حوار| منتصر إبراهيم: ابتعدت عن الدعم السريع لهذه الأسباب

حوار| منتصر إبراهيم: ابتعدت عن الدعم السريع لهذه الأسباب

(الترا سودان)

منتصر إبراهيم شاب سوداني، عرف بانخراطه في العمل السياسي منذ الألفينات عبر انتمائه لعدد من التنظيمات السياسية المعارضة لحكم البشير. تخرج في جامعة السودان للعلوم والتكنولوجيا ثم نال الدبلوم العالي من معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية بجامعة الخرطوم، كما صدر له كتاب حول الصراع في دارفور عن مؤسسة الفكر الديمقراطي قبل سنوات، تفاجأ الجميع بإعلان منتصر فجأة دعمه لنائب رئيس المجلس السيادي، محمد حمدان دقلو المشهور بـ"حميدتي" ما بعد 11 نيسان/ أبريل 2019، برر منتصر الخطوة بعدد من الأسباب في تلك الفترة في مساجلات مطولة مع الكاتب والصحفي "محفوظ بشرى".

 "الترا سودان" التقى بمنتصر إبراهيم لتسليط الضوء حول انتقاده مؤخرًا لنائب رئيس المجلس السيادي ولتوضيح مواقفه حول رؤيته لعملية التغيير

بوصفه كاتبًا وناشطًا سياسيًا، "الترا سودان"، التقى منتصر لتسليط الضوء حول انتقاده مؤخرًا لنائب رئيس المجلس السيادي "حميدتي"، ولتوضيح مواقفه حول رؤيته لعملية التغيير.

اقرأ/ي أيضًا: السودان، إريتريا وإثيوبيا.. الإقليم الساخن وتشتت الرصاص

  • عرفت بتنقلاتك السياسية المتعددة.. لماذا ذلك؟

إنه ليس تنقلًا، إنه ما يفرضه الواقع باختلاف وتغيّر الشروط والملابسات الوقتية، فأثناء مرحلة الجامعة انتظمت في مؤتمر الطلاب المستقلين وكان ذلك متسقًا مع شروط وبيئة الطلاب، ثم قمت ضمن مجموعة بتأسيس الجبهة الشعبية المتحدة التنظيم الطلابي "UPF"، وهو تنظيم نشأ وفقًا للشروط التاريخية في تلك اللحظات، ثم كانت تجربة العمل المسلح في الميدان بانضمامي لحركة وجيش تحرير السودان، وأيضًا كنت ضمن اللجنة العليا لمؤتمر "حسكنيتة" الشهير، ومن بعد ذلك انخرطت مع حزب المؤتمر السوداني، وتركته لأسباب كثيرة، وقد كتبت عنها ونشرت. الأمر مرتبط لدي بالفاعلية، فالعمل والتنظيم السياسي ليس مجرد شعارات مقدسة، نعكف عليها ونحرسها، وأرى أنه من الطبيعي أن يتنقل الأفراد والأشخاص من مكان لآخر على حسب المشاريع السياسية التي يتبنونها في حال عجز تنظيم أو جهة عن تطبيق هذه المشاريع.

  • ما هي أسباب خلافك مع المؤتمر السوداني؟

الأسباب يطول شرحها، لكن أبرز المواقف من حزب المؤتمر السوداني كانت المتمثلة في موقف زعيمه آنذاك إبراهيم الشيخ، وزير التجارة والصناعة الآن، حيث عُرف بأعماله التجارية التي تتقاطع مع رؤوس أموال محسوبة على الدولة آنذاك، وفي ذلك الوقت ما بعد تضمين القيادي بالحزب المحلول عبدالرحيم محمد حسين ضمن قائمة المحكمة الجنائية، سعت السلطة في استقطاب رجال أعمال مشهورين لتقديم السند والمؤازرة لعبدالرحيم وقتها، وفي ذلك الوقت صورت الآلة الإعلامية للنظام أن زعيم حزب المؤتمر السوداني إبراهيم الشيخ ضمن المؤازرين لعبدالرحيم.

في المكتب السياسي لحزب المؤتمر السوداني الذي كنت جزءًا منه، طالبنا إبراهيم الشيخ بالخروج إلى العلن لنفي ما يتردد عن دعمه لعبدالرحيم، إلا أن الشيخ تلكأ في الخروج للعلن لنفي المزاعم كما نفاها لنا في المكتب السياسي.

  • ما بعد سقوط النظام في 11 نيسان/أبريل أعلنت دعمك لمحمد حمدان دقلو.. وكانت مفاجأة غريبة جرت عليك العديد من الاتهامات.. حدثنا عن هذه الخطوة، وكيف أن شخص مثلك عُرف بمقارعة النظام يقفز فجأة لدعم أحد الأجسام التي كان يتعاطى معها الجميع بأنها جزء من نظام الإنقاذ؟

لنسمي الأشياء بأسمائها.. ما قام به “حميدتي” هو انقلاب، وهي جرأة تحسب له، كونه استطاع الخروج من كونه أداة في يد البشير، وأيضًا كانت الخطوة تصب في مصلحة عملية التغيير، وما ترتب عن خطوة الثورة التي قام بها الثوار وانخرط ضمنها "حميدتي"، أنتجت وضعًا يمكن توصيفه بأنه "نصف ثورة ونصف انقلاب". ومن قبل سقوط النظام نشطت شخصيًا في الدعوة إلى ضرورة استيعاب المليشيات والحركات المسلحة ومن ثم إعادة دمجها وانتاجها وفقًا لما يمكن من تأسيس دولة حديثة، لما تمثله هذه المليشيات بوصفها واحدة من الأسباب البنيوية التي أفرزتها الحرب الأهلية في السودان. ومن قبل إعلاني دعم "حميدتي" صراحة كنت قد تقدمت برؤية متكاملة لعدد من منظمات المجتمع المدني والفاعلين السياسيين بضرورة احتواء هذه الحركات والمليشيات في العملية السياسية.

أثناء لحظات التغيير والثورة سيطرت على الفاعلين السياسيين وقتها أطروحات تعادي قوات الدعم السريع، بوصفهم أغرابًا تمامًا عن الواقع السوداني، وهو ما كان ينذر بالدخول في حلقة الحرب الأهلية مرة أخرى، وإعادة إنتاج الخطاب الإقصائي الرافض لهذه المليشيات التي يجب تبنيها وإعادة دمجها ضمن العملية السياسية.

حميدتي بدخوله في العملية السياسية استطاع أن يخطو خطوة كبيرة في نقل المليشيات المسلحة، والتي هي من المشكلات القديمة في الدولة السودانية، فالمليشيات لم توجد مع حميدتي فقط، بل هي ورثة سودانية عجزت معظم الحكومات في السودان عن استيعابها ومعالجتها.

  • من الممكن القول أن الخطوة كانت طموحًا من قبلك.. هل اصطدمت بحقيقة مغايرة؟

ليست طموحًا شخصيًا، فكما قلت لك؛ لقد حاولت التنبيه لضرورة استيعاب هذه القوى الاجتماعية، "حميدتي" اجتمعت فيه الشروط التي تؤهله للقيام بهذه الخطوة الانتقالية. ونعم أعترف أن الأمر من القرب كشف عن أوضاع يصعب احتمالها، بنزوع "حميدتي" للحفاظ على التوازنات التي صعدته للسلطة.

سياسيًا كان هناك أمر ملح، فعملية دعم "حميدتي" كانت واجبًا سياسيًا، يجب أن تقوم به القوى السياسية من أجل قطع الطريق على أي خطوة من قبل بقايا نظام البشير لإعادة توجيه "حميدتي" في اتجاه مضاد للثورة.

  • كيف استطعت الاستدلال أن "حميدتي" تمتع بهذه الرغبة وأن الشروط اجتمعت فيه؟

نشط "حميدتي" قبل فترة من سقوط النظام بالعمل على وسط المجتمعات الأهلية في مناطق النزاع، واستطاع عقد مجموعة من المصالحات ما بين المكونات الأهلية في مناطق النزاع، أيضًا فكما قلت لك تمثل خطوته في الانقلاب على البشير إحدى المؤشرات أن الرجل يتحلى بالرغبة في الانفكاك من الشروط التي أنتجته بوصفه أداة طائعة في أيدي نظام الإنقاذ.

  • ألم تختل هذه القناعات ما بعد خطوة فض الاعتصام الدامي الذي خلف غضبًا لدى الجميع؟

لم تختل.. بل زادت قناعتي بضرورة إيجاد حواضن لهذه القوى الصاعدة حديثًا. فبوضوح "حميدتي" والمجلس العسكري هم المشتبهون الأساسيون في مجزرة فض الاعتصام، وفض الاعتصام نفسه جاء نتيجة لعدم قدرة القوى السياسية على استيعابهم ضمن العملية السياسية، وفي تقديري كل المواقف التي اتخذت موقفًا جذريا رافضًا للدعم السريع والمجلس العسكري كانت تمارس ما يمكن وصفه بـالعدمية السياسية.

من جانب آخر، القوى السياسية نفسها كانت أحد المستفيدين من عملية فض الاعتصام هذه، فالاعتصام كان أرضًا خصبة لبروز قيادات جديدة للثورة، كان ملعبًا سياسيًا، وكان من المحتمل أن تصعد هذه القوى الجديدة إلى السلطة، تأمل بنفسك؛ هل الأوجه الموجودة الآن على السلطة هي قوى الثورة؟

  • هناك حديث حول أن قوات الدعم السريع غير قابلة لإعادة الإنتاج والدمج، نسبة للتركيبة الثقافية لأفرادها. أقصد بوضوح الحديث حول أن التركيبة الثقافية البدوية غير قابلة للضبط.. ما تعليقك؟

هذا حديث مجافٍ للحقائق، الإنسان السوداني ليس إنسانًا متحضر تمامًا ولسنا دولة صانعة للتكنولوجيا، هذه الرؤية اقصائية وعنصرية.

