طلاب جامعة الخرطوم بين قرارات مفاجئة وواقع غير مهيأ.. هل أصبحت العودة عبئاً جديداً؟
24 أبريل 2026
في الايام الماضية، وجد طلاب جامعة الخرطوم أنفسهم أمام معادلة صعبة، تتمثل في العودة حضوريًا إلى مباني الجامعة، ولكن دون ضمانات واضحة للسكن، أو استقرار التقويم، أو حتى تكافؤ الفرص بين الكليات.
في الصدد، تصاعدت حدة التوتر داخل الجامعة، عقب إعلان إغلاق مراكز الامتحانات خارج السودان، وما تبعه من قرارات أخرى، دفعت مجلس الروابط والأجسام الطلابية إلى التحرك، محذرًا من "تجاهل الواقع" الذي يعيشه الطلاب داخل البلاد وخارجها.
أحمد الرشيد إسماعيل: لا يمكن الحديث عن استقرار للعملية الأكاديمية في ظل قلق الطلاب حول أبسط حقوقهم، وهو وجود سقف يأويهم
وفي السياق، نظم بعض طلاب وموظفي جامعة الخرطوم حملات نظافة واسعة لمجمعات الجامعة بعد سيطرة الجيش على ولاية الخرطوم في مايو 2025، بعد عامين من التوقف القسري منذ اندلاع النزاع في منتصف ابريل 2023.
قرارات مفاجئة واعتراضات متصاعدة
في 11 أبريل 2026، أعلنت إدارة جامعة الخرطوم، عبر أمانة الشؤون العلمية، إغلاق جميع مراكز الامتحانات والتدريب خارج السودان وخارج ولاية الخرطوم، على أن تُعقد الامتحانات حصريًا داخل مجمعات الجامعة في العاصمة. وبررت الإدارة القرار بأنه يأتي في إطار "استقرار العملية التعليمية".
لكن هذا القرار قوبل برفض واسع من قبل الطلاب، الذين اعتبروه مفاجئًا وغير متسق مع واقعهم الحالي داخل السودان وخارجه. وفي بيان لاحق، قال مجلس الروابط والأجسام الطلابية إن القرار تجاهل "التعقيدات اللوجستية والمادية" التي تواجه آلاف الطلاب، خاصة في ظل ظروف الحرب وصعوبة التنقل والإقامة.
وأوضح المجلس أنه سبق أن قدم مذكرة رسمية في مطلع أبريل، موقعة من 15 جسمًا طلابيًا، تضمنت مقترحات بديلة، من بينها الإبقاء المؤقت على المراكز الخارجية، واستمرار نظام التعليم الهجين، ومنح مهلة زمنية لا تقل عن ثلاثة أشهر قبل تنفيذ الإغلاق النهائي. كما أثار البيان مخاوف تتعلق بقدرة الجامعة على استيعاب الطلاب في السكن الجامعي، وجاهزية البنية التحتية لعقد الامتحانات واستئناف الدراسة حضوريًا، مطالبا بزیادة الجھود في ملف إسكان الطلاب.
وبينما ترى الإدارة أن القرار خطوة نحو "استقرار" العملية التعليمية، يراه الطلاب انتقالًا غير محسوب نحو العودة الكاملة، دون توفير الشروط الأساسية التي تضمن عدالة الوصول واستمرارية الدراسة.
ثلاث أزمات تضرب الطلاب
تُظهر إفادات طلابية لـ"الترا سودان" من داخل مجلس الروابط أن تداعيات قرارات جامعة الخرطوم لم تقف عند حدود الإعلان الرسمي، ممتدة لأزمات مركبة على الأرض، تمس الامتحانات والسكن ومسار الدراسة نفسه.
في جانب الامتحانات، أدى إلغاء المراكز الخارجية ونظام "الدورات الامتحانية" إلى وضع أكثر من ألفي طالب أمام تحديات فورية، تتعلق بالسفر المفاجئ إلى الخرطوم وتضارب جداول الامتحانات بين الكليات. فبعد أن كان النظام السابق يسمح بتنسيق الامتحانات بين عدة كليات في فترة محددة، عادت كل كلية لتحديد مواعيدها بشكل منفصل، ما خلق حالة من التشتت الزمني وصعوبة في التخطيط لدى الطلاب.
