ذكرى ثورة ديسمبر.. الأحلام التي دهستها سنابك الثورة المضادة
19 ديسمبر 2025
أنجزت ثورة ديسمبر وعدها بالإطاحة بنظام الإنقاذ الذي جثم على صدور السودانيين لثلاثة عقود ونيف؛ تمكن فيها الإسلاميون من احتلال كامل جهاز الدولة، وتحطيمه، عبر سياسة التمكين وإحلال كوادرهم في مفاصل الدولة كافة.
ورويدًا رويدًا، باتت حتى فرصة العمل في القطاع الحكومي نفسه رهينة توصية من التنظيم الإسلامي، الذي تعامل مع جهاز الدولة كغنيمة حصل عليها بعد الانقلاب على الحكومة الديمقراطية في 30 حزيران/يونيو 1989.
"شرارة الثورة المشتعلة في الشوارع السودانية اليوم في ذكراها السابعة رغم الحرب ستظل دليلًا للسودانيين في ليلهم الطويل بأن التغيير هو الواجب الذي لن يتخلى عنه الحالمون.. وما الثوار إن لم يحلموا بالغد الزاهر والآهل بالآمال العظيمة؟"
ومنذها تعامل منسوبو الجبهة الإسلامية القومية الذين وصلوا إلى الحكم عبر الدبابة مع منافسيهم السياسيين بالعسف والقبضة الأمنية الشرسة، فأودعوهم السجون والمعتقلات، ومارسوا عليهم التنكيل والتضييق، فاكتظت السجون وامتلأت المعتقلات.
وفي يوم واحد تم فصل أكثر من ستمائة ألف موظف من الخدمة المدنية بقرار واحد، مسببين القرار بالصالح العام، بينما كان الهدف هو تمكين النظام من الخدمة المدنية التي انهارت بسبب القرارات الجزافيية التي لم تتوخ المصلحة العامة بل مصلحة التنظيم، التي حلت دائمًا محل مصلحة الوطن والمواطن فيما سيأتي من قرارات لاحقة، أوردت السودان موارد الهلاك، حتى في أمنه القومي، الذي حدث به أكبر اختراق في السودان، يدفع ثمنه السودانيون اليوم بالحرب المشتعلة منذ ثلاثة أعوام نتيجة لتكوين مليشيا بقرار من رئيس المؤتمر الوطني، الرئيس المخلوع عمر البشير، وتصويت برلمان المؤتمر الوطني بإجازة قانون لهذه المليشيا في2017 قبل عام واحد من اشتعال الثورة.
ماذا تبقى من الثورة
في الذكرى السابعة لاندلاع الثورة، لا تزال مواكبها ومظاهراتها حية تجوب الشوارع اليوم في الخرطوم، رغم الحرب وتبعاتها، رغم اللجوء والنزوح والتحطيم، رغم كل شيء لا يزال حلم التغيير الذي وعدت به الثورة؛ والسلام والعدالة والحرية؛ وإقامة دولة تحقق للسودانيين الحياة الكريمة والرفاه الذي يستحقونه؛ هو ما يحرِّك الثوار اليوم نحو الهدف النبيل الذي خرجوا لأجله، الذي دفع ثمنه الآلاف من خيرة أبناء السودان الذين تدافعوا في الشوارع وواجهوا الآلة القمعية للنظام، عربات الموت، والقناصة، والقتلة الذين تربصوا بالثورة منذ أن كانت جنينًا يتخلق في رحم الغيب وأفئدة السودانيين.
