حادثة بلفاست واللاجئون السودانيون.. كيف تتحول الجرائم الفردية إلى موجات عداء للمهاجرين؟
12 يونيو 2026
في التاسع من يونيو 2026، اعتُقل رجل من خلفية سودانية في شمال بلفاست بتهمة محاولة القتل، بعد هجوم بسكين خلف ضحية في حالة خطرة.
لم تمضِ ساعات حتى انتشر مقطع مصور للحادثة، فأشعل موجة احتجاجات في عدة مدن بأيرلندا الشمالية تحت شعار "يكفي"، وأُضرمت النيران في حافلات وسيارات في شوارع بلفاست. كانت تلك اللحظة التي تحول فيها فعل فردي إلى وقود لخطاب يطال آلاف السودانيين والمهاجرين المنتشرين في أوروبا والعالم.
يمكن ملاحظة نمط آخذ في التشكل؛ إذ يجد السوداني الفار من الحرب نفسه في كثير من الأحيان موضع ريبة أو استهداف في محطات اللجوء المختلفة
الحادثة ليست معزولة. فقبلها بأشهر كانت مصر تنفذ حملات اعتقال وترحيل طالت سودانيين، بينهم أشخاص يحملون وثائق صادرة عن المفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين. وفي ليبيا يواجه السودانيون مخاطر الاحتجاز التعسفي والانتهاكات على طرق الهجرة وفي مراكز الاحتجاز وفي المدن.
وبالنظر إلى هذه الوقائع مجتمعة، يمكن ملاحظة نمط آخذ في التشكل؛ إذ يجد السوداني الفار من الحرب نفسه في كثير من الأحيان موضع ريبة أو استهداف في محطات اللجوء المختلفة، ويتعرض أحيانًا للإذلال أو التمييز أو الاعتداء بسبب مناخ عام متوتر تجاه المهاجرين واللاجئين.
ماذا يقول السودانيون أنفسهم؟
في منتصف هذه الأحداث، أجرى "الترا سودان" استبيانًا طرح فيه على قرائه سؤالًا مباشرًا: ما السبب الرئيسي وراء حملات التحريض والضغوط التي يواجهها السودانيون في الخارج مؤخرًا؟ وقد شارك في الاستبيان مئات الأشخاص، وجاءت النتائج كاشفة.
تصدرت قائمة الأسباب الأزمات الاقتصادية في دول الاستقبال وشحن الرأي العام ضد الوافدين بنسبة قاربت 50%، وهو ما يعني أن كثيرًا من السودانيين لا يرون في ما يتعرضون له استهدافًا خاصًا بهم، بقدر ما يرونه انعكاسًا لأزمة هجرة عالمية تتصاعد فيها الخطابات الشعبوية المناهضة للأجانب.
ثمة تفصيلة جوهرية غابت عن كثير من التغطيات الإعلامية، وهي أن منفذ هجوم بلفاست لم يكن مهاجرًا غير نظامي
في المقابل، أشار نحو 18% إلى أن الظاهرة عالمية وتطال جميع المهاجرين، فيما رأى 16% أن الحسابات الوهمية والتضخيم الإعلامي يسهمان في تحويل الحوادث الفردية إلى موجات عداء جماعية، بينما ربط 16% آخرون الأمر بفجوة الاندماج ونقص المعرفة بثقافة وقوانين مجتمعات الاستقبال.
وتكشف هذه النتائج أن الوعي الجمعي السوداني يرفض اختزال الظاهرة في سبب واحد، ويرى أن ما يجري يرتبط بعوامل بنيوية وسياسية وإعلامية أكثر من كونه استهدافًا عرقيًا مباشرًا.

قراءة في السياق
ثمة تفصيلة جوهرية غابت عن كثير من التغطيات الإعلامية، وهي أن منفذ هجوم بلفاست لم يكن مهاجرًا غير نظامي. فقد دخل المملكة المتحدة عام 2023 وحصل على وضع اللاجئ في العام ذاته، وفق ما أكد متحدث باسم وزارة الداخلية البريطانية، مشيرًا إلى أنه مخول بالبقاء حتى 2028.
الحادثة لم تظهر في فراغ؛ إذ تأتي في سياق موجة يمينية متصاعدة في بريطانيا، تستثمر كل جريمة يرتكبها مهاجر لتأجيج الخطاب المناهض للهجرة، وهو النمط ذاته الذي تجلى في احتجاجات ساوثبورت عام 2024.