أما في ملف السكن، فتبرز أزمة أخرى لا تقل تعقيدًا. تشير الإفادات إلى أن الداخليات لم تشهد أي تهيئة حقيقية منذ اندلاع الحرب، مع ظهور ما يصفه الطلاب بمفهوم "السعة"، حيث قد يُحرم الطالب المستحق من السكن بسبب عدم توفر أماكن كافية. ويزداد هذا التحدي مع تركّز بعض أماكن السكن في مناطق بعيدة عن مجمعات الامتحانات، وهذا يعني بالضرورة أعباء مالية إضافية في التنقل اليومي.
إضافة إلى ذلك، تظهر أزمة ثالثة تتعلق بما يصفه الطلاب بعدم الاتساق في السياسات الأكاديمية. فبينما أوقفت الإدارة الدراسة الإلكترونية في بعض الكليات بدعوى توحيد التقويم، سُمح لكليات أخرى، بالاستمرار في نظام التعلم عن بُعد. ونتيجة لذلك، يجد أكثر من 1300 طالب أنفسهم في حالة انتظار منذ أشهر دون بدء عامهم الدراسي الجديد، رغم إكمالهم الامتحانات السابقة.
بهذا المعنى، تعبر الأزمة الحالية عن وجود فجوة بين سياسات مركزية تسعى لإعادة "الوضع الطبيعي"، وواقع طلابي لا يزال محكومًا بتعقيدات الحرب وتداعياتها.
عبء جديد على الطلاب
في هذا الجانب، يرى أحمد الرشيد إسماعيل، رئيس رابطة طلاب كلية الطب بجامعة الخرطوم في حديث لـ"الترا سودان"، أن قرار إغلاق المراكز الخارجية جاء في "توقيت بالغ الحساسية"، مشيرًا إلى أنه يضيف أعباءً جديدة على طلاب تأثروا بشكل مباشر بالحرب، التي "لم تترك جانبًا من جوانب الحياة إلا وأثرت عليه".
د. مزمل عثمان سعيد: التسرع في العودة دون معالجة هذه القضايا قد يدخل الجامعة في دوامة من عدم الاستقرار
وبحسب تقديرات طلابية، فإن عدد المتضررين يتجاوز ألفي طالب وطالبة، معظمهم اضطروا لمغادرة السودان بعد فقدان مساكنهم ومصادر استقرارهم، وأعادوا ترتيب حياتهم في دول أخرى. اليوم، يواجه هؤلاء تحديًا يتمثل في العودة خلال فترة زمنية قصيرة، في ظل غياب ترتيبات كافية، وهو ما يجعل القرار"أكبر من مجرد خيار فردي"، لارتباطه بظروف أسرية كاملة، خاصة للطلاب الذين استقرت عائلاتهم نسبيًا خارج البلاد.
ويشير إلى أن التحديات لا تقتصر على الامتحانات أو تضارب الجداول، وتمتد إلى أزمة السكن، في ظل عدم اكتمال تأهيل الداخليات وازدياد الضغط عليها، وأن الأمر لا يقتصر فقط على طلاب الولايات أو الخارج الذين كانوا يسكنون في الداخليات، بل يصل إلى طلاب الخرطوم الذين فقد بعضهم منازلهم. هذا الواقع، كما يقول، قد يضع عددًا من الطلاب أمام احتمال عدم العثور على سكن من الأساس، "ولا يمكن الحديث عن استقرار للعملية الأكاديمية في ظل قلق الطلاب حول أبسط حقوقهم، وهو وجود سقف يأويهم".
كما يستحضر تجربة امتحانات نوفمبر الماضية في مركز أم درمان، حيث لم تتمكن الجامعة من توفير سكن كافٍ، معتبرًا ذلك مؤشرًا عمليًا على حجم التحدي الحالي.
وفي جانب آخر، ينتقد الرشيد إيقاف الدراسة الإلكترونية في بعض الكليات حتى أغسطس، بحجة توحيد التقويم، مشيرًا إلى أن ذلك أدى فعليًا إلى تعطيل العملية الأكاديمية وتأخير الطلاب، رغم إمكانية استمرار الدراسة "ولو بالحد الأدنى" إلى حين تهيئة البيئة المناسبة للعودة الحضورية، خاصة في ظل ما فقده الطلاب مسبقًا من زمن دراسي خلال فترات الإغلاق.
ويحذر من أن مجمل هذه الظروف قد يمنع عددًا مقدرًا من الطلاب من الوصول في الوقت المحدد للامتحانات، ما يضعهم أمام خيارات صعبة بين تفويتها أو تجميد العام الدراسي، وهو ما يضيف تعقيدًا إضافيًا لقرار العودة في هذا التوقيت.
