طلاب السودان ضحايا سياسات الهجرة البريطانية.. توقف التأشيرات وحرمان التعليم
7 مارس 2026
كانت الطالبة السودانية "ت.ن" التي تعيش كلاجئة في أوغندا بسبب الحرب في بلادها، تستعد لبدء مرحلة جديدة من حياتها الأكاديمية بعد حصولها على قبول لدراسة الماجستير في التنمية الدولية في إحدى جامعات المملكة المتحدة، لكن قرار الحكومة البريطانية إيقاف منح تأشيرات الدراسة للسودانيين وضع خططها في مهب الريح، وتركها مثل كثيرين غيرها أمام مستقبل مجهول.
وفي 3 مارس 2026، أعلنت وزيرة الداخلية البريطانية شبانة محمود عن فرض ما يُسمى بـ "إجراء طوارئ" على بعض مسارات التأشيرات، شملت تأشيرات الدراسة للمواطنين من السودان وأفغانستان والكاميرون وميانمار، ووقف طلبات فيزا العمال المهرة للأفغان فقط. ويهدف القرار، الذي يبدأ تطبيقه في 26 مارس، إلى تقليل الضغط على نظام اللجوء البريطاني والحدّ من ما وصفته الحكومة بـ "إساءة استخدام النظام القانوني".
طالبة متضررة: "منذ اندلاع الحرب ونحن نعيش حالة من التوتر، والآن يأتي هذا القرار ليضيف مزيدًا من عدم الاستقرار"
ومنذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، توقفت الدراسة في أكثر من 100 جامعة عامة وخاصة معظمها في الخرطوم، بالإضافة إلى التدمير والنهب الذي طال البنية التحتية التعليمية والبحثية.
وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على العاصمة في مايو 2025، بدأت بعض الجامعات محاولة استئناف الدراسة جزئيًا، لكن العودة إلى العمل الأكاديمي الطبيعي لا تزال تواجهه تحديات كبيرة منها نقص الموارد، ونزوح الطلاب والأساتذة.
قرار صادم
وبالعودة لإفادة الطالبة المتضررة التي تحدثت لـ"الترا سودان"، تقول إن القرار مثل بالنسبة لها "تغييرًا كاملًا لمسار الحياة"، مشيرة إلى أن الحرب في السودان كانت قد أخّرت تخرجها الجامعي وأجّلت خطتها لدراسة الماجستير، وتضيف: "منذ اندلاع الحرب ونحن نعيش حالة من التوتر، والآن يأتي هذا القرار ليضيف مزيدًا من عدم الاستقرار".
وكانت الطالبة تخطط للتخصص في قضايا النزاعات والتنمية المستدامة ضمن برنامجها الأكاديمي، بهدف الإسهام لاحقًا في معالجة الأزمات التي يواجهها السودان، موضحة: "كنت أريد دراسة مقررات متخصصة في النزاعات والتنمية والعدالة الانتقالية، حتى أتمكن عبر البحث العلمي من الإسهام في فهم القضايا الملحّة التي تواجه بلادنا".
وتصف الطالبة القرار بأنه "صادم جدًا"، قائلة إنه "يزيد من شعور السودانيين بفقدان الأمل"، ويعزز الإحساس بأن العالم لا يهتم فعليًا بما يجري في السودان، وتضيف أن حرمان الطلاب من فرص الدراسة في الخارج يبدو، بالنسبة لها "قرار متناقض مع التزامات بريطانيا ولا يراعي ظروف السودان"، مشيرة الى أن الدول التي نجد أسلحتها في ساحة الحرب في السودان - تقصد بريطانيا - لا تتحمل مسؤوليتها، وفي الوقت نفسه "تُغلق أبواب التعليم أمام السودانيين"، حسب وصفها.
وفي هذا السياق، أثار عدد من أعضاء البرلمان في المملكة المتحدة مخاوف بشأن احتمال وصول معدات عسكرية بريطانية إلى الحرب في السودان عبر أطراف ثالثة. ففي مذكرة برلمانية قُدمت في ديسمبر 2025، أعرب نواب بريطانيون عن "قلق بالغ" من أدلة تشير إلى أن معدات عسكرية بريطانية صُنعت في المملكة المتحدة وصُدِّرت إلى الإمارات العربية المتحدة قد جرى تحويلها لاحقًا إلى قوات الدعم السريع.
وبحسب تقرير لصحيفة "ذا قارديان"، كشفت وثائق اطّلع عليها مجلس الأمن الدولي أن معدات عسكرية بريطانية الصنع عُثر عليها في ساحات القتال في السودان بحوزة الدعم السريع، تضمنت هذه المعدات أنظمة تدريب وتصويب للأسلحة الصغيرة ومحركات بريطانية استُخدمت في مركبات مدرعة.
وتضيف الطالبة: "كان يفترض أن تجتهد بريطانيا في دعم تعليم السودانيين، لأن الأجيال التي تتعلم اليوم هي التي ستعيد بناء السودان" وترى: "بحكم تاريخ بريطانيا الاستعماري في السودان، فلديها مسؤولية أخلاقية في الإسهام في ذلك".
انتقائية في السياسات وتأطير البيانات
هذه التجربة الشخصية تعكس واقع أكبر يمكن تحليله عبر مفاهيم تتعلق بصناعة القرار في الدول، وفي هذا الصدد، ترى الباحثة في السياسات العامة أم سلمة عثمان في حديثها لـ"الترا سودان" أن قرار ايقاف "الفيزا البريطاني" "يمكن فهمه ضمن أنماط معروفة في صناعة السياسات العامة، مثل الانتقائية في السياسات، وتأطير البيانات، والتمييز في التطبيق".
وبحسب أم سلمة فإن مفهوم الانتقائية في السياسات يشير إلى الحالات التي "تختار فيها الحكومات تطبيق إجراءات صارمة على فئة أو دولة بعينها، رغم أن الظاهرة التي يُبرَّر بها القرار موجودة بدرجات أكبر لدى فئات أخرى".
وتؤكد أن عدد الطلاب السودانيين في بريطانيا محدود أصلاً مقارنة بدول أخرى، طارحة تساؤلاً حول سبب توجيه القيود نحو السودان تحديدًا بقولها: "إذا كان الهدف الحقيقي هو معالجة مسار التحول من تأشيرة الدراسة إلى طلب اللجوء، فلماذا يتم توجيه القيود نحو السودان ذو الحضور العددي المحدود جدًا، بينما تبقى دول أخرى ذات أعداد أكبر خارج نطاق الإجراءات ذاتها؟".
وتشير البيانات الرسمية إلى أن عدد الطلاب السودانيين الذين كانوا يدرسون أو حصلوا على تأشيرات دراسية في المملكة المتحدة قبل قرار وقف التأشيرات محدود جدًا، ففي العام الأكاديمي 2024‑2025 كان هناك حوالي 285 طالبًا سودانيًا في جامعات بريطانية، من بين ما يقارب 3,880 طالبًا من الدول الأربع التي شملها القرار. بينما في عام 2025 صدرت 243 تأشيرة دراسة للسودانيين من بين أكثر من 429,000 تأشيرة دراسية صدرت للطلاب من جميع أنحاء العالم بنسبة بلغت فقط (0.06%).
وترى الباحثة في السياسات العامة أن تفسير ذلك يرتبط بما يُعرف في تحليل السياسات بـ الكلفة السياسية، إذ تقول: "في كثير من الأحيان تُصاغ السياسات بطريقة تستهدف الفئات الأقل تأثيرًا سياسيًا أو اقتصاديًا، لأن اتخاذ قرار ضدها يحقق مكاسب سياسية داخلية بأقل قدر من الخسائر."
وبحسب هذا المنطق، فإن استهداف فئة صغيرة نسبيًا مثل الطلاب السودانيين قد يكون خيارًا سياسيًا منخفض الكلفة مقارنة بفرض قيود مماثلة على دول تمتلك جاليات طلابية أكبر أو حضور سياسي واقتصادي أكثر تأثيرًا داخل بريطانيا.
وتشير أم سلمة إلى أن طريقة عرض البيانات تلعب دورًا مهمًا في تشكيل الانطباع العام، موضحة أن النقاش قد يركز على "نسبة مرتفعة" من الطلاب الذين تحولوا إلى طلب اللجوء، بينما يكون "العدد الفعلي للحالات ضئيلاً ضمن قاعدة صغيرة أصلاً من الطلاب"، وهو "ما يُعرف في تحليل السياسات بانحياز التأطير الإحصائي".
وتردف: "هذا النوع من التأطير شائع في النقاشات السياسية المرتبطة بالهجرة، لأنه يسمح للحكومات بإظهار قدر من الحزم أمام الرأي العام حتى عندما تكون الظاهرة محل النقاش محدودة من حيث الحجم الفعلي".
وتضيف أن الإشكال يظهر عندما تتحول هذه الانتقائية إلى "تمييز في التطبيق"، خاصة في ظل الظروف التي يعيشها السودان، قائلة: "السودان اليوم يمر بواحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم نتيجة الحرب، وفي مثل هذا السياق يصبح من الطبيعي أن يبحث بعض الأفراد عن الحماية الدولية."
ووفق القانون الدولي، يُعد طلب اللجوء حقًا معترفًا به للأفراد الذين يواجهون خطر الاضطهاد. إذ تنص المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان على حق كل إنسان في التماس اللجوء في بلدان أخرى هربًا من الاضطهاد. كما تنظم اتفاقية الأمم المتحدة الخاصة بوضع اللاجئين لعام 1951 التزامات الدول تجاه طالبي اللجوء واللاجئين، وعلى رأسها مبدأ عدم الإعادة القسرية، الذي يمنع إعادة أي شخص إلى بلد قد يواجه فيه خطرًا على حياته أو حريته.
خطوات عملية
من جهته يرى الأكاديمي والأستاذ الجامعي ياسين حسن أن "القرار في جوهره سياسي"، وأن الشكوى أو التعبير عن الغضب وحده قد لا يكون كافيًا، قائلًا: "بدلاً من الاكتفاء بالشكوى من القرار، ربما يكون الأجدى التفكير في ما يمكن فعله الآن".
باحثة في السياسات العامة: "في كثير من الأحيان تُصاغ السياسات بطريقة تستهدف الفئات الأقل تأثيرًا سياسيًا أو اقتصاديًا، لأن اتخاذ قرار ضدها يحقق مكاسب سياسية داخلية بأقل قدر من الخسائر"
ويؤكد حسن في افادة لـ"الترا سودان" أن المطلوب هو "مبادرة سريعة ومسؤولة من أبناء المجتمع السوداني في بريطانيا، تسعى إلى تنظيم الصوت السوداني في إطار مؤسسي واضح، وبناء قنوات تواصل مباشرة مع البرلمان والحكومة البريطانية". كما يشدد على أهمية تقديم خطاب متوازن ومسؤول يعكس مصالح السودان بعيدًا عن الاستقطاب، موضحًا أن "كسب ود الحكومات يتم بالعمل المنظم، وبفهم كيفية إدارة السياسة في الدول الديمقراطية".
وفي المحصلة، يبدو أن القرار البريطاني بوقف منح التأشيرات للطلاب السودانيين جاء نتيجة حسابات سياسية وانتقائية لم تراع ظروف السودانيين وواقع الحرب المعقد، فاتحة أبوابًا لأسئلة تتعلق بمدى قدرة الحكومة السودانية والجالية في بريطانيا على الضغط الفعال لأجل إلغاء القرار.
الكلمات المفتاحية
السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟
بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.
ذكرى السادس من أبريل.. قصة ثورة لم تمضِ كما بدأت
صادف السبت، السادس من أبريل 2019، نهاية عطلة الأسبوع بالعاصمة الخرطوم. والملاحظ أن الشوارع خلت من حركة المارة في الفترة الصباحية، وكأن هناك حالة من التحفز لحدثٍ جسيم سيقع لاحقًا.
تغييرات هيئة الأركان.. قائد الجيش يعيد ترتيب الأوراق ويمسك "بكرة النرد"
لم تكن التغييرات التي طرأت على هيئة أركان الجيش السوداني، اليوم الخميس 2 أبريل الجاري، مفاجئة للمراقبين؛ فوفقًا للبيان الصادر عن القيادة العامة،
من المسيرات إلى المواجهات البرية.. النيل الأزرق على صفيح ساخن ونزوح بالآلاف
منذ مطلع العام الجاري، لم تهدأ جبهة النيل الأزرق تمامًا، وظلت تتحرك على إيقاع تصعيد متقطع بدأ منذ مطلع يناير الماضي، بهجمات الدعم السريع والجيش الشعبي ضمن تحالف السودان التأسيسي "تأسيس" على منطقتي ملكن والسلك بمحافظة باو، قبل أن يستعيد الجيش السوداني السيطرة عليهما في 26 يناير 2026، مع استمرار تناوب السيطرة.
السودان خارج القاعة.. هل ينجح مؤتمر برلين في كسر جمود الأزمة الإنسانية؟
بمشاركة وزارة الخارجية الألمانية، وممثلي الولايات المتحدة الأمريكية، والأمم المتحدة ووكالات إقليمية وعالمية، ونحو 40 شخصية من القوى المدنية والسياسية السودانية، تبدأ أعمال مؤتمر برلين يوم الأربعاء المقبل، الموافق 15 أبريل 2026. ويتزامن هذا المحفل مع الذكرى الثالثة لاندلاع الحرب في السودان.
شعبة مصدري الذهب تطالب الحكومة بالتدخل لملاحقة الفساد في القطاع
قالت شعبة مصدري الذهب إن المعدن الأصفر قد يساعد السودان على الخروج من الأزمة الاقتصادية، إذا تمكنت الحكومة من سد منافذ التهريب ومكافحة الفساد والتجاوزات، متوقعة ارتفاع عائدات الذهب إلى 6 مليارات دولار سنويًا من المعدن النفيس، حال تطبيق إصلاحات جذرية في هذا القطاع
جريمة مروعة تهز كاب الجداد.. مقتل تاجر داخل منزله
شهدت منطقة كاب الجداد بولاية الجزيرة جريمة قتل بشعة هزت سكان المنطقة، إذ أقدمت مجموعة مسلحة على قتل تاجر ملابس داخل منزله في الساعات الأولى من صباح اليوم الأحد، في حادثة أثارت حالة من الخوف وسط الأهالي.
حريق يدمر 17 منزلًا في مدينة الطويشة بولاية شمال دارفور
أعلنت غرفة طوارئ محلية "الطويشة"، الواقعة جنوب شرق مدينة الفاشر بولاية شمال دارفور، عن اندلاع حريق هائل مساء السبت، أسفر عن تدمير 17 منزلًا بالكامل، دون تسجيل خسائر في الأرواح.