ويشير مختصون في قانون اللاجئين إلى أن حصول منفذ حادثة بلفاست على حق اللجوء بصورة نظامية لا يعني أن وضعه القانوني محصن من المراجعة. إذ تملك السلطات البريطانية صلاحية إعادة النظر في صفة اللاجئ في حالات محددة تتعلق بارتكاب جرائم جسيمة أو تهديد الأمن العام، لكن ذلك يتم عبر إجراءات فردية وقضائية، ولا يؤثر قانونيًا على ملفات اللجوء الخاصة بالسودانيين الآخرين.
الخطر الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية بقدر ما يكمن في المناخ السياسي الذي قد تستثمر فيه بعض القوى الشعبوية الحوادث الفردية للدفع نحو تشديد سياسات الهجرة واللجوء
كما أن اتفاقية اللاجئين لعام 1951 تقوم على مبدأ التقييم الفردي لكل طلب حماية، ما يعني أن جريمة شخص واحد لا يمكن أن تشكل أساسًا قانونيًا لرفض طلبات لجوء تخص أشخاصًا آخرين يحملون الجنسية نفسها.
ويرى خبراء قانونيون أن الخطر الحقيقي لا يكمن في النصوص القانونية بقدر ما يكمن في المناخ السياسي الذي قد تستثمر فيه بعض القوى الشعبوية الحوادث الفردية للدفع نحو تشديد سياسات الهجرة واللجوء. وبينما تملك الدول حق تعديل سياساتها العامة، فإن القانون الدولي يحظر اتخاذ إجراءات تمييزية تستهدف مجموعة بعينها بسبب جنسيتها أو أصلها القومي.
أزمة أعمق من السودانيين
في هذا الصدد، يرى الباحث السياسي عمر أحمد في إفادة لـ"الترا سودان" أن التفسير الذي يربط تصاعد العداء للمهاجرين بالأزمات الاقتصادية يحمل قدرًا كبيرًا من الصحة، لكنه لا يكفي وحده لفهم الظاهرة.
ويقول: "إلى حدّ كبير نعم، فالأزمات الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة وأزمة السكن تخلق بيئة مواتية لتصاعد الخطابات المناهضة للهجرة. لكن المشكلة أعمق من العامل الاقتصادي وحده؛ إذ ترتبط أيضًا بتحولات سياسية وصعود التيارات الشعبوية التي توظف ملف الهجرة لكسب التأييد الشعبي. ولا أرى أن هناك عوامل بنيوية تخص السودانيين تحديدًا، فهم يتأثرون بالمناخ العام تجاه اللاجئين والمهاجرين".
الباحث السياسي عمر أحمد لـ"الترا سودان": الإعلام الرقمي والحسابات الوهمية يلعبان دورًا مهمًا في تضخيم الحوادث الفردية وتحويلها إلى مؤشرات مزعومة على فشل المهاجرين
وحول دور الإعلام الرقمي في تأجيج التوترات، يوضح أحمد أن "الإعلام الرقمي والحسابات الوهمية يلعبان دورًا مهمًا في تضخيم الحوادث الفردية وتحويلها إلى مؤشرات مزعومة على فشل المهاجرين، ما يسهم في تأجيج المخاوف المجتمعية. وفي حالات التوتر المحلي، كما في بلفاست، يمكن أن تنتشر معلومات غير دقيقة بسرعة كبيرة وتؤثر في الرأي العام."
وفي السياق، رصد 16% من المشاركين في الاستبيان دور الحسابات الوهمية والحملات الإعلامية في تضخيم الحوادث الفردية، وهو ما ظهر بوضوح في قضية بلفاست، حيث انتشر المقطع المصور على نطاق واسع، إذ تداولت حسابات عديدة في الساعات الأولى معلومات خاطئة عن جنسية المنفذ قبل أن يتأكد لاحقًا أنه سوداني . إضافة إلى تناول حسابات ناشطين كبيرة ومعروفة للمسألة بغرض توجيه الرأي العام ضد المهاجرين.
أما فيما يتعلق بفجوة الاندماج، فيرى أحمد أن تحميل السودانيين المسؤولية الكاملة عن هذه الفجوة لا يعكس الواقع، موضحًا أن "معظم السودانيين وصلوا حديثًا هربًا من حرب مدمرة، والاندماج عملية تحتاج إلى وقت واستقرار وفرص تعليم وعمل ودعم مؤسسي. لذلك من المبكر اعتبار صعوبات الاندماج دليلًا على تقصير اللاجئين أنفسهم. فالاندماج مسؤولية مشتركة بين الفرد والدولة والمجتمع المضيف، وأي خطاب يُحمل اللاجئ وحده المسؤولية قد يسهم في تبرير مواقف الإقصاء والعداء بدلًا من معالجة الأسباب الحقيقية للتوتر".