ورغم ذلك، يؤكد الرشيد أن الطلاب لا يرفضون العودة من حيث المبدأ، بل يطالبون بأن تتم بشكل تدريجي يراعي واقعهم، مضيفًا: "نحن لسنا في صراع مع إدارة الجامعة، لكننا نرفض أن يتم هذا الانتقال بصورة متسرعة قد تؤدي إلى ضياع مستقبل عدد كبير من الطلاب".
تحذيرات من فقدان الاستقرار
من جهته، يصف د. مزمل عثمان سعيد، العميد السابق لكلية علوم الجغرافيا والبيئة بجامعة الخرطوم، قرارات إغلاق المراكز الخارجية والعودة الحضورية بأنها "غير مسنودة بأي منطق أو حس سليم"، محذرًا من تداعيات قد تمس استقرار الجامعة ومستقبل منسوبيها.
ويرى في حديثه لـ"الترا سودان" أن التسرع في فرض العودة، دون توفير الشروط الأساسية، قد يؤدي إلى فقدان عدد مقدر من أعضاء هيئة التدريس والموظفين والطلاب، سواء عبر الاستقالات أو عدم القدرة على العودة في الوقت المحدد، إلى جانب تعريض مستقبل أعداد كبيرة من الطلاب لخطر التعثر أو الانقطاع، خاصة في ظل تعقيدات أوضاعهم داخل السودان وخارجه.
ويؤكد أن النموذج الأنسب في هذه المرحلة يقوم على "المشاركة والمرونة"، عبر اتخاذ قرارات مبنية على دراسات علمية دقيقة تراعي الواقع الحالي بدلًا من الانتقال الحاد نحو الدراسة الحضورية.
ويشدد على أن استئناف الدراسة من داخل الجامعة يتطلب توفر شروط موضوعية أساسية، في مقدمتها إعادة تأهيل المجمعات التعليمية والسكنية، وتجهيز الداخليات، وتوفير خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي، إلى جانب تحسين أوضاع العاملين عبر إجازة هيكل راتبي عادل يمكّنهم من تحمل كلفة العودة بعد سنوات من الخسائر.
كما يلفت إلى أن الجامعة، التي تعاني أصلًا من ضائقة مالية مزمنة، تواجه اليوم تحديات أكبر بعد تعرض ممتلكاتها واستثماراتها للتدمير والنهب، ما يضع علامات استفهام حول قدرتها على تمويل إعادة الإعمار وتسيير الدراسة الحضورية في الوقت نفسه.
ويضرب مثالًا بتكاليف التدريب والرحلات العلمية، التي كانت مرتفعة حتى قبل الحرب، فضلًا عن تدمير المعامل ونهب الأجهزة، ما يجعل استعادة الحد الأدنى من البيئة التعليمية "تحديًا ماليًا كبيرًا".
وفي ضوء ذلك، يطرح عثمان تساؤلات حول قدرة الجامعة، في وضعها الراهن، على صيانة مرافقها وتشغيلها، أو توفير متطلبات الدراسة العملية، مؤكدًا أن التسرع في العودة دون معالجة هذه القضايا قد يدخل الجامعة في "دوامة من عدم الاستقرار".
ويختتم بالدعوة إلى تبني مسار تدريجي، يقوم على استمرار التعليم الإلكتروني لفترة محددة، مع الإبقاء على المراكز الخارجية، وتوجيه الموارد نحو إعادة الإعمار، بما يضمن عودة أكثر استقرارًا واستدامة، بدلًا من "انتقال متعجل" قد تكون كلفته أعلى على الجامعة وطلابها.
العودة ممكنة
من جانبه، يرى ياسين حسن وهو أستاذ جامعي وباحث في حديث لـ"الترا سودان"، أن عودة الجامعات إلى العمل الحضوري "أمر ضروري"، خاصة في المناطق التي تُعد أكثر استقرارًا مثل الخرطوم والجزيرة والشمالية وشرق السودان، لكنه يحذر من أن تنفيذ هذه العودة "لا يمكن أن يتم بين عشية وضحاها".
ويقول حسن إن إغلاق المراكز الخارجية بشكل مفاجئ، مع مطالبة جميع الطلاب بالعودة فورًا، يتجاهل تعقيدات الواقع الحالي، مشيرًا إلى أن كثيرًا من الطلاب لا يستطيعون اتخاذ قرار العودة بشكل فردي، لارتباطهم بأسر استقرت خارج السودان، أو لفقدانهم مساكنهم بسبب الحرب.
ويضيف أن البدائل كانت متاحة، مثل"الإبقاء على المراكز الخارجية مؤقتًا أو استمرار التعليم الإلكتروني"، مؤكدًا أن "إغلاق هذا الباب بالكامل، في هذا التوقيت يضع الطلاب أمام خيارات صعبة".
