جاحِظ من هذا الزمان: في تذكر الأستاذ عبد المالك بن إدريس
12 ديسمبر 2025
"ولكُلِ زمانٍ جاحظ".
- (المقامة الجاحظية)، بديع الزمان الهمذاني
علمتُ مُصادفةً قبل أيامٍ قلائل بموتِ عبد المالك بن إدريس. لقيتُ بائع كتبٍ في محطة شقلبان، كانت عيناي قد ألِفت مرآه منذ سنواتٍ بعيدة في سوق أم درمان، فقلت أسأله عن عبد المالك وخبرِه، فأجابني: الأستاذ قُتِلَ هو وابنه بعد أن سقطت دانة بمنزلهما في صالحة.
حدث إذن ما خشيته، فخلال هذه الحرب ما مر ذِكرُه ببالي إلا وتساءلت: هل بقي في صالحة التي ظلت زمنًا طويلًا تحت سيطرة الدعم السريع، وكيف يا ترى يدبِر أمره هناك؟
بعد ذلك بأيامٍ كدر صفوها علمي بهذا الخبر، تواصلتُ مع عم هاشم محجوب، القاص والوراق، وجار عبد المالك في أكشاك المكتبات شرق جامع أم درمان الكبير. فأكد لي موت الأستاذ وابنه، ولكن بسببٍ مغاير: أودى بهما قبل أشهرٍ وباء الكوليرا في أم درمان. أيًا كان السبب، فالأستاذ قتلتهُ الحرب.
كان للأستاذ عينا الجاحظ وفضولهُ المعرِفي، وبتلك العينين حصلَ ما لا يحصى من معارف في اللغات
لا يتيحُ لي ما أعرفه عن الرجل أو عن العالَم وصف مكانته بدقة! عبثًا سأحاوِل، وإن كان ما سأقوله ليس سوى قبس ضئيل من نارِ معرفته وأثره علي.
كان للأستاذ عينا الجاحظ وفضولهُ المعرِفي، وبتلك العينين حصلَ ما لا يحصى من معارف في اللغات؛ مجال تخصصه الرئيس، وعلوم الهندسة والديانات وعلومٍ أخرى متفرقة هي كما قال الشنفرى:
توافين من شتى إليه فضمها
كما ضم أذوادَ الأصاريمِ منهلُ
بيد أن الدنيا التي أحسنت دهرًا إلى أبي عثمان ما خصت صاحِبنا هذا بكبيرِ عطفٍ وعناية، ولم يكن موته الذي تتضارب حوله الروايات سوى تأكيدٍ أخير على ذلك.
***
لا تماثل مكتبات سوق أم درمان في نظامها الهندسي ومعمارها (مكتبة بابل)؛ فتلك تضاهي في سعتها وتعقيدها الكون. فهي تتكون من عدد غير معروف ولا يحصى من القاعات سداسية الزوايا. أما هذه فتتكون من أكشاك مربعة الشكل يمكن للمار أن يعبرها ويحيط بعددها في دقائق قليلة؛ إلا أنها لا تقل ثراءً معرفيًا عن مكتبة بورخيس المتخيلة. كما لا يقل تفرد شخوص باعة الكتب فيها وغرابة نمط حياتِهم وحواراتهم عن أكثر روايات ماركيز غرابةً: رجالٌ صامتون مثل الكتب التي يعرضونها؛ وهم ككتبهم لا تنفتح لك مغاليق أنفسهم إلا بعد طول لقاء ومدارسة، فيتحول الصمت عندها إلى كرنفال شيق من الحيوات العجيبة. تلقى محمد خضر الشاب الصامت الذي يقاوم القارئ الرغبة في إطالة الوقوف أمام مكتبته خشية إزعاجه، يخالهُ صعبًا وهو سمح. تلمح عنده من بعيد (جزيرة) ألدوس هكسلي وأبطال إرنستو ساباتو وقبوره وأعمالًا أخرى قيمة في الأدب العالمي والنقد الحديث. وتعرف بعد أن تخالطه أن له عملًا روائيًا غير مطبوع، يعدك باستمرار بأن يطلعك عليه لكنه لا يني عن المماطلة.
جورج (ضو البيت) المِرحاب ومكتبته التي أفرغها قراء لا يعيدون ما استعاروه من روايات. تجد عنده خوسيه كاميلو ثيلا وميغيل أستورياس جوار دوستويوفسكي وتولستوي، وإميل حبيبي غير بعيد من بنسالم حميش وعبده جبير ويوسف إدريس وغيرهم الكثير.