من الحادثة إلى السياسة
من جهتها ترى الباحثة في السياسات العامة أم سلمة عوض الكريم، في حديث لـ"الترا سودان"، أن ما تشهده بعض الدول الأوروبية يأتي ضمن مسار تراكمي في سياسات الهجرة واللجوء، حيث تُستغل الحوادث الفردية بصورة متزايدة لتبرير إجراءات أكثر تشددًا في إدارة الهجرة. وتقول إن "الحدث الذي يفترض أن يكون مادة للتقييم الموضوعي يتحول أحيانًا إلى أداة لإنتاج شرعية سياسية لمزيد من التشديد"، ما يؤدي إلى تضخيم وقائع معزولة وتقديمها باعتبارها مؤشرات على مشكلات أوسع.
الباحثة في السياسات العامة أم سلمة عوض الكريم لـ"الترا سودان": التوتر بين الالتزامات الحقوقية والاعتبارات الأمنية والاحتياجات الاقتصادية يجعل السياسات الأوروبية أكثر حساسية للضغوط السياسية والإعلامية
وتشير عوض الكريم إلى أن هذا النمط برز بوضوح في أوروبا عقب هجمات باريس عام 2015 وبروكسل عام 2016، قبل أن يصبح جزءًا من آليات إدارة الهجرة. وترى أن التوتر بين الالتزامات الحقوقية والاعتبارات الأمنية والاحتياجات الاقتصادية يجعل السياسات الأوروبية أكثر حساسية للضغوط السياسية والإعلامية، الأمر الذي يفضي إلى مناخ متزايد من الشك تجاه المهاجرين وتغليب اعتبارات الضبط والأمن على حساب منطق الحقوق والحماية الذي قامت عليه منظومة اللجوء الدولية.
في المحصلة، تكشف أحداث بلفاست أن التحدي الذي يواجه السودانيين في الخارج يتجاوز الحادثة نفسها، ليرتبط بمناخ دولي يتزايد فيه التشدد تجاه المهاجرين واللاجئين. وبينما تؤكد القوانين أن المسؤولية الجنائية فردية ولا يجوز تعميمها على جماعة بأكملها، فإن الواقع السياسي والإعلامي يجعل الحوادث الفردية قادرة على إنتاج موجات أوسع من الشك والعداء. ويبقى السؤال مطروحًا: كيف يمكن حماية اللاجئ السوداني من تبعات أفعال لا علاقة له بها، في عالم يبدو أقل ترحيبًا بالمهاجرين يومًا بعد يوم؟
الكلمات المفتاحية
بين الخوف وغلاء المعيشة.. كيف يعيش سكان النهود؟
بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، يعيش السكان أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة
تجنيد الأطفال في حرب السودان.. شهادات وإفادات تكشف حجم المأساة
من طفل يبحث عن الأمان إلى مقاتل في صفوف الحرب.. كيف سرقت المعارك طفولة آلاف السودانيين؟ شهادات تكشف لـ"الترا سودان" تفاصيل تجنيد الأطفال وآثاره النفسية والاجتماعية.
لماذا تزداد لدغات الثعابين والعقارب في الخريف؟ وما التصرف الصحيح؟
مع بداية موسم الخريف في السودان، تتجدد التحذيرات من تزايد حوادث لدغات الثعابين والعقارب، لا سيما في المناطق الزراعية والريفية ومراكز الإيواء التي فرضتها الحرب.
البرهان يزور دولة أفريقية ضمن مبادرة لتحقيق تسوية في السودان
صحف محلية تحدثت عن طرح الرئيس وساطة على البرهان لتحقيق تسوية سياسية في السودان
إدارة الساحة الخضراء تصدر توضيحًا بشأن منع فعالية تخص مجموعة عسكرية
أصدرت إدارة الساحة الخضراء بالخرطوم توضيحًا بشأن إلغاء برامج مجموعة عسكرية متحالفة مع الجيش
الصحة الاتحادية تطلق مشروعًا حيويًا لإنقاذ الحالات الحرجة في أقسام الطوارئ
أعلنت وزارة الصحة الاتحادية عن إطلاق مشروع تحت مسمى "حياة"، يهدف إلى إنقاذ الحالات الحرجة في أقسام الطوارئ
عالم عباس يستعيد الشعر والذاكرة السودانية في أمسية أدبية بمدينة مارسيليا
أحيا الشاعر السوداني عالم عباس محمد نور أمسية شعرية وأدبية بمدينة مارسيليا الفرنسية، استضافتها