ultracheck
مجتمع

ثلاث سنوات على الحرب.. أي ثمن دفعته المرأة السودانية؟

15 أبريل 2026
المرأة السودانية في 3 سنوات من الحرب
النساء في حرب السودان
تسنيم خوجلي
تسنيم خوجلي كاتبة وصحفية من السودان

لم تعد الحرب في السودان مجرد أرقام تُحصى، بل صارت وجوهًا وحكايات لنساء فقدن الأمان، وتحولن من ضحايا إلى شاهدات على واحدة من أقسى فصول العنف في تاريخ البلاد الحديث.

منذ اندلاع القتال في 15 أبريل 2023، تغيّرت حياة آلاف النساء بشكل جذري؛ فبين ليلة وضحاها، وجدن أنفسهن في قلب معركة لا تشبه أي شيء عرفنه من قبل. لم تعد البيوت ملاذًا آمنًا، ولا الشوارع أماكن للعبور، بل تحولت إلى مساحات مفتوحة للخوف والانتهاك.

المرأة السودانية لم تكن فقط ضمن الشرائج المتأثرة بالحرب، بل تحولت في كثير من الأحيان إلى هدف مباشر، مع تصاعد العنف الجنسي كأحد أكثر الأساليب قسوة.

في هذا الإطار، وثّقت منظمة "هيومن رايتس ووتش" أكثر من 250 حالة اعتداء جنسي في العاصمة الخرطوم وحدها، مشيرة إلى أن الغالبية العظمى من هذه الانتهاكات نُسبت إلى قوات الدعم السريع. ورغم أن هذا الرقم يبدو صادمًا، إلا أنه لا يمثل سوى جزء من واقع أوسع، يصعب توثيقه بالكامل.

تواصل النساء السودانيات حياتهن وسط هذا الركام؛ بعضهن نازحات في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وأخريات لاجئات في دول الجوار، بينما تبقى أخريات داخل مناطق النزاع، يواجهن يوميًا مخاطر لا يمكن التنبؤ بها

ولا تقف المأساة عند حدود النساء البالغات؛ فقد أشارت منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف" في عام 2025 إلى أن أطفالًا، بعضهم لا يتجاوز عمره عامًا واحدًا، تعرضوا لاعتداءات جنسية، في مشهد يعكس مستوى العنف الذي بلغته هذه الحرب. ووصفت المنظمة هذه الجرائم بأنها قد ترقى إلى مستوى جرائم حرب.

في الأثناء، تواصل النساء السودانيات حياتهن وسط هذا الركام؛ بعضهن نازحات في مخيمات تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة، وأخريات لاجئات في دول الجوار، بينما تبقى أخريات داخل مناطق النزاع، يواجهن يوميًا مخاطر لا يمكن التنبؤ بها.

ورغم كل ذلك، لا تختفي أصوات النساء بالكامل. فهناك من تروي، ومن توثق، ومن تحاول أن تجعل من الحكاية شهادة، لا مجرد ألم عابر. 

ومع دخول الحرب السودانية عامها الرابع، يظل السؤال مفتوحًا: كم من القصص لم ترو بعد؟ وكم من النساء ما زالت قصصهن حبيسة الصمت؟

انتهاكات جسيمة

في تصريحات سابقة، كشفت وزيرة الدولة للموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، سليمى إسحاق لـ "الترا سودان"، عن تعرض نحو 2500 امرأة لانتهاكات جسيمة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل 2023، مشيرة إلى أن هذا الرقم لا يعكس الحجم الحقيقي للانتهاكات، وإنما يقتصر على الحالات التي تمكنت من الوصول إلى مرافق الخدمات الصحية.

وأوضحت أن النساء في السودان تعرضن خلال الحرب لمختلف أشكال الانتهاكات، بما في ذلك القتل والاغتصاب والاختطاف والاعتقال، إضافة إلى النزوح واللجوء القسري، في ظل تدهور الأوضاع الأمنية والإنسانية.

وشددت إسحاق على أن ضمان وصول النساء والفتيات إلى العدالة لا يُعد مجرد التزام قانوني، بل يمثل شرطًا أساسيًا لتحقيق السلام المستدام وصون الكرامة الإنسانية.

تتعرض النساء بشكل خاص لمخاطر متزايدة، أبرزها العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب أعباء اجتماعية ومعيشية ثقيلة داخل المخيمات

وأكدت في السياق ذاته التزام الحكومة بتعزيز النظم القانونية والمؤسسية الهادفة إلى حماية النساء والفتيات، بما يعزز دورهن كشريك أساسي في بناء المجتمع، في وقت تتواصل فيه اتهامات من جهات أممية وحقوقية لقوات الدعم السريع بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين منذ اندلاع الحرب.

