ديماغوغية

ديماغوغية "موكب الزحف".. أو أفول الإسلاموية

موكب الزحف الأخضر (الخليج)

بنهاية الفترة الاستعمارية وجدت مجتمعات المنطقة العربية نفسها أمام سؤال كيف تعيش؟ فقد أدركت بطريقة ما أن نمط حياتها المأثور عن عصور البراءة وما قبل الصدمة الحضارية للاستعمار لم يعد يفي بمتطلباتها الوجودية المحدثة، كما شق عليها الانتقال إلى أي نمط من أنماط الحياة التي اقترحها آيديولوجيو الغرب. فطغت خطابات التحرير والنهضة القومية التي وعدت المجتمعات التقليدية بردم الفجوة الحضارية بينها وبين الغرب بسرعة الصاروخ، فكانت المشاريع النهضوية التحديثية القومية والماركسية والليبرالية التي سيطرت على الفضاء العام، دون إيلاء أي عناية لقيمة الحرية وحق الإنسان في الحياة المدنية الحديثة، وسرعان ما وجدت هذه المشاريع نفسها متراجعة بعد صدمة النكسة العربية، أمام تيارات الهويات الدينية والعرقية، وأمام دعاة العودة لنمط الحياة المأثور.

بلغت الملهاة قمتها بوضع الديكتاتور الأسبق جعفر نميري لعمامة آية الله الخميني، تمامًا، فوق قبعة الجنرال نابليون العسكرية!

في السودان المتأثر بكل التحولات أعلاه، قدمت جماعات الإسلام السياسي نفسها ونمط حياتها المقترح كبديل لكل الأفكار "المستوردة" بشعار "لا شرقية ولا غربية إسلامية إسلامية"، وفي الفترة المعروفة باسم الصحوة الإسلامية في السبعينات والثمانينات تحول تنظيم الإخوان المسلمين من أقلية صفوية إلى تيار شعبي صاعد يعبئ الجموع بشعارات الهوية، ويصنع بواسطتها طنينًا أيديولوجيًا يصم آذان كل من يفكر في انتشال السودان من مأزقه التاريخي. لم يقدم تنظيم الإخوان المسلمين أي برنامج نهضوي بأبعاد تنموية، بل ظل حبيس شعارات الهوية والعودة الأسطورية للتراث حتى بلغ مرحلة هتف فيها مؤيدوه "الشريعة قبل القوت"، إمعانًا في التهرب من متطلبات النهوض الحضاري، من برامج تنموية قابلة للتنفيذ، بل ظل طنينهم الأيديولوجي يثير البلبلة والارتباك في الساحة السياسية، حتى بلغت الملهاة قمتها بوضع الديكتاتور نميري لعمامة آية الله الخميني، تمامًا، فوق قبعة الجنرال نابليون العسكرية!

اقرأ/ي أيضًا: النخب الإسلاموية.. الظالمون المتظلمون

كانت أسلمة النميري مجازًا بليغًا عن اندحار خطابات التحرر الثوري التي امتطاها إلى السلطة، أمام تقدم خطاب الهوية والانكفاء الحضاري. ظلت الحركة الإسلامية السودانية تواصل صخبها الطفولي في فترة الديمقراطية الثالثة، بابتزاز الطبقة السياسية عبر ضغط الشارع المشرب بشعارات النقاء الأصولي، للإبقاء على ما سمي بقوانين "سبتمبر" أو شريعة النميري، وتعدها مكتسبًا تاريخيًا لها، ولكي تسد الفراغ العريض الناجم عن عدم امتلاكها لأي رؤية سياسية أو اقتصادية يمكن التعامل معها بجدية، كانت تستلف كل ما تيسر من شعارات جاهزة من اليمين أو اليسار، فتجدهم في أوقات المعارضة أبلغ الناس في المطالبة بالحقوق المدنية، وبالشفافية وحقوق الإنسان، وهي الشعارات التي ضربوا بها عرض الحائط عندما انقلبوا على الحكومة المنتخبة، وعادوا إلى غيهم القديم بحسبان شعارات الهوية مرشدًا لنهضة حقيقية، فلم يكن مستغربًا أن يبتدئ عهدهم بهتاف "أمريكا روسيا قد دنا عذابها" وينتهى بتسيير مواكب تتسول رفع العقوبات والرضا الأمريكي!

