عامان على مجزرة ود النورة.. ذاكرة جماعية مثقوبة بالموت والرصاص
6 يونيو 2026
كانت ليلة الخامس من يونيو قبل عامين النقطة الفاصلة بين تاريخ جديد سيُروى عبر الأجيال، وبين مأساة عاشها سكان قرية "ود النورة" بمحلية 24 القرشي جنوبي ولاية الجزيرة.
في وقت مبكر من صباح الخامس من يونيو 2024، وصلت قوات الدعم السريع على متن أكثر من 30 مركبة عسكرية إلى تخوم قرية ود النورة، وفي تلك اللحظات كانت القرية تستعد لصباح اعتيادي، قبل أن تتحول في غضون دقائق إلى ساحة للموت.
مدافعون حقوقيون: تأخرت الدولة في حماية المدنيين في تلك القرية ويجب عليها أن لا تتأخر في اتخاذ إجراءات لتحقيق العدالة للضحايا
دفع نحو 136 شخصًا، بينهم عشرات الأطفال، ثمن الحرب في ساعات قليلة إثر نيران كثيفة أطلقتها قوات الدعم السريع على السكان، بتنفيذ مداهمات على المنازل وتشريد سكانها بين القرى المجاورة، في مأساة لم تَبِنْ فيها ملامح اتخاذ العدالة سبيلاً حتى الآن، وظل الجناة طلقاء وفقًا للناشطين بالمنطقة.
مقابر جماعية
جميع الضحايا قُبِروا في موقع واحد، في صورة عكست للعالم وللسودانيين أن الحرب كشّرت عن وجهها الحقيقي؛ خنادق حُفِرت على عجل، وُضِعت فيها الجثامين بطريقة واحدة، ثم سرعان ما انصرف الناس هلكى إلى منازلهم التي تحولت إلى سرادق عزاء في ذلك اليوم.
قالت طبيبة من سكان القرية عاشت المأساة: "لا تزال المشاهد تتراءى أمامنا بشكل شبه يومي عندما نمر بجوار المقبرة الجماعية، أو عندما نرى البيوت التي تعرضت للمداهمات، وحتى المواقع التي شنّت منها قوات الدعم السريع النيران على المدنيين العزل".
وتضيف الطبيبة في حديث لمراسل "الترا سودان": "عندما تحصي جثث أهلك وجيرانك ومعارفك تحت وابل من الرصاص والمدافع الثقيلة، فإن هذه المشاهد المؤلمة لا تفارق الذاكرة الجماعية لسكان القرية".
ورغم مرور عامين، لم يتحدث سكان القرية عن أي تحرك قانوني للتحقيق في مجزرة قرية ود النورة جنوبي ولاية الجزيرة، فيما اكتفى مجلس السيادة الانتقالي بزيارة المنطقة وإعلان التضامن مع الضحايا والمنكوبين.
ويقول خبراء في الأدلة الجنائية إن الأجهزة العدلية كان ينبغي أن تتحرك إلى قرية ود النورة والمناطق التي شهدت انتهاكات وجرائم بحق المدنيين، حتى لا تتعرض الأدلة المادية والشهادات إلى الطمس مع مرور الوقت.
التأخير يطمس الأدلة
ويرى المحلل القانوني والباحث في مجال الأدلة الجنائية، وأحد مؤسسي المجموعة السودانية للاختفاء القسري للمدنيين خلال الحرب، عثمان البصري، في حديث لـ"الترا سودان"؛ أن قرية ود النورة تعتبر إحدى المناطق التي شهدت جرائم مروعة، ويجب أن تتحرك الأجهزة العدلية لأن أول خطوة نحو العدالة هي زيارة "مسرح الجريمة".
وبينما تتطلب مثل هذه الكوارث والمآسي عادةً توفر التدخلات الطبية النفسية، فإن المواطنين لم يحصلوا على خدمات منتظمة للعلاج النفسي من الصدمة التي تعرض لها المئات جراء الهجمات التي شنتها قوات الدعم السريع صبيحة السادس من يونيو 2024.
رسميًا، تعهد مسؤولون حكوميون بالقصاص لضحايا المجزرة، حيث زار رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان، قرية ود النورة في الخامس من أغسطس 2025، مؤكدًا التزام القوات المسلحة بمواصلة المعارك للقضاء على قوات "الدعم السريع"، ومتعهدًا بالقصاص لأرواح ضحايا المجزرة، ومشددًا على أن "العدالة قادمة ولا تسقط بالتقادم".