وتجدر الإشارة إلى أن مرصد منظمة شباب من أجل دارفور "مشاد" نحو 2794 حالة اغتصاب لنساء وفتيات في السودان، نتجت عنها حالات حمل قسري وولادات، وذلك في سياق النزاع المسلح المستمر في البلاد. وأوضح المرصد أن هذه الأرقام تمثل جزءًا من الانتهاكات التي أمكن توثيقها، ولا تعكس الحجم الكامل للجرائم المرتكبة.

وأشار المرصد إلى أن الحالات المسجلة تقتصر على الوقائع التي ترتب عليها حمل مؤكد، ما يعكس اتساع نطاق العنف الجنسي المستخدم خلال الحرب، وتداعياته الإنسانية والصحية والقانونية على الضحايا وأطفالهن.

وتتعرض النساء بشكل خاص لمخاطر متزايدة، أبرزها العنف الجنسي المرتبط بالنزاع، إلى جانب أعباء اجتماعية ومعيشية ثقيلة داخل المخيمات، حيث تشير شهادات إلى ارتفاع أعداد النساء اللواتي فقدن أزواجهن، بما يعكس تفككًا واسعًا في البنية الأسرية.

كما تراجعت المساعدات الغذائية في عدد من المخيمات، ما أدى إلى عدم انتظام توفر الطعام، في وقت يواجه فيه النازحون صعوبات إضافية تتعلق بغياب أدوات الطهي والوقود، ما يجعل حتى إعداد الطعام تحديًا يوميًا داخل بيئات النزوح.

الرعاية الصحية

في بلدٍ أنهكته الحرب المستمرة منذ أكثر من عامين، تتحول صحة النساء إلى واحد من أكثر الملفات هشاشة، وسط نظام صحي يواجه تدهورًا واسعًا وانهيارًا متسارعًا في كثير من المناطق.

تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 8.1 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب في السودان يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، من بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل، في وقت يُتوقع فيه تسجيل نحو 1.1 مليون ولادة خلال هذا العام، في ظل واقع صحي بالغ التعقيد.

وبدخول الحرب السودانية عامها الرابع، تتفاقم الأزمة أكثر، إذ تراجعت خدمات الرعاية الصحية الأولية والإنجابية بشكل كبير، نتيجة نقص التمويل وشح الإمدادات الطبية، إلى جانب الانهيار الواسع في القطاع الصحي داخل مناطق النزاع، ما جعل الحصول على العلاج مسألة صعبة لكثير من النساء.

تقول منظمة الصحة العالمية إن نحو 8.1 مليون امرأة وفتاة في سن الإنجاب في السودان يحتجن إلى خدمات صحة إنجابية عاجلة، من بينهن أكثر من 803 آلاف امرأة حامل

وتشير المنظمة إلى أن حجم الاحتياج الإنساني يتسع بشكل كبير، إذ تحتاج إلى نحو 97.7 مليون دولار خلال العام الحالي لمساعدة أكثر من 20.4 مليون شخص، بينهم 4.9 مليون نازح داخليًا، يعيش معظمهم في مناطق تعاني من تداخل عوامل الضعف وانعدام الخدمات.

ورغم هذا الاتساع في الاحتياج، تسعى المنظمة للوصول إلى نحو 6.6 مليون شخص بخدمات صحية مباشرة، تشمل الرعاية الإنجابية وصحة الأمهات والأطفال، إلى جانب خدمات الصحة النفسية والدعم النفسي والاجتماعي، في محاولة للتخفيف من آثار أزمة صحية تتعمق يومًا بعد يوم.

تحولات قاسية

في خضم هذه التحولات القاسية، لا تقتصر معاناة النساء على النزوح وفقدان الاستقرار، بل تمتد إلى تفاصيل الحياة اليومية، حيث تتحمل المرأة عبئًا مضاعفًا في محاولة الحفاظ على تماسك الأسرة.

تشير الناشطة في العمل الطوعي، سلمى عبدالباقي الشريف، في حديث لـ "الترا سودان"، إلى أن الأسر السودانية تواجه تحديات كبيرة نتيجة التغيرات الجذرية التي فرضتها الحرب، خاصة في ما يتعلق بالنزوح إلى بيئات جديدة ومختلفة تمامًا. 

وتوضح أن المرأة تجد نفسها في مقدمة من يتعامل مع هذه التحولات، لا سيما في ما يتعلق بالأطفال، إذ تسعى إلى توفير شعور بالأمان لهم، ومساعدتهم على التكيف مع واقع جديد قد يكون صادمًا لهم في كثير من الأحيان.

وتلفت إلى أن بعض الأطفال يرفضون هذا التغيير، ما يضع الأمهات أمام مهمة صعبة لإقناعهم والتخفيف من مخاوفهم، في ظل ظروف معيشية مضطربة. أما الأسر التي لم تتمكن من النزوح خارج مناطق النزاع، فتواجه تحديات أكثر تعقيدًا، حيث تضطر الأمهات إلى طمأنة أطفالهن بأنهم في أمان، رغم أصوات الاشتباكات والرصاص، وانقطاع التيار الكهربائي.