ويستحضر في هذا السياق تجربة الجامعات خلال جائحة كورونا، حيث تم اعتماد نماذج تعليمية مرنة تجمع بين الحضور المباشر والتعليم عن بُعد، قائلاً إن العودة آنذاك تمت بشكل تدريجي، مع الإبقاء على بعض المقررات أونلاين، خاصة للطلاب الذين لا تتطلب دراستهم حضورًا عمليًا.
ورغم إقراره بوجود ملاحظات على التعليم الإلكتروني، يؤكد حسن أن "الظروف الحالية استثنائية"، وتتطلب من إدارات الجامعات مراعاة أوضاع الطلاب وأسرهم، خاصة في ظل الدمار الذي طال المساكن وصعوبة العودة بالنسبة لكثيرين.
ويرى أن الحل لا يجب أن يكون إما إيقاف التعليم أو فرض العودة الكاملة، وأن هناك خيار آخر يتمثل في "توفيق أوضاع الطلاب بصورة سلسة"، عبر مسار تدريجي يوازن بين متطلبات العملية التعليمية والواقع المعيش.
وفي قراءة أوسع، يشير حسن إلى أن "القرار يحمل أبعادًا سياسية"، في ظل توجه عام نحو إعادة الحياة إلى طبيعتها، لكنه يلفت إلى أن "العودة لها ثمنها"، وتتطلب توفر مقومات أساسية قبل فرضها.
ياسين حسن: إغلاق هذا الباب بالكامل، في هذا التوقيت، يضع الطلاب أمام خيارات صعبة
ويختم بالقول إن تحقيق التوازن بين القرار الأكاديمي والاعتبارات السياسية ممكن، عبر إتاحة العودة بشكل اختياري في المرحلة الأولى، ومنح الطلاب فترة زمنية كافية للانتقال التدريجي، "بدل الصورة الحادة" التي قد تضعهم أمام تحديات أكبر.
في ظل هذه التعقيدات، تطرح أزمة جامعة الخرطوم سؤالًا أعمق حول طبيعة المرحلة الانتقالية التي تمر بها المؤسسة. فهل يمكن استعادة "الوضع الطبيعي" في جامعة تأثرت بنيتها وطلابها بالحرب، قبل أن تكتمل شروط هذا الاستقرار على الأرض؟ أم أن القرارات المتسارعة قد تتحول، في غياب هذه الشروط، إلى عبء إضافي على طلاب يسعون فقط لاستكمال تعليمهم؟
الكلمات المفتاحية
عودة الجامعات إلى مقارها الأصلية.. هل يطوي التعليم العالي صفحة النزوح؟
هل تنجح الجامعات في العودة إلى مقارها الأصلية وسط التحديات الأمنية والاقتصادية والخدمية الراهنة؟
هدوء على الأرض وتهديد من السماء.. ما الذي يحدث في مدينة الدلنج السودانية؟
برز نمط جديد من العمليات العسكرية، تمثل في تزايد الهجمات بالمسيرات والقصف عن بعد، الأمر الذي جعل المدنيين يواجهون تهديدًا يوميًّا
حادثة بلفاست واللاجئون السودانيون.. كيف تتحول الجرائم الفردية إلى موجات عداء للمهاجرين؟
لم تمضِ ساعات حتى انتشر مقطع مصور للحادثة، فأشعل موجة احتجاجات في عدة مدن بأيرلندا الشمالية تحت شعار "يكفي"
محتجون يغلقون طرقات نيالا احتجاجًا على اختطاف ناطق باسم مكون قبلي
أظهرت مقاطع فيديو متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي إغلاق شوارع رئيسية وسط المدينة
لاحقتهم في "شمارات" بالخرطوم.. الشرطة تعلن عن عملية جديدة
تأتي الحملة في سياق إجراءات أمنية وإدارية تنفذها السلطات بولاية الخرطوم منذ استعادة الجيش السيطرة على أجزاء واسعة من العاصمة
من يشجع السودانيون في كأس العالم؟
وفي بلد أثقلته الحرب وأرهقته الأزمات، يبقى المونديال مساحة نادرة يلتقي فيها السودانيون حول شغف واحد، حتى وإن اختلفت الأعلام التي يرفعونها.
قال: أعطوني يومين فقط.. كيف أوفى فلومو بوعده في القمة؟
بدت العبارة للكثيرين مجرد حماس لاعب يرفض الاستسلام، لكنها بالنسبة إليه كانت وعدًا قطعه على نفسه.