 مسيّرة، ثلاث منها استهدفت مرافق صحية
العام 2025 لم يختلف عن سابقيه، بل أصبحت الأوضاع الإنسانية أكثر سوءًا، إذ أدى الحصار إلى تدهور الخدمات وارتفاع حاد في أسعار السلع الغذائية، وانهيار القطاع الصحي.
بالإضافة إلى استمرار القصف على المدينة، خاصة بعد دخول المسيّرات إلى جنوب كردفان، التي نشطت منذ مارس 2025، حيث ظلت مدينة الدلنج مرمى لهذه المسيّرات، ومنذ مارس 2025 استُهدفت الدلنج بأكثر من 28 مسيّرة، ثلاث منها استهدفت مرافق صحية.
هذا الوضع المأساوي دفع عددًا من المواطنين إلى النزوح من الدلنج باتجاه مناطق سيطرة الحركة الشعبية عبر إمدولو، بينما لجأ آخرون إلى حجر الجواد تمهيدًا للانتقال نحو مناطق الجبال الستة بكرتالا، حيث يسافرون سيرًا على الأقدام عبر طريق هبيلا ثم قرية كلدجي. بينما اتجه آخرون إلى شرق الولاية، إلى مناطق أبو جبيهة وتلودي، وإلى شمال كردفان.
ما بعد معارك هبيلا وفك الحصار من الاتجاه الشرقي
في 26 يناير، شهدت منطقة هبيلا، الواقعة على بُعد 30 كيلومترًا شرق مدينة الدلنج، مواجهات برية عنيفة استمرت لأكثر من ثلاث ساعات، بعدما نفذت القوات المسلحة، بمساندة قوى مشتركة، عملية عسكرية استهدفت مواقع قوات الدعم السريع والجيش الشعبي المنتشرة في المنطقة ضمن تحالف "تأسيس".
وأسفرت العملية عن انسحاب تلك القوات غربًا باتجاه منطقة فيو، قبل أن تُحكم القوات المسلحة سيطرتها على هبيلا وتواصل تقدمها في اتجاه الدلنج.
ويجدر بالذكر أنها المرة الثانية التي تتمكن فيها القوات المسلحة من الوصول إلى هبيلا خلال الفترة الأخيرة؛ إذ سبق أن دخلت المنطقة مطلع يناير الجاري، قبل أن تنسحب لاحقًا نحو كرتالا ودلامي، لتعود قوات تحالف "تأسيس" وتفرض سيطرتها عليها من جديد.
وتجدر الإشارة إلى أن هبيلا كانت من أوائل مناطق ولاية جنوب كردفان التي شهدت اشتباكات برية مباشرة منذ امتداد حرب 15 أبريل إلى الولاية في يونيو 2023، حيث اندلعت مواجهات عنيفة في المنطقة خلال أغسطس من العام نفسه. ومنذ ذلك الحين غادر سكانها، لتتحول إلى منطقة خالية من المدنيين، وتصبح ساحة عسكرية تتناوب السيطرة عليها أطراف النزاع.
قال مصدر عسكري في الدلنج، طلب حجب اسمه لعدم تخويله بالتصريح، إن من المتوقع أن تشكل هذه العمليات بداية لنشاط عسكري يستهدف ربط الدلنج بكادوقلي
ويُنظر إلى هذا التقدم بوصفه تطورًا ميدانيًا له أهمية خاصة، نظرًا لموقع هبيلا الاستراتيجي كخط دفاع متقدم، ولدورها المحوري في التحكم بحركة التجارة، وتأثير السيطرة عليها في فتح أو إغلاق الطرق الرابطة بين شرق الولاية وغربها.
ومن المحتمل أن تتواصل العمليات العسكرية في هبيلا خلال الأيام المقبلة، إذ قال مصدر عسكري في الدلنج، طلب حجب اسمه لعدم تخويله بالتصريح، إن من المتوقع أن تشكل هذه العمليات بداية لنشاط عسكري يستهدف ربط الدلنج بكادوقلي، ومن ثم ربط جنوب كردفان بشمال كردفان.
إلا أنه، من جهة أخرى، تمثل هبيلا لقوات الجيش الشعبي نقطة دفاع متقدمة وغطاءً لمناطقها، خاصة منطقتي دلامي وعبري.
ولا تزال قوات تحالف "تأسيس" تتمركز في منطقة فيو، في حين تمركزت القوات المسلحة في هبيلا، وهو ما ينذر بإمكانية دخول الطرفين في محاولات عسكرية جديدة لفرض سيطرة كاملة على المنطقة.
الكلمات المفتاحية
صفوت الجيلي.. رحلة فنان من المسرح إلى زنازين الدعم السريع منذ 3 سنوات
منذ أواخر العام 2023، اقتادت قوة من الدعم السريع الفنان الشاب صفوت الجيلي من منزله بمحلية شرق النيل، وأودعته "معتقل الرياض" شرقي العاصمة السودانية.
بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية
بعيون قلقة، وقلب واجف، تنظر أسماء عبدالله إلى ابنتها لجين، وهي تستعد للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام المؤجل 2025، التي تنطلق الاثنين، 13 أبريل 2026، بعد أعوام من التأجيل.
أوجاع بلا نهاية.. عائلات طلاب بشرق أفريقيا تتحمل تكاليف باهظة لامتحانات الشهادة السودانية
حتى تتمكن من الوصول إلى مرحلة امتحانات الشهادة السودانية، واجهت عائلات الطلاب والطالبات سلسلة من التعقيدات التي تبدأ بالبحث عن مدارس سودانية
السودان.. أسعار الخبز تدفع النساء في بعض المدن إلى تجهيزه في المنزل
يدفع ارتفاع أسعار الخبز في بعض مدن الولاية الشمالية النساء إلى ابتكار خطط بديلة عبر إعداده منزليًا؛ حيث يُوضع "العجين" على نار هادئة مصدرها "أفران" شُيّدت من الطين في فناء المنزل، أو اللجوء إلى الأفران الكهربائية في حال توفر الإمداد واستقراره.
مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم
قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.
نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح
نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى
تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات
أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.
هيئة الأرصاد: ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء السودان ونشاط للرياح
أفاد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية بحدوث ارتفاع مستمر في درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، فضلًا عن نشاط للرياح في بعض المناطق.