خليل فرح..كيف حوّل شاعر سوداني الأغنية إلى سلاح ضد الاستعمار؟
22 يوليو 2026
ارتبط اسم خليل فرح بإحدى أكثر أدوات المقاومة تأثير في تاريخ السودان، ألا وهي الأغنية. فالرجل لم يكن قائدًا عسكريًا، ولم يحمل السلاح في مواجهة الحكم الاستعماري البريطاني-المصري، وفي وقت كانت الرقابة تلاحق الخطابات السياسية والكتابات الوطنية، وجد الشاعر والمغني النوبي طريقًا مختلفًا للتعبير عن فكرة الاستقلال.
وبعد أكثر من تسعين عامًا على رحيله، لا تزال أعماله تُردد في المناسبات الوطنية، شاهدة على قدرة الكلمة واللحن على تجاوز الزمن.
أدرك خليل فرح مبكرًا أن الأغنية قادرة على الوصول إلى الناس أكثر من الخطب السياسية، فاختار أن يمرر رسائله الوطنية عبر الرمز
من ضفاف النيل إلى نخبة الخرطوم
وُلد خليل فرح في قرية دبروسة بمنطقة حلفا القديمة شمالي السودان، وسط بيئة نوبية ارتبطت بالنيل والتجارة وحركة القوافل. كان والده يعمل في التجارة وصناعة المراكب، ولذلك تنقل الطفل بين حلفا ودنقلا منذ سنواته الأولى، وهو ما أتاح له التعرف على تنوع البيئات والثقافات في شمال السودان.
تلقى تعليمه الأول في خلوة الفكي أحمد هاشم، قبل أن يلتحق بمدرسة الصنائع في كلية غردون التذكارية بالخرطوم، التي أصبحت لاحقًا نواة جامعة الخرطوم. وهناك انفتح على أوساط أدبية وثقافية كانت تشهد نقاشات واسعة حول الشعر والسياسة ومستقبل البلاد.
هناك، في ميدان يعرف بـ"المنجل رقم واحد" شرقي الجامعة، خاض خليل مساجلة شعرية أمام حكمين حتى اعترفا له بالشاعرية، فلُقّب منذ ذلك اليوم بـ"شاعر الحديقة". وكان هذا اللقب بداية لظهور صوت جديد في الأغنية السودانية؛ صوت يجمع بين العربية الفصحى والدارجة السودانية في لغة قريبة من الناس، لكنها تحمل في الوقت نفسه مضامين فكرية ووطنية غير مألوفة في الغناء آنذاك.
عندما أصبحت أغنية حب رسالة سياسية
في عشرينيات القرن الماضي، كانت السلطات البريطانية تراقب أي خطاب يمكن أن يحرض على مقاومة الاستعمار، وهو ما دفع كثيرًا من المثقفين إلى البحث عن وسائل غير مباشرة للتعبير عن أفكارهم. أدرك خليل فرح مبكراً أن الأغنية قادرة على الوصول إلى الناس أكثر من الخطب السياسية، فاختار أن يمرر رسائله الوطنية عبر الرمز.
وخلال وجوده في مصر، كتب قصيدته الأشهر "عازة في هواك". وعلى الرغم من أنها تبدو، للوهلة الأولى، أغنية غزل في امرأة تُدعى "عازة"، فإن كثيرًا من الباحثين يرون أن "عازة" لم تكن شخصية حقيقية بقدر ما كانت رمزًا للسودان نفسه. بهذه الحيلة الأدبية، استطاع خليل أن يخاطب مشاعر السودانيين تجاه وطنهم، من دون أن يمنح سلطات الاستعمار سببًا مباشرًا لمنع الأغنية.
مزج خليل بين لغة الحب ولغة الانتماء، لتصبح الأغنية تعبيرًا عن الكرامة الوطنية أكثر من كونها قصة عاطفية
ارتبط سر تميز الأغنية بالأفكار التي حملتها الحركة الوطنية في ذلك الوقت، خاصة تلك التي تبنتها جمعية اللواء الأبيض. فقد مزج خليل بين لغة الحب ولغة الانتماء، لتصبح الأغنية تعبيرًا عن الكرامة الوطنية أكثر من كونها قصة عاطفية، وتتحول إلى واحدة من أبرز الأغنيات التي جسدت فكرة الوطن في الوجدان السوداني.
شاعر لم يكتفِ بالغناء
انخرط خليل فرح أيضًا في النشاط الوطني المناهض للاستعمار. فقد كان عضوًا في جمعية الاتحاد السوداني التي تأسست مطلع عشرينيات القرن الماضي، ومنها خرجت لاحقاً جمعية اللواء الأبيض، التي قادت ثورة عام 1924 ضد الاستعمار البريطاني-المصري.