ويقول عثمان البصري إن مثل هذه الجرائم تتصل بالمادة 186 من القانون الدولي الإنساني، وهو الهجوم على منطقة رغم علم المجموعات المنفذة للهجوم بأن المنطقة يقيم فيها المدنيون.
بداية النهاية للدعم السريع
وأثارت مجزرة قرية ود النورة بولاية الجزيرة استياء المجتمع الدولي والرأي العام المحلي جراء مقتل نحو 136 مدنيًا في يوم واحد على يد قوات الدعم السريع، بينهم 17 طفلاً، في مأساة لن تُطوى من دواخل نفوس سكان المنطقة.
قال عامل تمريض لـ"الترا سودان": في مستشفى المناقل، الذي نُقِل إليه عشرات المصابين: "تحدثت دماء الجرحى ونوع الإصابات عما حدث في تلك القرية الوادعة، حيث وجد المواطنون أنفسهم في خضم معركة حربية من جانب واحد". وأضاف قائلاً: "هذه المجزرة كانت بداية النهاية لقوات الدعم السريع بولاية الجزيرة، وذلك بزيادة وتيرة انضمام الشبان إلى معسكرات التجنيد للدفاع عن مناطقهم، تجنبًا لتكرار ذات السيناريو لعائلاتهم".
وختم إفادته بالقول: "إذا لم تتمكن الدولة من تقديم الحماية لسكان القرية، فيجب عليها أن تضمن لهم الحصول على العدالة بعدم إفلات الجناة من العقاب".
وقائع ليست قابلة للرواية
وتعيد المقبرة الجماعية الواقعة على طرف القرية تذكير زوارها وسكانها مرارًا بأن هذه المنطقة شهدت مأساة لا مثيل لها خلال الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع، في وقت لم يعد بإمكان من خرجوا ولم يعودوا حتى اليوم هربًا من هذا الجحيم النسيان، لأن الوقائع أكثر من أن تُروى في ساعة واحدة.
تنضم مجزرة قرية ود النورة بولاية الجزيرة إلى مثيلاتها من الانتهاكات والجرائم التي شهدتها قرى ومدن سودانية؛ مثل مدينة بارا، والفاشر، وقرية السريحة في الجزيرة، وبعض أحياء الخرطوم، ومدينة الجنينة، فيما يقول المدافعون الحقوقيون إن المجتمع الدولي ومنظماته العدلية لم يتخذوا خطوة تُذكر حيال هذه الجرائم، بينما مرتكبوها يعيشون في حرية كاملة ويتجولون بين الدول.
أما محليًا، فإن المصالح السياسية قد تلعب دورًا في إعلاء العدالة أو النقيض تمامًا؛ فالعائدون المنشقون من صفوف الدعم السريع أُثِيرت حولهم أسئلة على مواقع التواصل الاجتماعي مفادها: "ما مصير ماضيهم؟" هل سيُقبر إلى الأبد أم أن الوقت لم يحن بعد للمحاسبة؟
الكلمات المفتاحية
بعد نفي التسريبات.. "المقترح الأميركي" هل يكون مدخلًا لإرساء هدنة في السودان؟
هل يكون المقترح الأميركي مفتاحًا لطي صفحة الحرب وفتح صفحة جديدة من السلام والاستقرار في السودان؟.. إفادات وقراءات في التسريبات الأخيرة
استعادة الكرمك.. هل تشكل بداية جديدة بين السودان وإثيوبيا؟
ويعد هذا التحول بمثابة إنهاء لتهديد الدعم السريع على المدن الرئيسية في إقليم النيل الأزرق، ويمكن قرابة 100 ألف شخص من العودة إلى منازلهم في مدينة الكرمك
توترات أم دافوق.. مسارات الذهب والمحاصيل على مرمى النيران
دخلت منطقة أم دافوق، وهي بلدة تجارية بين السودان وأفريقيا الوسطى غربي البلاد، ضمن دائرة التوترات والصراعات
استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان
بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف
عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية
يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان
حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة
أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.
السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم
بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى