زريبة ديم زبير.. من عمق تاريخ العبودية المهمل إلى قائمة التراث العالمي

زريبة ديم زبير.. من عمق تاريخ العبودية المهمل إلى قائمة التراث العالمي

زريبة ديم زبير في العام 1902 (أرشيف السودان)

ديم زبير، اسم لمدينة تقع حاليًا بولاية غرب بحر الغزال على التخوم الشمالية الغربية لدولة جنوب السودان، حيث تبعد حوالي 70 كيلو مترًا عن الحدود مع جمهورية إفريقيا الوسطى، ولا زالت بقايا معسكر الرقيق التابعة للتاجر السوداني الشهير الزبير رحمة منصور قائمة إلى الآن في المنطقة، حيث تم ترشيحها بواسطة وزارة الثقافة بحكومة جنوب السودان ليتم تضمينها إلى قائمة اليونسكو للتراث العالمي في شهر تشرين الأول/أكتوبر 2019، وهي خطوة ستعيد المنطقة المهملة إلى دائرة الضوء والنقاشات من جديد، كما ستساهم في حمايتها باعتبارها واحدة من المواقع التاريخية التي يجب أن يتم الحفاظ عليها كجزء من التراث الإنساني والعالمي.

بينما كان أمراء الحرب يمارسون حملات اصطياد الرقيق في معظم أرجاء الإقليم، إلا أن الزبير قد نقلها إلى مستويات غير مسبوقة وواسعة النطاق

ولا يُعرف سوى القليل عن التطورات التاريخية في الموقع قبل النصف الثاني من القرن التاسع عشر. ووفقًا للباحث الرائد في تاريخ السودان ريتشارد ليزلي هيل، كان يطلق على تلك المنطقة اسم "بايو"، قبل أن يقوم أمير الحرب وتاجر الرقيق الزبير رحمة منصور بإنشاء زريبة –محطة محصنة لتجميع وتجارة الرقيق- هناك كمقر رئيسي له في العام 1860، فصارت تعرف بـ"ديم زبير".

اقرأ/ي أيضًا: تردة الرهد.. حياة المكان تنبع من البحيرة

كتب دوغلاس جونسون، الباحث بجامعة أوكسفورد والذي نشر العديد من الدراسات حول التاريخ السياسي والاجتماعي لجنوب السودان، قائلًا: "إن معسكر ديم الزبير تم تأسيسه وبناؤه على موقع بايا الاستراتيجي حيث يضم طريق القوافل بين الشمال والجنوب من دار فرتيت وأرض الزاندي، إلى الطريق الرابط بين الشرق والغرب إلى نهر النيل عبر واو ومشرع الرق وصولًا لمدينة رمبيك وشامبي".


ديم زبير 1897 (أرشيف السودان)

وبينما كان أمراء الحرب يمارسون حملات اصطياد الرقيق في معظم أرجاء الإقليم، إلا أن الزبير قد نقلها إلى مستويات غير مسبوقة وواسعة النطاق. ويُقدر أن ما يصل إلى (400) ألف شخص استعبدوا في غضون أربعة عشر عامًا فقط. ويفترض أن الآلاف قتلوا أثناء مقاومتهم تلك الحملات التي كان يشارك فيها جنود البازنقر التابعين لإمبراطورية الزبير باشا الممتدة من غرب بحر الغزال وحتى مناطق جنوب دارفور، التي كان الرجل يسيطر عليها في ذروة سطوته التي بدأت في عام 1871.

وفي 3 تشرين الأول/أكتوبر 2017، قدمت حكومة جنوب السودان اسم الموقع التاريخي لزريبة "معسكر" تجميع الرقيق في ديم زبير، إلى مركز التراث العالمي التابع لمنظمة اليونسكو ليتم تضمينه في أول قائمة مبدئية على الإطلاق لمواقع التراث العالمي، كما قدمت إلى جانب هذا الموقع أيضًا موقعًا آخر هو منطقة السدود الواقعة في المنطقة ما بين بحر الجبل والنيل الأبيض على امتداد ولايات جونقلي وأعالي النيل، كأكبر منطقة تجمع للمياه العذبة في العالم.