  • يلاحظ مؤخرًا تغيّر موقفك من "حميدتي"، من الدعم إلى المهاجمة، ما السر في ذلك، وقبل ذلك ما هو موقعك السابق ضمن مؤسسة الدعم السريع؟

أولًا لم يكن لدي أي موقع تنفيذي داخل مؤسسات الدعم السريع، كل ما حدث أنني تقدمت لـ"حميدتي" بمشروع تصور حول مشروع سياسي قوامه المكاشفة والمصالحة من أجل طي صفحة الحرب الأهلية في السودان، على غرار تجارب المصالحات الوطنية في ساحل العاج وغيرها من الدول التي شهدت أزمات وطنية وأهلية، وكنت دائمًا أطرح لـ"حميدتي" مسألة المكاشفة والحقيقية بخصوص ما حدث في فض الاعتصام أو حتى ما قبله، في الوقت الذي استخدم فيه المخلوع البشير قوات الدعم السريع في الصراعات الأهلية في دارفور، وفي رأيي أن أي تجاوز لهذه المرارات لن يتم إلا عبر المكاشفة وتمليك الحقيقة للشعب السوداني كخطوة أولى.

بالنسبة لموقعي بشكل أدق، كنا نعمل على تأسيس مركز ينشط في تعزيز مفاهيم السلام وقبول الآخر وسط هذه القوات، لكن الممارسة عن قرب أكدت لي أن "حميدتي" يسعى بهذا المركز إلى تدعيم موقف قوات الدعم السريع من غير بناء حقيقي للسلام، أو الحرص على الارتقاء بأفراد مؤسسة الدعم السريع، فأصبح الأمر بالنسبة لي يمثل تناقضًا حادًا أن أعمل على دعم شخص يسعى للحفاظ على السلطة فقط من دون توجهات إصلاحية.

  • ما مصير هذا المركز؟

المركز ما زال موجودًا، لكن حقيقة منذ أن وصلت لقناعة أن الأمر يستحيل تحقيقه لم أعد أهتم بأخبار هذا المركز.

  • متى انقطعت علاقتك بمؤسسات الدعم السريع؟

نهايات العام الماضي تقريبًا.

  • قبل أيام أشرت في صفحتك على موقع فيسبوك لأدوار مشبوهة ذات صلة بزيارة "حميدتي" لدولة الإمارات.. هل هذا ضمن خلافاتك مع "حميدتي"؟ بشكل أوضح ملف الذهب الذي أصبح أحد الأسرار المحيرة في السودان؟

بصراحة الخلافات مع حميدتي عديدة، فكما قلت لك تحول حميدتي لشخص يسعى لتعزيز سيطرته واستمرارها، وملف الذهب والدعم السريع ملف يحتاج لمعلومات دقيقة ومؤكدة، لا أملكها، لكن أستطيع أن أقول أن زياراته للإمارات بها شبهة، خصوصًا كما قلت لك أن "حميدتي" تخلى تمامًا عن أي مشاريع إصلاحية أو ساعية لبناء سلام ومعالجة المشاكل التي أفرزتها سنوات الصراع في السودان من مرارات.

اقرأ/ي أيضًا: هل ما تزال تجربة "السيسي" تُسيل لعاب عسكر السودان؟

  • هل ترى أن لجنة أديب ستصل لحقيقة في فض الاعتصام؟

فض الاعتصام ليس أمرًا ملغزًا حتى يتم تشكيل لجنة للتحقيق فيه، نعم هناك أطراف أخرى متورطة في فض الاعتصام، لكن الأمر ليس بذلك التعقيد، فهي حادثة تحتاج للحقيقة والمكاشفة، وأجد نفسي متفقًا مع الدعوات التي تطالب المتهمين الأساسيين كـ"حميدتي" و"البرهان" و"كباشي" بتقديم شهاداتهم علنًا عن حقيقة ما حدث وجرى في تلك الفترة.

توجيه الاتهام في فض الاعتصام كان من الواجب أن يسبق التحقيق

لجنة التحقيق في فض الاعتصام تعمل إجرائيًا بشكل خاطئ؛ فتوجيه الاتهام كان من الواجب أن يسبق التحقيق، ليس العكس كما تعمل اللجنة الآن. خصوصًا أن المتهمين والمتورطين معروفين، ومرة أخرى عبر هذا الحوار أجدد دعوتي القديمة، بضرورة أن يقدم المتهمون الأساسيون شهاداتهم علنًا عبر التلفاز أو أي وسائط يرتضيها السودانيون. 

اقرأ/ي أيضًا

التشكيل الوزاري الجديد بعيون نسائية

من يُدير ملف التطبيع في السودان؟