انعكس هذا الانخراط السياسي على مسيرته المهنية؛ إذ واجه مضايقات متكررة في عمله بسبب مواقفه الوطنية، غير أن قمع ثورة 1924 لم يدفعه إلى الصمت. وبعد عام واحد فقط كتب قصيدته "ماك غلطان"، التي حملت رسالة تشجيع للمقاومين، وتحولت مع مرور الوقت إلى واحدة من أشهر الأغنيات الوطنية في السودان.
وفي وقت كان كثير من الشعراء ينظرون إلى الأغنية بوصفها مساحة للغزل أو الوصف، كان خليل فرح يرى فيها جزءًا من مشروع وطني يسعى إلى تشكيل الوعي العام.
لماذا لا يزال خليل فرح حاضرًا حتى اليوم؟
تعود مكانة خليل فرح إلى كونه قدّم تصورًا مبكرًا لهوية سودانية تتجاوز الانتماءات الضيقة. ويرى عدد من الباحثين أنه كان من أوائل المثقفين الذين احتفوا بالتنوع الثقافي والإثني في السودان، وهو ما تجلى في استخدامه مصطلح "جنة بلال" بوصفه رمزًا لوطن يجمع مكوناته المختلفة تحت هوية واحدة.
وامتد تأثيره إلى الطريقة التي أعاد بها تعريف دور الأغنية بوصفها وسيلة للتعبير عن القضايا العامة، وهو ما ترك أثرًا واضحًا في الأجيال التي جاءت بعده، اذ وجدوا في تجربته نموذجًا لقدرة الأغنية على الجمع بين القيمة الفنية والرسالة الوطنية.
ورغم رحيله المبكر عام 1932 إثر إصابته بمرض السل، فما زالت أغنياته حية، ويعاد توزيعها بأصوات وألحان مختلفة، بينما تواصل الدراسات الأدبية والتاريخية تناول تجربته بوصفها نقطة تحول في تاريخ الغناء السوداني الحديث.
فما بدأ كقصيدة تحمل رسالة مشفرة في زمن الاستعمار، تحول مع مرور العقود إلى جزء من الذاكرة الجماعية للسودانيين
أغنية هزمت الزمن
رغم أن خليل فرح لم يعش ليرى السودان مستقلاً، لكن تجربته بقيت شاهدة على أن الأغنية يمكن أن تصبح وثيقة تاريخية بقدر ما هي عمل فني. فما بدأ كقصيدة تحمل رسالة مشفرة في زمن الاستعمار، تحول مع مرور العقود إلى جزء من الذاكرة الجماعية للسودانيين، وإلى إرث ثقافي لا يزال حاضرًا كلما استُحضرت فكرة الوطن والانتماء.
الكلمات المفتاحية
بترجمة آدم مريود.. صدور "الإفريقية معاد تعريفها"
أصدرت الموسوعة الصغيرة للطباعة والنشر الترجمة العربية لكتاب "الإفريقية معاد تعريفها" للمفكر الكيني الراحل علي مزروعي
الرواية السودانية وأسئلة ما بعد التسعينيات
واللافت أن هذه الروايات تتناول أسئلة الفكر والثقافة والمجتمع بأدوات الفن لا بأدوات التنظير المباشر. وربما لهذا أصبحت الرواية
الروائية سارة الجاك تنال منحة "مفردات" لإنجاز "معزوفة مريم"
حصلت الروائية والكاتبة السودانية سارة الجاك على منحة مؤسسة "مفردات" للتفرغ الأدبي، وذلك لإنجاز مشروع
أمطار غزيرة تضرب مناطق واسعة بالسودان وانخفاض مرتقب في درجات الحرارة
توقعت الهيئة العامة للأرصاد الجوية السودانية هطول أمطار تراوحت شدتها بين المتوسطة والغزيرة في عدد من الولايات
مقتل 14 مدنيًا في هجوم الدعم السريع على أم عردة بشمال كردفان
قُتل أكثر من 14 مدنيًا وأصيب العشرات، الجمعة 14 أغسطس 2026، في هجوم شنته قوات الدعم السريع على منطقة أم عردة، جنوب غربي مدينة الأبيض بولاية شمال كردفان
شريان الحياة مهدد بالانقطاع.. الجوع يلاحق اللاجئين في جنوب السودان
حذرت المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين وبرنامج الأغذية العالمي من أن أكثر من 650 ألف لاجئ وطالب لجوء في جنوب السودان يواجهون خطر فقدان المساعدات الغذائية
مرصد مشاد: مقتل وإصابة عشرات المدنيين وتهجير أكثر من 4 آلاف في النيل الأزرق
قال مرصد مشاد إن هجمات نفذتها قوات الدعم السريع في عدد من مناطق إقليم النيل الأزرق أسفرت عن مقتل وإصابة عشرات المدنيين، وتهجير أكثر من 4 آلاف شخص قسرًا من مناطقهم