عم هاشم الذي لا يخبرك بحِرفته السرية كقاص بارع حتى تسمع بها من أجيال أخرى تنظر إلى منجزه القصصي بإعجاب وتقدير. ثم تلتقي بقصصه في مجلاتٍ متفرقة فتعجب أن الرجل الهادئ في الصف الأول من أكشاك المكتبات هو نفسه مؤلف هذه القصص. يقول لي أحمد النشادر حين أبعث له رابطًا لمادة أدبية: من الكاتب؟ وعندما أخبره بأنها لهاشم محجوب، يرد: "يا سلاام؛ دي حأقراها بلا تأخير".
غير أن أعجبهم كان عبد المالك.
***
ينحدر أستاذنا من أسرة كردفانية مؤثلة في علومِ اللغة والدين. فما كان غريبًا عليه أن يتعرف منذ صِغره على عيون التراث العربي أدبًا وفقهًا وتاريخًا، ويلزمَ مطالعتَه حتى مماتِه. وله دكتوراة في علوم اللغة العربية وآدابها، هذا إلى جانب دراسته للرياضيات وممارسته زمنًا للهندسة. ثم عمله بعد ذلك لسنوات في تدريس علوم اللغة العربية وآدابها في جامعة أم درمان الإسلامية، وعلى يديه تتلمذت أجيال تترى، حتى إحالته للتقاعد قبل الحرب بقليل.
تقع مكتبته في ممرٍ يفضي مباشرةً إلى البوابة الشرقية لجامع أم درمان الكبير، ويفضي كذلك إلى شيءٍ آخر يدعوه هو (راحة العقل). وتتكون تلك المكتبة من ثلاثة أكشاك متقابلة ملأى بكتبٍ تتراكم في ازدحامٍ على غير نظامٍ ظاهر، إلا أنه وحده يتحرك بينها بيسرٍ ويعرف بدقة موضع كل كتابٍ فيها.
كانت له تلك العادة الغريبة في ضم كتبٍ تعالج نفس الموضوع في مجلدٍ واحدٍ ضخم يعجزُ القارئ عن حمله لثِقله حقيقةً ومجازًا
يمرُ القارئ بمكتبته في حيرة، وإن كان ذا حظٍ موفور سيلقى الأستاذ؛ بعد يومٍ تدريسي شاق، متكئًا بمرفقه على كرسي متهالك أو متمددًا على سريرٍ صغير، يرفع عينيه للحظة من كتابٍ يطالعه أو من أوراق جريدة (الشرق الأوسط) التي لا يفوت لها عددًا. فتصادف عينا الطالب أو القارئ عينا الأستاذ، ليسأله هذا عن تخصصه أو مطلوبِهِ من الكتب. وبعد أن يجيب الطالب عليه، يردُ الأستاذ بقولٍ سيسمعهُ الطالِب مِرارًا إن هو لازمه، قولٌ سيوجهه كل مرة لآخرين جُدُد يعبرون المكان، قولٌ قد يظنُ فيه تعالمًا وغرورًا، إلا أنه ليس أيًا منهما: يُعرِف عبد المالك بنفسه وبدرجته العلمية مشيرًا إلى لافتة متوسطة الحجم تعلوه مكتوبٌ عليها (مقهى راحة العقل). ثم يقول لسائله أنه قد وصل إلى ما يريد ونال ما يبغي، ويشرع في تقديم المساعدة له في إنجاز بحثه إن كان على وشك التخرج، أو يرشده إلى قائمة بكتبٍ تعينُه على ذلك. أما إن كان ما يريدُه السائلُ كِتابًا بعينه، أيًا كان موضوعه، فهو لا شك واجدُه عند الأستاذ يومَها أو في يومٍ آخر يعِدُه الأستاذ فيه بجلبِ ذلك الكتاب.