اقرأ/ي أيضًا: مركز نياكورين الثقافي.. منحة خاشقجي التي تحولت لشركة خاصة

وتقول اليونسكو حول موقع ديم زبير الأثري: "قام الزبير رحمة بتشييد معسكره وتقويته حيث كان العبيد ينتظرون نقلهم إلى وجهات مختلفة على طول نهر النيل شمالًا، وقد تم بناء خندق تحت الأرض بعمق أربعة أمتار وطول ثلاثة كيلومترات، واستخدم الخشب والطين اللبن في البناء، ويحتوي المعسكر على غرف تستخدم كسجون لتقييد العبيد، وتوجد علي حافته شجرة مشهورة كمكان لشنق العبيد الذين يحاولون الفرار من خاطفيهم. يقع خندق ديم زبير على الطريق من واو إلى مقاطعة راجين واو، ولا يتم الحفاظ عليه بشكل جيد حاليًا،  لذلك فهو يحتاج إلى حماية عاجلة للحفاظ على أهميته كموقع للتراث الثقافي".

وتضيف اليونسكو في وصف المنطقة: "ويشارك زعماء المجتمع المحلي بالمنطقة أيضًا في جمع المعلومات والبيانات عن الموقع، بما في ذلك كل ما كان ينتمي إلى أساليب حياة السكان السابقين والثقافات، ولكن ما تزال هناك حاجة إلى دعم إضافي من المؤرخين والأنثروبولوجيين للنظر في شكل ومحتوى الخندق، وهو حاليًا تحت الأرض وغير متحرك".

وبسبب الإهمال الذي تعرض له الموقع باتت الكثير من القطع الأثرية المأخوذة منه في المتاحف الأوروبية. حيث تم بيع القطع الأثرية التي أخذت من قبل أرملو رومو جيسي إلى متحف الأثنوغرافيا وعصور ما قبل التاريخ في روما. ونقلت أجزاء من المجموعة لاحقًا إلى متاحف أخرى في إيطاليا، لكن بعد أن تم تسجيل الموقع ضمن قائمة اليونسكو يمكن الآن أن تتم استعادة تلك القطع وإقامة متحف محلي يؤرخ لتاريخ المنطقة برمتها.

هذا ويرتبط الموقع بتاريخ من العبودية ويمكن أن يكون أول موقع في القرن التاسع عشر مرتبط بتجارة الرقيق في السودان يتم إدراجه في قائمة التراث الثقافي العالمي.

المتوقع أن يقود اعتماد الموقع بشكل رسمي من قبل منظمة اليونسكو في قائمة التراث العالمي إلى توفير الحماية المطلوبة

ومن المتوقع أن يقود اعتماد الموقع بشكل رسمي من قبل منظمة اليونسكو في قائمة التراث العالمي إلى توفير الحماية المطلوبة والقيام بأعمال الصيانة الفنية المتخصصة والترميم، بجانب إعادة القطع الأثرية التي تم أخذها منه للمتاحف العالمية، مما يؤهله لأن يعتمد كأول متحف في الهواء الطلق بجنوب السودان، البلد الذي توجد به العديد من المواقع التاريخية الهامة والتي تحتاج هي الأخرى لجهود من وزارة الثقافة بحكومة جنوب السودان من بينها منطقة فشودة بأعالي النيل، وجزيرة غندكرو والكثير من المواقع التي تعتبر جزءً أساسيًا من ذاكرة سكان المنطقة وشعبها.

 

اقرأ/ي أيضًا:

تاماي.. أو حينما حطم أجدادنا سطوة الجيش الإنجليزي

نعمة الباقر.. مسيرة صحفية سودانية تستحق الاحتفاء