لكن الثورة التي أطاحت بالنظام وأنجزت وعدها بالتغيير، سرعان ما قامت الثورة المضادة بسرقتها لصالح مشاريع نيوليبرالية واستعمارية جعلتها تقع في شراك التبعية والمساومة، واحتكار القرار لدى فئة قليلة لم تك هي القيادة الثورية التي أفرزها الحراك الثوري، فما أن تحركت الجماهير وتكونت الكتلة الحرجة اللازمة حتى جاءت القوى التقليدية وطرحت قياداتها لتسلم راية الحراك، قبل أن يقدم الشارع الثوري قيادته؛ لذلك كان ثمة بون شاسع بين أحلام الشارع الثوري، وأهدافه، وآماله التي تحطمت تحت سنابك الثورة المضادة التي تسللت من بين أصابع الشارع وقيادته حتى الوصول إلى التسوية السياسية بين المجلس العسكري وقوى الحرية والتغيير في يوليو 2019 و"حدث ما حدث" بعدها.
بعد الإطاحة بنظام الإنقاذ، وتكوين الحكومة الانتقالية والشراكة بين المكوِّن العسكري والمكوّن المدني؛ حدث انقسام في الشارع السياسي والثوري، فبينما اتسقت خطوات القوى السياسية مع المكون العسكري، شق الشارع الثوري طريقه بمعزل عن هذه الشراكة، وظلت مطالبه بتحقيق العدالة والحرية والسلام هي الصوت الذي أزعج القوى الغاشمة حتى انقسامها الشهير وتشظيِّها الذي كان متوقعًا، فالمصالح المتضاربة لشركاء حكومة الفترة الانتقالية سرعان ما جعلت استمرار هذه الشراكة مستحيلاً، فحدث انقلاب 25 أكتوبر وبعده جاءت الحرب كنتيجة حتمية للصراع الداخلي والتدخلات الخارجية التي سعت منذ اليوم الأول للتغيير لسرقة الثورة وتجييرها لأهداف ومصالح إقليمية ترى خطورة مفهوم الثورة والتغيير الثوري، لذا قطعت الطريق على الثورة في مراحل مختلفة، وكانت عبقرية الشارع الثوري تتجاوز مطبات الثورة المضادة، إلى أن دفعت الثورة المضادة بالتناقضات إلى أقصاها بإشعال الحرب.
شرارة الثورة المشتعلة في الشوارع السودانية اليوم في ذكراها السابعة؛ رغم الحرب، ستظل دليلًا للسودانيين في ليلهم الطويل، بأن التغيير هو الواجب الذي لن يتخلى عنه الحالمون؛ وما الثوار إن لم يحلموا بالغد الزاهر والآهل بالآمال العظيمة؟
الثورة والانقلاب والحرب
نجاح أية ثورة في الوصول إلى أهدافها ربما يأخذ مسارًا طويلًا جدًا؛ تتخلله كثير من المطبات والمزالق المدلهمة والانقطاعات الزمنية؛ فبينما أخذت الثورة الفرنسية - التي يعتبرها المؤرخون واحدة من أهم الأحداث في التاريخ البشري - زهاء المائة عام لتنجز وعودها، بالتغيير الاجتماعي المرجو؛ بعد مسار طويل من الأحداث والاضطرابات التي أدت إلى تأثيرات عميقة في أوروبا والمجتمع الغربي بإلغاء نظام الملكية وتأسيس الجمهورية مرورًا بديكتاتورية نابليون.
القوى الإمبريالية مع الثورة المضادة داخليًا سعت مبكرًا لاستغلال التغيير الذي أحدثته ثورة ديسمبر لتحقيق أهدافها في السودان، عبر عدة مراحل واختطاف الثورة من أصحاب المصلحة الحقيقية في التغيير الذين تم إبعادهم عبر تضييق قاعدة الانتقال الديمقراطي وحصرها في بعض الأفراد، حتى حدوث الانقلاب الذي قاد إلى الحرب عبر تفجير التناقض بين مكونات الشراكة الانتقالية والمصالح المتضاربة للشركاء، مع التدخلات الخارجية القوية التي أرادت تحقيق عدة أهداف منها التكريس لمفهوم أن التغيير الثوري يؤدي إلى تحطيم البلدان ونشوب الحروب، والتكريس لمفهوم الأمن مقابل الاستقرار والتبعية؛ إضافة إلى تحييد الخطر الذي يمكن أن يمثله تغيير ثوري في المنطقة دون حساب نتيجته مسبقًا ومعرفة توجهاته؛ إضافة إلي معركة النفوذ الإقليمية المستعرة ونهب الموارد وتحطيم الدولة الذي يمثل هدفًا بعيدًا تتحقق منه نتائج إضافية عبر تهديد جيران السودان من قبل القوى الإمبريالية والمساومة التي يمكن أن تحدث بجعل السودان ملفًا للضغوط لتحقيق أهداف أخرى، وتحطيم الجيش الوطني والإرادة الوطنية ووأد أحلام الحرية والعدالة والمساواة.