آتيه عدة مرات في الشهر، فإن وجدتُهُ وحده لا تحيط به ثلة من طلبته قضيتُ عنده ساعةً تزيدُ أو تنقُص، أمني النفسَ بكتابٍ ثمين في التراث الأدبي العربي وحديثٍ متشعب في الأدب أو الدين. كانت معرفتي محدودة بالأدب القديم قبل أن ألقاه، منه اقتنيتُ كتب الجاحظ والمعري ودواوين أبي تمام والبحتري. واستعرتُ كُتُبا من مكتبته الخاصة لا يبيعها إلا إن كان مضطرًا، وكانت سكناه في بيت إيجار ومرض ولده الدائم مما يضطره كثيرًا؛ للأسف، لعرض كتبٍ لا تعوض لندرة طبعاتها. كانت له تلك العادة الغريبة في ضم كتبٍ تعالج نفس الموضوع في مجلدٍ واحدٍ ضخم يعجزُ القارئ عن حمله لثِقله حقيقةً ومجازًا. وسمعتُ منه لأول مرة بعددٍ لا يحصى من نقاد الشعر العربي في القرن العشرين: يمنى العيد ومصطفى هدارة، الشكعة وآخرون. لم يكن لسانه يفتر عن الكَلامِ في النقد الأدبي، وكنتُ قليلَ الاهتمام بالنقدِ الأكاديمي، أمقتُ عناوينا على شاكلة: اتجاهات الشعر العربي الحديث... وكان هو يحدثني عن الفرق بين الأسلوب والأسلوبية. أذكر حتى الآن انتقاداتٍ وجهها لأدباء ونقاد سودانيين معاصرين، ضاعت أسماؤهم من ذاكرتي لكن النقد باقٍ. كان يقول لي إن على الناقد أن لا يلخص مفهومًا أو مقولة نقدية أو يقتبسها نصًا، بل أن يتملكها ويفكر من خلالها. أتذكر حديثه عن البصيرة التي تهبنا إياها قراءة نصوص أدباء عميان، وأحاديثه عن الجاحظ وبناء كتابيه (البخلاء) و (الحيوان) على أسس الفكر المعتزلي.
كان عبد المالك يقول آراءً تشكلت من مزجه الغريب بين صنوف معارفه حينًا، ومن نزواتٍ يطرُد بها تثاؤب الفِكر. وأحيانًا يبدي رأيًا غريبًا لا لشيء سوى إدهاش أو إضحاك من يستمع إليه
بالرغم من أن رسالته في دكتوراة اللغة العربية كانت عن شِعرِ لبيد بن ربيعة، وإن لم أنسَ فقد كان موضوعها حضور الطبيعة وتمثيلها في شِعرِ لبيد. فإني لم أسمعهُ يومًا مرددًا لبيتٍ شعري ترنمًا أو تمثلًا. لم ينقضِ تعجبي إلى الآن كيف لدارِسٍ للشِعر ومُحبٍ له بغير شك أن لا ينشد شعرًا أبدًا في لقاءاتي الكثيرة به خلال ما يقرب السنوات التسع؟ إن هذا الغياب للشعر في حديثه محير، ولعله يشير لكونه مسكونٌ به بشدة، ولا تني القصائد عن الجولان في ذهنه. لكني أذكر لحظاتٍ قرأتُ فيها شيئًا من الشعر في ظلالِ مكتبته؛ أذكر تصفحي لمجلدٍ صغير شبيه بالمصحف في زخرفته يحوي ديوان زهير، قرأت منه في حبور:
صحا القلبُ عن سلمى وأقصرَ باطِلُه
وعُري أفراسُ الصِبا ورواحِلُه
***
لا تعدم سعة الاطلاع آراءً غريبة تنشأ عنها، هكذا كان عبد المالك يقول آراءً تشكلت من مزجه الغريب بين صنوف معارفه حينًا، ومن نزواتٍ يطرُد بها تثاؤب الفِكر. وأحيانًا يبدي رأيًا غريبًا لا لشيء سوى إدهاش أو إضحاك من يستمع إليه. مرةً حدثني عن كتابِ الجِفر؛ وهو كتاب للشيعة الباطنية عن علوم أهل البيت ومعرفتهم بالغيوب. كان الظلام قد حل حين بدأ هو يدون على ورقةٍ تقسيم الباطنيين لتوزيع الملائكة على السماوات وفق معادلاتٍ رياضية؛ بين السلبِ والإيجاب تنقسم قوى الملائكة وأعمالهم: جتا ميكائيل جا جبرائيل ونسيت باقي المعادلة دون أن يهتز نظامُ العالم. وكنت قد تركتُ دراسة الهندسة قبل مدةٍ قليلة، قلتُ في نفسي: لو كنتُ أفهم هذه المعادلات لأكملت دراستي، فكيف إذا أضيف إلى معرفة الجبر والحُسبان علمُ الغيب؟
***
عن يميننا الجامع الكبير، ولا تمر صورة مبنى المسجد ومئذنته في ذهني دون تذكر لمعٍ من حديثٍ له؛ وهو الدارس للهندسة، عن عِمارة المساجد. رحِمَ اللهُ الأستاذ.
الكلمات المفتاحية