رغم هذه التحديات، برزت أدوار لافتة للنساء في مجتمعات النزوح، حيث انخرطت العديد منهن في العمل الطوعي

ولا تتوقف التحديات عند الجانب النفسي، بل تشمل أيضًا تفاصيل الحياة اليومية، مثل توفير الغذاء في ظل تغير نمط الأكل وندرة الموارد، إضافة إلى صعوبة تأمين المياه، ما يدفع النساء إلى البحث المستمر عنها ومحاولة ترشيد استخدامها. كما تواجه الأمهات تحديًا كبيرًا في الحفاظ على استمرارية تعليم أطفالهن، ومحاولة خلق بيئة مناسبة للدراسة رغم الظروف القاسية.

ورغم هذه التحديات، برزت أدوار لافتة للنساء في مجتمعات النزوح، حيث انخرطت العديد منهن في العمل الطوعي، من خلال تقديم دروس تعليمية ضمن مبادرات التعليم الأهلي، في محاولة لتعويض غياب المؤسسات التعليمية. كما شاركت أخريات في برامج مجتمعية، مثل برامج الإسعافات، لسد النقص في الكوادر الطبية، وتقديم الرعاية الأساسية للمرضى داخل المنازل.

وفي ظل هذا الواقع، تبدو المرأة السودانية وكأنها تعيد تشكيل الحياة من بين الأنقاض، مستندة إلى قدر كبير من الصبر والقدرة على التكيف، في مواجهة حرب لم تترك لها سوى خيار الاستمرار.

الكلمات المفتاحية

نازحون في مدينة الأبيض

"الترا سودان" يدخل مدينة الأبيّض.. معاناة إنسانية ومخاوف من تصعيد القتال

بات الحال في الأبيض غير ما ألفه الناس، واكتظت الشوارع بخيام النازحين، وتحولت المدارس إلى دور إيواء، وسيطر سيناريو الفاشر على الأذهان


تمساح

هجمات التماسيح بالسودان.. هل تقف التغيرات البيئية وراء الظاهرة؟

ثارت حادثة مقتل مزارع شاب إثر هجوم تمساح في جزيرة "صاي" مخاوف المزارعين.. ماذا قال الخبراء لـ"الترا سودان"؟


النهود.jpg

بين الخوف وغلاء المعيشة.. كيف يعيش سكان النهود؟

بعد سيطرة قوات الدعم السريع على مدينة النهود بولاية غرب كردفان، يعيش السكان أوضاعًا إنسانية بالغة الصعوبة


طفل مقاتل

تجنيد الأطفال في حرب السودان.. شهادات وإفادات تكشف حجم المأساة

من طفل يبحث عن الأمان إلى مقاتل في صفوف الحرب.. كيف سرقت المعارك طفولة آلاف السودانيين؟ شهادات تكشف لـ"الترا سودان" تفاصيل تجنيد الأطفال وآثاره النفسية والاجتماعية.

المولد النبوي.jpg
أخبار

استعدادات مبكرة للمولد النبوي.. انطلاق أعمال تأهيل حوش الخليفة بأم درمان

بدأت محلية أم درمان، اليوم السبت، أعمال النظافة والردميات بحوش الخليفة، ضمن الاستعدادات المبكرة للاحتفال بالمولد النبوي الشريف

المعلمون السودانيون
أخبار

عقب هذه التطورات.. رفع إضراب المعلمين لمدة أسبوع في ولاية سودانية

يشكو المعلمون من تدهور كبير في قيمة الرواتب الشهرية مقارنة بتكلفة المعيشة في السودان


ولاية الخرطوم
أخبار

حكومة الخرطوم تقر بإنشاء غرف فندقية لاستضافة الوفود الزائرة

أكد بيان صادر عن حكومة ولاية الخرطوم أن التقارير التي وصفتها بـ"تبديد المال العام" تتجاهل تعاملها مع الخدمات الأساسية من خلال أموال بند الطوارئ التي تخصصها وزارة المالية الاتحادية.

المواهب الكروية
أخبار

السودان يطلق مشروع اكتشاف المواهب الكروية حول العالم

بدأ السودان أولى خطوات مشروع يُنتظر أن يشكل تحولًا في مستقبل كرة القدم الوطنية، بإطلاق المرحلة الأولى

الأكثر قراءة

1
أخبار

شهود يروون لـ "الترا سودان" تفاصيل هجوم تمساح على شاب بولاية نهر النيل


2
أخبار

أطباء بلا حدود: لم نلاحظ نزوحًا واسعًا للأشخاص من مدينة الأبيض


3
أخبار

فدية مقابل الإبل.. اتهامات للدعم السريع بابتزاز رعاة في غرب كردفان


4
أخبار

14 ألف بلاغ في شهر.. كيف تبدو خريطة الجريمة في السودان؟


5
أخبار

الحكومة السودانية تعلق على عقوبات الاتحاد الأوروبي بشأن صادرات الذهب