- المقالات المنشورة في هذا القسم تُعبر عن رأي كاتبها فقط ولا تعبّر بالضرورة عن رأي "ألترا صوت"
الكلمات المفتاحية
أمّ الحروب السودانية: إنذار لم يُقرأ
لسنوات طويلة، تعامل السودانيون مع حرب الجنوب كما لو أنها جزء من طبيعة الأشياء؛ حدثٌ دائم لا يستدعي الدهشة ولا يوقظ الضمير.
مؤتمر برلين والمجتمع المدني السوداني.. من يمثل من؟
ما يختلف هذه المرة هو أن الجدل حول قوائم المدعوين بلغ ذروته قبل انعقاد المؤتمر، وكشف بشكل صريح عن سؤال لم تحسمه الدورتان السابقتان: من يمثل المجتمع المدني السوداني في هذه المحافل؟ ولأي غاية؟
امتحانات الشهادة في السودان.. أزمة معقدة وحلول صعبة
لم تنفصل قضية التعليم في السودان عن الحرب الدائرة منذ ثلاث سنوات بين الجيش وقوات الدعم السريع وحلفائهما المسلحين
يمين أوروبا وهواجس "الأخونة": قراءة في أبعاد قرار البرلمان الهولندي
شهدت الأروقة السياسية في هولندا خلال الأسبوع الماضي إقرار البرلمان الهولندي مقترحًا يقضي بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين "منظمة إرهابية". هذا القرار، الذي استقبله "التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة" (صمود) بحالة من الاحتفاء والارتياح، يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية تتجاوز في عمقها مجرد التضييق على تنظيم سياسي، لتلمس مآلات الوجود المهاجر في "القارة العجوز".
ود نوباوي يصعد ضد الاتحاد.. بلاغ تزوير في السودان وجلسة حسم في لوزان
في تصعيد جديد يُنذر بمعركة قانونية مفتوحة، فجر رئيس نادي ود نوباوي، المعز النور محمد، مفاجآت مدوية في تصريحات خاصة لموقع "الترا سودان"، مؤكدًا تمسك ناديه الكامل بقضيته ضد الاتحاد السوداني لكرة القدم، ومشددًا على أنهم لن يساوموا أو يتراجعوا مهما تعاظمت الضغوط أو الإغراءات.
بينهم سودانيون.. تحطم قارب للمهاجرين قبالة سواحل طبرق الليبية
قالت المنظمة الدولية للهجرة إن ثمانية أشخاص على الأقل لقوا حتفهم، فيما لا يزال 31 آخرون في عداد المفقودين، إثر تحطم قارب للمهاجرين قبالة سواحل طبرق شرق ليبيا.
انخفاض طفيف في درجات الحرارة وتوقعات بأمطار في عدة ولايات
توقعت الهيئة العامة للأرصاد الجوية انخفاضًا طفيفًا في درجات الحرارة يتراوح بين درجة إلى ثلاث درجات مئوية في شمال وأواسط البلاد، مع استقرارها في بقية المناطق، اليوم الثلاثاء.
السودان والسعودية يجريان مباحثات مشتركة ويؤكدان تعزيز التعاون بين البلدين
أجرى رئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني، عبد الفتاح البرهان، مباحثات مشتركة مع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، بالقصر الملكي بجدة، اليوم الإثنين، بحث خلالها تعزيز العلاقات الثنائية ودعم الاستقرار الإقليمي.