كتاب "السودان: ستون عامًا من الصراع".. دعوة للتأمل في كيفية كسر الحلقة المفرغة
صدر حديثًا عن دار الريس للنشر والتوزيع كتاب "السودان: ستون عامًا من الصراع" لمؤلفه كمال شبر، وهو وثيقة تحليلية تشرح بعمق مأساة الدولة السودانية

تأملات في عوالم جوزيف كونراد والطيب صالح
عندما نفكر في كونراد نفكر في البحر، في حياة البحر وما تصنعه برجالها وفي المصائر التوراتية التي يدخرها لهم، نفكر في معدن الرجولة وما يعرفه الرجل عن نفسه في لحظات بعينها في حياته، ونفكر في مادة الشر وكيف يجد ضرورته في العالم وفي قلوب الرجال، ونفكر في شخوصه الأضخم من الواقع ذاته، شخوصه التي تختزل وتتضمن كل طيف الوجود البشري

الجدة طماية أو كيف ينجو المكان في الحكاية.. رواية لعثمان شنقر
صدر حديثًا الجزء الأول من ثلاثية أخبار عائلة الجدة طماية للروائي السوداني عثمان شنقر عن دار نينوى السورية للطباعة والنشر في دمشق

هيئة الأرصاد: أجواء شتوية شمالي السودان ونشاط للرياح في بعض الأنحاء
أكدت الهيئة العامة للأرصاد الجوية، في نشرتها اليومية لأحوال الطقس، استمرار الأجواء الشتوية في معظم أنحاء البلاد خلال الأيام الثلاثة المقبلة

مسعد بولس يعلن وصول أول شحنة مساعدات إلى مدينة الفاشر
أعلن مستشار الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وصول أول شحنة مساعدات إنسانية إلى مدينة الفاشر، غربي السودان، للمرة الأولى منذ أكثر من عام ونصف.

شابان من دولة جنوب السودان ينظمان تحديًا إنسانيًا في بريطانيا من أجل السودان
نفذ شابان من دولة جنوب السودان تحديًا إنسانيًا بقطع مسافة طويلة عبر المملكة المتحدة، من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، بهدف تسليط الضوء على الأوضاع الإنسانية المتدهورة في السودان، وجمع تبرعات لدعم تعليم الأطفال المتأثرين بالحرب.

مفوضية اللاجئين: نزوح 170 ألفًا من الفاشر وكردفان بسبب انعدام الأمن
أكدت مفوضية شؤون اللاجئين التابعة للأمم المتحدة أن نحو 170 ألف شخص نزحوا مؤخرًا من مدينة الفاشر وإقليم كردفان جراء الصراع المسلح، الذي يكمل عامه الثالث في نيسان/أبريل المقبل.