الإسلاميون لا يعرفون أن الشعوب لم تعد تبحث في السياسة عن من يقرر لها كيف تعيش، بل عن من يحقق لها خطتها للعيش السعيد

كان الشعب يعرف أنهم إسلاميون عندما انتفض على ظلمهم وفسادهم وفشلهم المضحك المبكي، وكان يعرف أنهم كذلك عندما كان يخرج مطالبًا بـ"دم الكوز الكتل الطالب"، أما الإسلاميين فلا يعرفون أن الشعوب لم تعد تبحث في السياسة عن من يقرر لها كيف تعيش، بل من يحقق لها خطتها للعيش السعيد، الخطة التي تريد أن تتسلل عبر رمال الصحراء وموج المتوسط إلى حيث هي مطبقة، الخطة التي تضمن الحرية كشرط أساسي وضامن لكل تنمية، التي تتضمن حقوق الإنسان، وحرية المعتقد والسلوك، الخطة التي تتطلب التخطيط العلمي الواقعي المحسوب بالأرقام، وليس أحلام اليقظة النهضوية وابتذال شعارات الهوية والجعجعة الجوفاء، عندما تهتف الجماهير مطالبة بالقصاص من الكوز، فهي تعلم أنه إسلامي، لكنها تعلم أيضًا أنه قاتل ولص ودجال، وهنا كان مطلب العدالة، الذي هو أحد شعارات الثورة، أكثر تأثيرًا فيهم من صخب الهوية.

اقرأ/ي أيضًا: حتى لا يسرق شبح الطبقة الوسطى ثورتنا الجذرية

لا تثور الشعوب الآن من أجل الشعارات الأيديولوجية، أصبحت الشعوب أكثر واقعية، ويمكن للقائل أن يقول أكثر أنانية، أصبحت مطالبها أكثر شخصية، متعلقة بالحق في الحياة المدنية السعيدة، ولا يحسون بأي تهديد على دينهم وسلوكهم الشخصي من هذه الحياة، حتى يحتاجوا إلى السوبر مان الإسلاموي ليحميهم من هذا التهديد! الشعوب الآن تثور ضد طبقة سياسية كاملة دون اكتراث بأي شعار من شعارات هذه الطبقة، سواء كان يمينيًا أو يساريًا، قوميًا أم وطنيًا، إسلاميًا أو علمانيًا، الثورة ضد الطبقة السياسية تعني انتهاء حقبة طويلة من سيطرة الظاهرة الصوتية على الشعوب. لم تعد الجماهير بحاجة إلى خطب ومواعظ وأداء ميلودرامي مؤثر، بل تحتاج خططًا وبرامج مدروسة لتحسين شروط معيشتها، وهو الأمر الذي ينقص الإسلاميين السودانيين دائمًا، فخرجوا يتظاهرون ضد حكومة الثورة  بذات شعارات الهوية التي حولها فشلهم إلى أضحوكة، فلم يكن مستغربًا أن تثير شعاراتهم الضحك في الخرطوم الثورية، وهي ذات الشعارات التي كانت تثير أقوى المشاعر في الخرطوم قبل ثلاثين عامًا!

هل يا ترى وعي منظمو موكب "الزحف" الدرس؟ هل عرفوا يا ترى أن الموجة الأولى من الإسلام السياسي وشعاراتها الهوياتية قد أفلت شمسها للأبد؟ وأنه بظهور تجارب مثل التجربتين التركية والتونسية انداحت موجة جديدة من الإسلام السياسي، الذي يعرف على الأقل أن النهضة تتطلب أكثر من مجرد حسن النوايا والشعارات، فهل سيسارع إسلاميو السودان بالانضمام إليها، أم يظلون أسرى سياسة الشعار والتهييج الديماغوغي؟

 

اقرأ/ي أيضًا:

ثورة نسوية أم ثورة الثورة بلغة جموع النساء؟

لغة الثورة الصادقة الركيكة