ultracheck
مجتمع

خم الرماد في السودان.. عادة رمضانية تثير الجدل كل عام

17 فبراير 2026
خم الرماد في السودان
خم الرماد في السودان
جوليوس الجيلي
جوليوس الجيلي صحفي من السودان

خم الرماد في السودان يحدث في أواخر شعبان في كل عام، إذ لا يمكنك أن تمر بالأحياء السودانية دون أن تسبقك رائحة الحلو مر "الأبري"، تتسلل من النوافذ المفتوحة وتعلن أن رمضان بات على الأبواب، وفي مقابل ذلك ومع اقتراب اليوم قبل الأخير لبداية الشهر الفضيل يبدأ الناس بمختلف أعمارهم الاستعداد لممارسة عادة قديمة ارتبطت بإعداد الأبري تعرف بــ"خم الرماد".

حبيب محمد: "تحول خم الرماد من طقس منزلي مرتبط بعواسة الآبري إلى مناسبة عامة ذات دلالات اجتماعية واستهلاكية متباينة"

 

ما هو خم الرماد في السودان؟

خم الرماد في الثقافة السودانية هو عادة رمضانية تثير الجدل في كل عام، ويعود أصلها إلى عقود قريبة في حياة السودانيات، ضمن التحضير والتجهيز لشهر رمضان، حيث تتجمع نساء الحي في منزل إحداهن قبل أيام من بداية الشهر الفضيل لإعداد "عواسة" الآبري بشكل جماعي (نفير)، فتأتي كل امرأة بحزمة حطب وجردل عجين من بيتها ليقمن بإعداد الأبري بشكل جماعي، وبعد الانتهاء يجلسن لشرب القهوة، وفي اليوم الأخير يقمن بتنظيف المنزل، ومن ضمن ذلك يكون خم الرماد من مكان "العواسة"، ويظهر ذلك نوعًا من الفخر كلما كان الرماد كثيرًا، لأنه يدل على كمية الأبري الذي تم إعداده. إلا أنه مع مرور الوقت توسع المعنى الدلالي للمصطلح، وأصبح يشير إلى طقوس مختلفة، ولأن السودان بلد متنوع ومتعدد أصبح له أكثر من معنى في ولايات وأقاليم السودان المختلفة.

خم الرماد في ولايات السودان

تقول الفنانة التشكيلية وئام جادو لـ"الترا سودان": "خم الرماد في مدينتي نيالا يعني لمة أسرية يصاحبها أكل كثير، ولا بد أن تكون هناك لحوم، نستقبل بها رمضان ونحن شبعانين".

وتضيف: "منذ أن وعيت  وأنا أعرف خم الرماد بهذا المعنى، لكن خلال فترة قريبة تغير المصطلح، وتطور من فعالية أسرية إلى طقس عاطفي، وكثيرًا ما يلتقي العشاق في وادي برلي في هذا اليوم".

وقال إدريس عبد الرحمن من ريف ولاية الجزيرة لـ"الترا سودان": "لم يكن الناس في مجتمعي، وهو مجتمع محافظ جدًا، ينظرون لهذه العادة بجدية، أو على الأقل كانوا يصمتون تجاهها تأدبًا".

ويعلل ذلك بقوله: "لقد عشت في مجتمع متصوف بعمق، لا ينظر إلى الصيام في شهر رمضان فقط، وإنما يأخذ الصيام مكانه كممارسة صوفية ذات منطق مختلف  لاحقًا، ومع الحياة في المدن، بدأت أفهم المصطلح في ظل ثقافة استهلاكية مادية تنظر إلى الطعام والشراب، وحتى الرومانسية والجنس، ضمن طيف واسع من الأشياء التي يجب الحصول على أكبر قدر منها.. أفكر الآن في خم الرماد كتراث ربما يكون متصلًا بالممالك المسيحية في السودان".

خم الرماد السودان.. شباب ورحلات

ويرى حبيب محمد من إقليم كردفان، في حديثه لـ"الترا سودان" إن خم الرماد من العادات الجميلة في السودان، حيث يجتمع الشباب في مجموعات، ويذهبون في رحلة إلى الغابة من أجل التنزه والجلوس تحت ظلال الأشجار.

وعن تجربته الخاصة مع خم الرماد يقول حبيب: "كنا نجمع مبالغ مالية حسب عدد الأشخاص، ثم نخرج في رحلة ونشتري خروفًا وعصائر وحلويات باسطة، ونأخذ معنا ألعابًا مثل الليدو والكشتينة والدومنا، فنضحك ونتونس ونرفه عن أنفسنا، ونرجع في نهاية اليوم ونستقبل رمضان بنفسية متغيرة".

التحول نحو المعاصي.. رؤية دينية

وفي إفادة لـ"الترا سودان"، قال الشيخ يوسف علي إن مصطلح خم الرماد ربما يعود إلى حقبة السبعينيات، ولم يكن مقصده سيئًا، بل كان يشير إلى ممارسة شعبية بريئة، تعني التوسع في الأكل والشرب في اليوم الذي يسبق رمضان.

ويستدرك مضيفًا: "لكن في العقدين الأخيرين، تحول المصطلح خاصة لدى فئة الشباب وأصبح يرتبط بارتكاب المعاصي، اعتقادًا بأن الفرد سيصوم في اليوم التالي، وأن الله سيغفر له ما فعله".

ويتابع: "نعم، الله غفور رحيم، لكن من أراد أن يستقبل هذا الشهر الكريم لا ينبغي أن يستقبله بمعصية، بل بالتوبة والطهارة والنقاء".

وأشار إلى أن ارتكاب المعاصي قبل رمضان قد يترك أثرًا نفسيًا من الندم يلازم الإنسان طوال الشهر.وأضاف: "كما أن التوسع في الأكل والشرب، وإن كان حلالًا، فهو غير مستحب إذا بلغ حد الإسراف، لذلك نقول للشباب راجعوا أنفسكم، وجهزوا قلوبكم، وتمنوا أن يعينكم الله على الصيام والقيام، وأن يتقبل منكم، فحياة المسلم كلها لله، وينبغي أن ندخل رمضان بعقل صافٍ وروح مهيأة". وختم بقوله: "نسأل الله أن يردنا إلى ديننا ردًا جميلًا، ويتقبل منا الصيام والقيام".

العولمة وتحولات الطقس

تعد العولمة والحداثة الغربية من العوامل المؤثرة في ثقافات الشرق عمومًا، والعالمين العربي والأفريقي على وجه الخصوص، سواء بإضافة أبعاد جديدة إلى الثقافة المحلية، أو بإعادة تشكيلها، أو حتى بإزاحة بعض ممارساتها التقليدية لصالح أنماط مستوردة، وبلا شك الكثير من العادات السودانية كـخم الرماد تأثرت بهذه التحولات. وفي هذا السياق، تحدث الصحفي والباحث محمد ود السك في إفادة لـ"الترا سودان" وقال إن المعنى القديم لخم الرماد كان يتمثل الحالة التي تنتهي فيها النساء من عواسة الآبري وتجهيز أطعمة رمضان، فيقمن بخم الرماد وتنظيف المكان.

وأشار إلى أن هذا الطقس كان يحمل نوعًا من التضامن الاجتماعي بين النساء، بل والشباب والرجال أيضًا، فهو طقس جماعي لا فردي. وأضاف: "أرى أن المعنى المعاصر أصبح طقسًا انتقاليًا يفصل بين فترتين، فترة ما قبل رمضان باعتبارها حياة عادية، وفترة الانضباط الرمضاني بشروطه، مثل الامتناع عن الأكل والشرب والعلاقات الجنسية وغيرها".

وأشار إلى أن تراجع استخدام الحطب والفحم، والانتقال إلى الكهرباء والغاز، ألغى وجود الرماد بالمعنى الحرفي، فتحول إلى رمز انتقالي، كذلك انتقل التحضير من داخل المنزل إلى خارجه، إلى المطاعم والفضاء العام، خاصة لدى الشباب. وأصبحت الدلالة لدى بعضهم تعني آخر فرصة لفعل التجاوزات قبل دخول رمضان.

وقال: "مع موجة السوق والإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي، تحول خم الرماد إلى مناسبة تجارية، تروج لها المطاعم كفرصة للتجمعات والرحلات، بما يعكس تحوله من طقس مرتبط باقتصاد المنزل إلى معنى استهلاكي".

الشيخ يوسف علي: "لم يكن المقصود من خم الرماد ارتكاب المعاصي، لكن بعض الشباب باتوا ينظرون إليه كفرصة أخيرة قبل دخول رمضان"

 

يسبق رمضان في السودان حراك واسع من التحضيرات المنزلية التي تتولاها النساء، مثل تجهيز الويكة وتحمير البصل وإعداد مختلف المكونات التي تملأ المطبخ .

غير أن المشهد يتصدره دائمًا "الحلو مر" أو الآبري الأحمر بوصفه المشروب الرمضاني الأشهر وملك المائدة السودانية في رمضان، وهو الذي ارتبط به فعل "خم الرماد"، قبل أن يتحول مع الأيام إلى عادة وطقس يتشكل ويتوسع بحسب المتغيرات الاجتماعية والمؤثرات الخارجية.

لكن، برغم التحولات لا تزال عادة خم الرماد حاضرة في الوجدان الشعبي وإن اختلفت دلالتها بين جيل وآخر، تحمل في طياتها روح السودانيين المحبة للصوم، ودلالة على فرحهم بمقدم الشهير الفضيل والتهيؤ له بكل محبة وشكر وعرفان. 

الكلمات المفتاحية

الفنان صفوت الجيلي

صفوت الجيلي.. رحلة فنان من المسرح إلى زنازين الدعم السريع منذ 3 سنوات

منذ أواخر العام 2023، اقتادت قوة من الدعم السريع الفنان الشاب صفوت الجيلي من منزله بمحلية شرق النيل، وأودعته "معتقل الرياض" شرقي العاصمة السودانية.


طلاب ممتحنون

بعد أعوام من الانتظار.. طلاب السودان يجلسون لامتحانات الشهادة الثانوية

بعيون قلقة، وقلب واجف، تنظر أسماء عبدالله إلى ابنتها لجين، وهي تستعد للجلوس لامتحانات الشهادة السودانية للعام المؤجل 2025، التي تنطلق الاثنين، 13 أبريل 2026، بعد أعوام من التأجيل.


طلاب

أوجاع بلا نهاية.. عائلات طلاب بشرق أفريقيا تتحمل تكاليف باهظة لامتحانات الشهادة السودانية

حتى تتمكن من الوصول إلى مرحلة امتحانات الشهادة السودانية، واجهت عائلات الطلاب والطالبات سلسلة من التعقيدات التي تبدأ بالبحث عن مدارس سودانية


الخبز السوداني

السودان.. أسعار الخبز تدفع النساء في بعض المدن إلى تجهيزه في المنزل

يدفع ارتفاع أسعار الخبز في بعض مدن الولاية الشمالية النساء إلى ابتكار خطط بديلة عبر إعداده منزليًا؛ حيث يُوضع "العجين" على نار هادئة مصدرها "أفران" شُيّدت من الطين في فناء المنزل، أو اللجوء إلى الأفران الكهربائية في حال توفر الإمداد واستقراره.

أعمدة دخان في سماء العاصمة السودانية الخرطوم.jpg
أخبار

مسؤول أممي: السودان ما يزال اختبارًا يفشل فيه العالم

قال منسق الشؤون الإنسانية والإغاثة الطارئة في مكتب الأمين العام للأمم المتحدة، توم فليتشر، إن مرور ثلاث سنوات على اندلاع الحرب في السودان يمثل ذكرى أليمة، تعكس عامًا آخر من فشل العالم في مواجهة التحديات التي تعصف بالبلاد.

حسن برقو
أخبار

نفى شائعة ترشحه لاتحاد الكرة.. برقو لـ"الترا سودان": لا انتخابات ولا ترشح

نفى القطب الرياضي المعروف وزعيم تنظيم النهضة، السلطان حسن برقو، بشكل قاطع ما تداولته بعض الصحف بشأن عزمه الترشح ضمن مجموعة رياضية يقودها صلاح أحمد إدريس والكابتن هيثم مصطفى


القنصلية العامة
أخبار

تأجيل مفاجئ لامتحانات الشهادة السودانية بالإمارات

أعلنت القنصلية العامة للسودان بدبي والإمارات الشمالية تأجيل امتحانات الشهادة السودانية للمرحلة الثانوية (دفعة 2025) التي كان من المقرر بدؤها اليوم الإثنين، 13 أبريل 2026، وذلك بسبب استمرار تعليق الدراسة حضوريًا في الإمارات.

الطقس 2.jpg
أخبار

هيئة الأرصاد: ارتفاع درجات الحرارة في معظم أنحاء السودان ونشاط للرياح

أفاد تقرير الهيئة العامة للأرصاد الجوية بحدوث ارتفاع مستمر في درجات الحرارة في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة، فضلًا عن نشاط للرياح في بعض المناطق.

الأكثر قراءة

1
أخبار

طوارئ بحري: لا تمثيل لنا في مؤتمر برلين.. وأي مشاركة خارج القنوات الرسمية غير معترف بها


2
أخبار

الصليب الأحمر: السودان ينزف بعد 3 سنوات من الحرب.. آلاف المفقودين


3
أخبار

مجلس الصحوة : الدعوة لمؤتمر برلين تمت بصورة انتقائية وبإيعاز من جهات تدعم الدعم السريع


4
أخبار

3 أطفال يولدون كل دقيقة في خضم حرب السودان وارتفاع في وفيات الأمهات


5
أخبار

طقس السودان.. ارتفاع طفيف تدريجي في درجات الحرارة